الاستبداد المعمم في سوريا مقدماته ومراحله - 15 -

 
لومـــــوند : نبيل ملحم 
- الخامس عشر: مقاربات منهجية هامة في تناول موضوع الدولة قبل استكمال الأجزاء المتبقية من بحث سيسيولوجيا الصراع السياسي - المركب والمعقد - على السلطة البعثية في سوريا (1963 – 1970) من جهة أولى، واستكمال ما تبقى من فصول في البحث الأساسي حول موضوع نظام الاستبداد المعمم في سوريا مقدماته ومراحله (1) من جهة ثانية، لا بد من التنويه إلى: أولاً: ضرورة تقديم هذه المقاربات المنهجية العامة والهامة بوصفها إطاراً نظرياً للكثير من المقولات والمفاهيم والمصطلحات التي سيتعرف عليها القارئ في الفصول التالية من هذا البحث. ثانياً: لاعتقادي بأنه لا يمكن تفسير وفهم الكثير من الظواهر السياسية والاجتماعية والطبقية التي عرفتها بعض الشعوب التي عاشت في ظل نوع من نظم الاستبداد المعمم إن كان ذلك في العصور القديمة أو الوسطى أو في العصر الحديث – ولا سيما في القرن العشرين - من دون إجراء بحث ممنهج في موضوع الدولة بشكل عام، وموضوع دولة الاستبداد المعمم بشكل خاص، كون دولة الاستبداد المعمم كما أعتقد شكلاً تاريخياً خاصاً من الأشكال التاريخية لوجود الدولة. حتى يمكنني القول: إن كل مفاهيم علم الاجتماع السياسي التي تعبر عن القوانين الحاكمة لوجود وتطور النظم الاجتماعية السياسية الطبيعية، هي غيرها في حالة النظم الاجتماعية السياسية التي تسود فيها نظم الاستبداد المعمم، الأمر الذي يعني ضرورة إنتاج علم اجتماع سياسي خاص بموضوع الدولة،يحيط بمفاهيمه ويفسر سلوك وسبب وجود وتطور هذا النوع الخاص والاستثنائي من النظم الاجتماعية السياسية، كما يعني هذا ضرورة البحث الممنهج الذي ينقل موضوع الدولة بشكل عام وموضوع دولة الاستبداد المعمم بشكل خاص من التناول الاعتباطي العشوائي أو التناول القائم لخدمة أغراض وأجندات سياسية أو إيديولوجية أو طائفية أو قومية أوعرقية، أو التناول القائم على أساس أخلاقي أو وصفي ورغبوي إلى التناول القائم على أساس من إنتاج علم ومفاهيم ومقولات خاصة ومحددة حول موضوع الدولة، وهو ما أدعو إلى تسميته بعلم الاجتماع السياسي للدولة. وهو علم لم يتم من وجهة نظري إتمامه وإيصاله إلى مستوى العلم المكتمل الأركان والقواعد، رغم كل ما أنتجه العقل البشري عبر العصور من مساهمات حول هذا الموضوع إن كان على المستوي العملي التجريبي أو المستوى النظري، بدءاً من مرحلة نشوء دولة المدينة التي عرفتها أغلبالمجتمعات القديمة مروراً بزمن دولة الإغريق والرومان قبل الميلاد وبعده مروراً بعصر الأنوار الفكري في أوروبا وصولاًإلى يومنا هذا. لا أدعي في هذا البحث بأني أول من طرح على بساط الفكر مسألة ضرورة إنتاج علم اجتماع سياسي خاص بالدولة، فقد سبقأن طرح المفكر الراحل سمير أمين هذه المسألة منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين داعياً إلى تشكيل هذا العلم،وحيث يأتي كل ما أتناوله وما سوف أتناوله من مواضيع لها علاقة بالدولة والأشكال التاريخية لوجود الدولة في إطار مساهمتي في تشكيل هذا العلم من جهة، واستجابة لهذه الدعوة من جهة ثانية(وحيث أن استجابتي كانت فورية وقد مضى عليها ما يقاربالثلاثة عقود من الزمن إلا أن شروطاً لا مجال لبحثها الآن هي من منعت خروج مساهمتي إلى النور والنشر حتى السنوات الأخيرة الماضية). كما لا أدعي أن تاريخ الفكر البشري يخلو من هذا النوع من التناول لموضوع الدولة عبر كل عصور التاريخ، فتاريخ الفكر البشري مليء بالمساهمات التي تتناول موضوع الدولة، ولكن دون أن تصل هذه المساهمات إلى الحد الذي يجعلنا نقول: أننا أصبحنا أمام علم اجتماع سياسي مكتمل في تناوله لموضوع الدولة. إن ما أدعيه في هذا البحث هو أنني أضع بعض المداميك الأولى الأساسية واللازمة لتأسيس علم اجتماع سياسي خاص قائم على التناول المركب والمعقد لنوع خاص واستثنائي من أشكال وجود الدولة، وهي دولة الاستبداد المعمم التي عرفتها بعض المجتمعات في العصر الحديث بشكل عام، والتي عرفتها المجتمعات العربية بشكل خاص،مع عدم إنكار استنادي على كل المساهمات الموجودة في مخزون تاريخ الفكر البشري والتي تناولت موضوع الدولة بشكل عام وموضوع دولة الاستبداد المعمم التي عرفتها العصور القديمة والوسيطة بشكل خاص. فكما أصبحت الكثير من الظواهر الاقتصادية في العصر الحديث تفسر وتفهم على ضوء مفاهيم وقوانين محددة في علم الاقتصاد السياسي، فإن الكثير من الظواهر السياسية والاجتماعية والطبقية في العصر الحديث لا يمكن فهمها أو تفسير حدوثها بشكل صحيح من دون إنتاج مفاهيم وقوانين خاصة، بما يمكن تسميته بعلم الاجتماع السياسي للدولة. وحيث يمكنني القول:إن المقاربات التالية في السطور القادمة من هذا البحث تشكل مدخلاً مكثفاً ومختصراً للخوض في غمار إنتاج هذه المفاهيم الخاصة بالدولة بشكل عام ودولة نظم الاستبداد المعمم بشكل خاص، وحيث يأتي في مقدمة ما ينبغي معرفته في شروط الواقع العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص حول هذا الموضوع ما يلي: أولاً: النموذج العربي لدولة الاستبداد المعمم القائمة على العصبية: يمكن القول مع قليل من التسامح بأن الواقع العربي عرف في العصر الحديث أربعة من نظم الاستبداد المعمم المتشابهة المشتقة أساساً من النموذج العام الستاليني، الذي أضيفت إليه الخصائص التاريخية لكل ساحة من الساحات التي عرفت هذا الاشتقاق التاريخي. فنجد نظامي البعث في العراق وسوريا متشابهين إلى حد التطابق، ونجد كذلك تشابهاًإلى حد التطابق بين النموذج الليبي في ظل حكم معمر القذافي، واليمني في ظل حكم علي عبد الله صالح. فالنموذج العراقي البعثي الذي استقر على الحالة الصدّامية، والنموذج السوري البعثي الذي استقر على الحالة الأسدية، يتشابهان في كون كلاهما قاما على عصبية طائفية داخل المجتمع مضافة على القاعدة الطبقية السياسية لهذه النظم، عصبية علوية في سوريا وسنية في العراق. والنموذج الليبي واليمني يتشابهان في كون كلاهما قاما على عصبية قبلية داخل المجتمع مضافة على القاعدة الطبقية السياسية لهذه النظم،عصبية قبيلة حاشد (2) في اليمن، وعصبية قبيلة الورفلة والقذاذفة (3) في ليبيا. ولهذا سأشير في هذا البحث بشكل دائم إلى نوعين من العصبية التي قامت عليها دولة الاستبداد المعمم في الواقع العربي، عصبية طائفية أو عصبية قبلية،مع عدم إغفال وجود العصبية العائلية في كل هذه النماذج، وعدم إغفال الحالات التي قامت على عصبية قومية عروبية أو جهوية أو مناطقية في بعض الساحات، ودون أن نغفل كذلك تراكب العصبية القومية مع أحد العصبيات المشار إليها في السطور السابقة في بعض الساحات، ولهذا فكل كلامي عن النموذج السوري ينطبق في خطوطه العريضة على النموذج العراقي، طبعاً مع الاحتفاظ ببعض التمايزات بينهما، وبنفس الوقت ينطبق كليهما في الجوهر مع النموذج الليبي واليمني، ودائماً مع الاحتفاظ ببعض التمايزات من هنا وهناك. فالعامل الحاسم هنا هو العصبية، وليس نوع العصبية التي تقوم عليها الدولة. كما أن الخطوط العريضة لهذا البحث تشمل النموذج المصري والسوداني والجزائري والتونسي...إلخ مما أجاد علينا الواقع العربي من اشتقاقات متنوعة من نظم الاستبداد المعمم. ومنذ البداية أقول: إن أهم ما ميز نظام الاستبداد المعمم الأسدي في سوريا عن بقية نظم الاستبداد المعمم التي قامت على نوع من العصبية في الواقع العربي هو: أولاً: إن النظام الأسدي ارتكز على عصبية طائفية تشكل أقلية داخل المجتمع السوري في حين أن كل نظم الاستبداد المعمم الأخرى المشابهة في الواقع العربي ارتكزت على عصبية طائفية أو قبلية تشكل أغلبية داخل مجتمعاتها، ففي اليمن تشكل قبيلة حاشد التي ارتكز عليها نظام علي عبد الله صالح أكبر وأقوى القبائل اليمنية، وفي ليبيا تشكل قبيلتي الورفلة والقذاذفة التي ارتكز عليهما نظام معمر القذافي أكبر واقوى القبائل الليبية، وفي العراق ورغم ارتكاز النظام الصدّامي على الأقلية السنية داخل العراق إلا أن أهل السنّة يشكلون على الصعيد العربيأغلبية دينية سائدة. بمقابل كل هذه الحالات نجد أن النظام السوري هو الوحيد الذي ارتكز على عصبية طائفية تشكل أقلية طائفية على الصعيد السوري والعربي والإسلامي. ثانياً: في كل الساحات العربية التي عرفت نظام استبدادي معمم كما الحالة السورية، أصبحت الدولة في هذه الساحات لا تمتلك وسائل الإنتاج من أيام عمليات التأميم فحسب، بل امتلكت إضافة إلى ذلك ثروة باطنية نفطية هائلة، وهو الأمر الذي وفر للطبقة العليا للدولة الاستبدادية في هذه الساحات إمكانية تشكيل ثروتها الاقتصادية من خلال سرقة ونهب عائدات الثروات الباطنية النفطية التي كانت ممسوكة من قبل هذه الطبقة من خلال ألف طريقة وطريقة. الحالة السورية كانت الوحيدة التي لم تمتلك فيها الدولة هذه الثروات الباطنية الهائلة، ولا سيما في العقود الأولى من عمر النظام – وحتى عندما امتلكت سوريا بعضاً من هذه الثروات فإن ريعها بقي حكراً على محفظة القصر الجمهوري الأسدي - وهو الأمر الذي أدى إلى أن تكون علاقة الطبقة العليا للدولة الاستبدادية الأسدية مع الطبقة القديمة البرجوازية التقليدية المالكة للثروة،أو بقايا هذه الطبقة هي علاقة تصادمية في أكثر من محطة في مسيرة تشكل الطبقة العليا للدولة الأسدية، ولا سيما خلال العقدين الأولين اللذين تشكلت فيهما هذه الطبقة. فالطبقة العليا لدولة الاستبداد المعمم الأسدية هي الوحيدة التي ما كان يمكن لها أن تنمي وتشكل ثروتها الاقتصادية إلا من خلال التوحش واللصوصية ومد يدها لا إلى جيب عامة الشعب السوري فحسب، بل إلى جيب الطبقة القديمة المالكة للثروة أو من خلال إجبارها على الدخول في شراكة معها. إن كون الطبقة العليا للدولة الأسدية طبقة مالكة للسلطة وكل مصادر القوة في الدولة ومحرومة في الوقت ذاته من الاستفادة من ريع ثروات باطنية نفطية كما في حال شقيقاتها العربيات. أقول:إن ذلك حول هذه الطبقة ومعها النظام إلى ما سماه عزمي بشارة في كتابه سوريا درب الآلام نحو الحرية " حكم السارقين أو نظام التشليح ". إن كل ما تناولته سابقاً في هذا البحث، وما سوف أتناوله مستقبلاً، يشمل في خطوطه العريضة إن كان لجهة المقدمات التي أنتجت الاستبداد المعمم، أو لجهة المراحل التي مر بها الاستبداد المعمم، هي ذاتها في كل الساحات المشار إليها، أي أنني سأتناول دولة الاستبداد المعمم بالعام، ولكن سأركز الحديث بالملموس عندما تقتضي الضرورة على النموذج السوري، كونه يمثل النموذج الذي يمكن أن نجد فيه كل الخصائص التي تميز دولة الاستبداد المعمم من جهة، وكونه النموذج الذي يشكل ساحة اشتغال هذا البحث من جهة أخرى. ثانياً: الفرق بين نظم الاستبداد المعمم والنظم العسكرية: من المهم التفريق بين ما أسميه نظم الاستبداد المعمم الشمولية، ونظم الاستبداد السياسي العسكرية من جهة أولى، وبين نوعين من نظم الاستبداد المعمم الشمولية من جهة ثانية. حيث يمكن القول: إذا كان ما يحدد نظم الاستبداد المعمم الشمولية، هو كونها نظماً تقوم أساساً على احتلال واحتكار السلطة / الدولة للمجالات الثلاثة (السياسية والاقتصادية والإيديولوجية) المحددة للبناء الاجتماعي الكلي، فإن نظم الاستبداد السياسي العسكرية تقوم على محاولة احتلالها واحتكارها للمجال السياسي العام، أو لنقل: محاولة السيطرة على المجال السياسي العام مع بقاء المجالين الاقتصادي والإيديولوجي خارج متناول وسيطرة السلطة والدولة، ومع ملاحظة بأنه مهما بلغت محاولات هذه النظم العسكرية لاحتلال واحتكار المجال السياسي العام، فإنها لا تصل وتبلغ الحد الذي تصله نظم الاستبداد المعمم الشمولية في عملية الاحتلال والاحتكار، وفي كل الحالات فإن نجاح نظم الاستبداد السياسي العسكرية في ذلك نسبي وقصير المدى وسرعان ما يكنسها المجتمع من قمة السلطة والدولة. فقد عرفت سوريا على سبيل المثالأكثر من انقلاب عسكري، أنتج نظماً عسكرية قبل انقلاب البعث في 8 آذار 1963، إلا أن ما ميز هذه النظم العسكرية – حسني الزعيم 1949، سامي الحناوي 1949، أديب الشيشكلي 1952، وبعد ذلك انقلاب الانفصال عن مصر 1961، بقيادة عبد الكريم النحلاوي، وبعده انقلاب النحلاوي على حكومة معروف الدواليبي 1962، وبعدها الانقلاب على النحلاوي. أقول:إن ما يميزها عن انقلاب نظام البعث، هو في كون كل النظم العسكرية قبل انقلاب نظام البعث، اكتفت باحتلالها واحتكارها النسبي للمجال السياسي العام، في حين أن انقلاب البعث أنتج نظاماً سياسياً احتكر واحتل المجال السياسي العام، وكذلك المجال الاقتصادي من خلال وضع يد الدولة على وسائل الإنتاج بعد عمليات التأميم وتدمير الطبقة القديمة البرجوازية التقليدية المالكة للثروة، وكذلك وضع يدها على المجال الإيديولوجي من خلال إيديولوجية الحزب الواحد القائد والحاكم بإيديولوجيته القومية البعثية البرجوازية الصغيرة.فمع هذا الاحتلال والاحتكار للمجالات الثلاثة أصبحت السلطة / الدولة تمارس كل أنواع القهر السياسي والاقتصادي والإيديولوجي، وهنا نصل إلى حالة القهر العام والمعمم أو ما يسمى بالطغيان أو الاستبداد المعمم الشمولي. لهذا ينبغي التمييز بين كل النظم العسكرية التي مارست القهر السياسي فقط أو حاولت ممارسته، وبين نظام الاستبداد المعمم الذي أتى في الحالة السورية مع انقلاب البعث في 8 آذار 1963، واكتملت كل مقوماته وملامحه مع انقلاب حافظ الأسد في تشرين الثاني 1970، فهذا التمييز ضروري لمعرفة أن نظم الاستبداد المعمم لا تسود في السلطة فقط ودفعة واحدة، كما حال النظم العسكرية الكلاسيكية، بل تشهد وترافق عملية صعودها وتشكلها سيرورة عميقة من التحولات السياسية والاقتصادية والإيديولوجية، كما أنها تمر بدورة حياة طويلة المدى تصل في أغلب الأحيان إلى عدة عقود من الزمن. أن نظم الاستبداد المعمم هذه يعرفها التاريخ عندما تقوم الدولة / السلطة باحتلال واحتكار المجالات الثلاثة المشكلة للبناء والوجود الاجتماعي،أي تقوم باحتلال واحتكار المجال السياسي والاقتصادي والإيديولوجي، وبما يعني أن الدولة / السلطة تصبح هي القوة الوحيدة المحدد لكل قوة يمكن أن توجد وتتواجد في هذه المجالات، وبما يعني كذلك أن الدولة / السلطة تقوم بتحطيم أي قوة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو إيديولوجية لا تتجانس مع ضرورة استمرار هذا النوع من السلطة / الدولة، والمقصود بالتجانس هنا وعلى طول الخط التجانس السياسي مع إرادة ومشروع بقاء وتأبيد بقاء هذا النوع من السلطة / الدولة،أي أن جوهر هذا التجانس يقوم على تدمير ومنع التعدد السياسي عبر التطهير السياسي بهدف التخلص من كل ما هو غير متجانس مع سياسة السلطة / الدولة حتى وإن اقتضى الأمر التطهير العرقي أو الطائفي أو القومي أو القبلي من أجل ضرورات الحفاظ على التجانس السياسي الذي تريده السلطة / الدولة من أجل بقائها. وهنا أقول: واهم من يعتقد أن نوع الإيديولوجيا الأصل التي تصعد باسمها هذه النظم هو ما يحدث فرقاً بين نظام وآخر، فعبر التاريخ كله نجد أن ما يميز هذه النظم التي ظهرت في كل العصور وتحديداً في المجتمعات الشرقية، كان نوع نمط الإنتاج المستبطن في أحشاء الدولة (عبودي أو إقطاعي أو رأسمالي)، ودرجة هذا الاستبطان، فعلى سبيل المثال نجد أن دولة الاستبداد المعمم الستالينية ومعها كل دول الاستبداد المعمم التي عرفتها أوروبا الشرقية قد استبطنت وأخفت نمط الإنتاج الرأسمالي في أحشائها إلى الحدود القصوى، ومن هذه البيئات من الاستبطان لأنماط الإنتاج في الحدود القصوى نشأت مقولة الحاكم المستبد " العادل " المضللة، إذ لا يمكن أن يكون من وجهة نظري حاكم مستبد وعادل بنفس الوقت، كما نشأت مقولة أخرى مضللة هي مقولة الاشتراكيات المبكرة في التاريخ، في حين نجد أن هذا الاستبطان والإخفاء لنمط الإنتاج الرأسمالي تراوح في دول الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي بين حدوده الدنيا والمتوسطة، ومن هذه البيئات من الاستبطان لأنماط الإنتاج في الحدود الدنيا والوسطى نشأت مقولة المستبد الظالم،وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفرق في درجة الاستبطان يحدث فروقاً كمية بين نظام وآخر، ولكن هذه الفروق لا تصل إلى الحدود النوعية، فما يوحد فصيلة وزمرة دم هذه النظم في العصر الحديث كما القديم لم يكن نوع نمط الإنتاج المستبطن فحسب، بل علاقتها الشاذة مع المجتمع، أقصد هنا علاقة الدولة / السلطة مع المجتمع، وعلاقة الدولة / السلطة مع مجالات البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والإيديولوجي، والآثار المدمرة للمجتمع التي تنتج عن هذه العلاقة، وحيث ذلك يحتاج للإحاطة به معالجة تاريخية وسيسيولوجية عميقة وشاملة لا يمكن أن يستوعبها بحث بل تحتاج إلى كتاب إن لم يكن أكثر. فهذه النظم هي ذاتها التي سماها كارل ماركس في سياق دراسته الموجزة وغير المكتملة للمجتمعات الشرقية القديمة والوسيطة بالعبوديات المعممة ونظم الطغيان لتمييزها عن العبوديات " الديمقراطية " التي عرفها المجتمعان الإغريقي والروماني القديمان. ومن مفارقات التاريخ أن أحفاد كارل ماركس الضالون كانوا السباقين بل المؤسسيين لنموذج الاستبداد المعمم في العصر الحديث، فهو النموذج الذي اشتقت منه كل نظم الاستبداد المعمم التي عرفها القرن العشرون. حيث نجد بأنه بالرغم من كل الأقنعة واللبوس الحداثوية التي ارتدتها النظم الإيديولوجية الشمولية التي عرفها القرن العشرون بدءاً بنسختها الشيوعية الستالينية وصولاً لمشتقاتها القومية التي عرفتها الكثير من الساحات في مختلف بقاع العالم، فإنها لم تكن في الجوهر والعمق سوى نظم عبودية بربرية فاشية بدائية تمتلك وجهين، وجهاً ناعماً، ووجهاً خشناً، وجهاً بربرياً فاشياً ناعماً، نلمسه ونجده فقط في علاقة الدولة الشمولية العبودية بالمجتمع في الحالات العادية الطبيعية من علاقة الدولة والسلطة بالمجتمع، أو لنقل: نجده في الحالات التي لا يكون هناك صدام وصراع معلن ومكشوف بين السلطة السياسية للدولة والمجتمع، وهنا يتمثل ويتجسد فعلها البربري الفاشي في كونها تقوم بتذرير المجتمع في أحشائها أي في أجهزتها ومؤسساتها المختلفة الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية ( العسكرية والمدنية ) حيث يشكل ما يسمى القطاع العام أو قطاع الدولة وهي التسمية الأكثر دقة، المصيدة التي يقع فيها المجتمع، حيث تلتهم منها الدولة الشمولية المجتمع في أحشائها الواسعة الشاسعة. وهنا من الجدير التنويه إلى أن الاقتصاد السياسي لنظامي العبودية والقنانة في التاريخ تحدّد كما بين ذلك كارل ماركس في مقدمة أصل رأس المال(4)، من خلال ربط المنتجين قسراً بوسائل الإنتاج، فأهم ما ميز وضع العبيد والأقنان في المجتمعات القديمة هو ربط العبد والفلاح " القن " قسراً بالأرض، كونها وسيلة الإنتاج الأساسية في تلك المرحلة، وهو الأمر الذي تم إعادة إنتاجه بشكل حديث في العصور الحديثة على يد النظام العبودي الستاليني، عندما تم عبر ما سمي رأسمالية الدولة " الاشتراكية " ، ربط المجتمع كل المجتمع بأجهزة ومؤسسات الدولة الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية والثقافية والروحية والاجتماعية بوصفها الوسائل الوحيدة للإنتاج ووجود المجتمع، وحيث اقتضى ذلك تحريف مضمون مقولة كارل ماركس القائلة بأن الوصول إلى الاشتراكية يتطلب ضرورة قيام سلطة المنتجين على وسائل الإنتاج، حيث تم استبدال سلطة المنتجين بسلطة الدولة والحزب والسلطة السياسية على وسائل الإنتاج، وهو الأمر الذي أنتج نظماً في العصور الحديثة مشابهة لنظم الاستبداد المعمم والعبوديات الشرقية القديمة التي يطلق عليها في علم الاجتماع اسم أنماط الإنتاج الآسيوية أو العبوديات الشرقية، وحيث الفارق بين النظم الآسيوية القديمة والحديثة هو في كون الأراضي هي وسيلة الإنتاج الأساسية المملوكة من قبل الدولة في النظم الآسيوية القديمة، في حين يشكل ما يسمى قطاع الدولة – مؤسسات الدولة بمختلف المجالات والقطاعات - وسيلة الإنتاج الأساسية في نظم العبوديات الحديثة الستالينية الأصل. بهذا المعنى فإن وصفي للنظام الستاليني وكل اشتقاقاته العالمية بصفة العبودية لا تتأتى من كونها نظماً تقوم على ممارسة العبودية السياسية، من خلال احتكارها للمجال السياسي العام فحسب، بل من كونها نظماً تقوم أساساً على ربط المنتجين قسراً بوسائل الإنتاج المملوكة من قبل الدولة والسلطة والحزب القائد، وحيث النموذج المشابه والمكافئ للنماذج المخبرية الفيزيائية في حالتها المثالية، نجده الآن في كوريا الشمالية. وهناك الوجه الخشن أو الوجه البربري الفاشي الخشن الذي نلمسه ونجده في علاقة الدولة الشمولية بالمجتمع في الحالات التي يبدأ فيها الصراع والصدام بين السلطة السياسية للدولة الشمولية والمجتمع، ولا سيما في المرحلة التي تحاول فيها سلطة الدولة تجميع وتركيز قوة وطاقات المجتمع كلها في قبضة الدولة وسلطة الدولة، وهي المرحلة التي يمكن تسميتها بمرحلة التراكم الأولي التي تقوم بها الدولة الشمولية، فهنا تكشر الدولة الشمولية عن أنيابها البربرية والفاشية الحقيقية، فتقوم بتدمير وسحق كل من يقف في طريق وجودها وخططها ومشاريعها في توليد التراكم اللازم لقوة الدولة. ففي مرحلة صعود النظام كما في الحالة السوفييتية بعد صعود الستالينية وكما الحالة الصينية الماوية، وكما في كل الحالات العربية ولا سيما في سياق سعي وعمل هذه النظم لاحتلال المجال الاقتصادي واحتكاره لمصلحة قبضة الدولة بهدف تحقيق التراكم اللازم لرأسمالية الدولة " الاشتراكية " المزعومة، وحيث هذا الاحتكار للمجال الاقتصادي يتلازم بالضرورة مع الاحتكار والاحتلال للمجالين السياسي والإيديولوجي، وحيث ذهب ضحية ذلك ما يقارب العشرين مليون مواطن في الصين الماوية الشعبية ونفس الرقم في الدولة السوفييتية الستالينية العتيدة، وحيث زهقت الأرواح في كلا البلدين في المجاعات أو في معسكرات الاعتقال الجماعية التي اشتهر بها النظامان. والأمر ذاته تكرر مع صعود نظم الاستبداد المعمم في الحالات العربية حين قامت هذه النظم بسحق كل القوى السياسية والاجتماعية والطبقية التي وقفت في وجه صعودها. كما يظهر الوجه الخشن في مرحلة انحطاط وتحلل هذه النظم، كما في الحالات العربية التي ارتكزت على عصبية طائفية أو قبلية، فنوع كهذا من النظم تقاوم السقوط بكل الوسائل والطرق الوحشية والبربرية. إن ما يميز النظم الشمولية ذات الأصول " الشيوعية " الستالينية أو القومية عن النظم الشمولية النازية والفاشية، هو في كون النظم الشمولية من النوع الأول تمتلك وجهين، وجهاً فاشياً ناعماً، ووجهاً فاشياً خشناً, وحيث يظهر وجهها الخشن غالباً في مرحلتي صعودها وانحطاطها، في حين نجد وجهها الناعم في فترة ازدهارها فقط، في حين أن النظم الشمولية من النوع الثاني لا تملك سوى وجه واحد، هو وجهها الخشن, وهذا طبيعي ومنطقي كون هذا النوع من النظم لا يقوم ويعرف في الواقع إلا في لحظة التأزم الطبقي الاجتماعي السياسي الحاد داخل المجتمع الرأسمالي، وحيث أن هذه النظم لا يمكنها أن تعيش وتعمر سوى مرحلة واحدة، هي مرحلة صعودها وتوحشها وموتها، فهي نظم لا يسمح لها عالمياً، من قبل الشعوب والحكومات، أن تأخذ كامل فرصتها في الحياة كونها معادية للبشرية جمعاء. لقد اختبأت النظم الشمولية ذات الأصول الشيوعية والقومية فترات طويلة من زمن عمرها المديد الطويل خلف وجهها البربري الفاشي الناعم، وقد استطاعت من خلال قناعها هذا أن تقدم نفسها للبشرية على أنها نظم العدالة الاجتماعية والاشتراكية، كما استطاعت أن تميز نفسها وتبدو وكأنها شيء مختلف وبشكل نوعي عن النازية والفاشية ذات الوجه الواحد الخشن المعادي لكل البشرية والذي ذاقت منه البشرية كلها الويلات، لقد طرحت النظم الشمولية ذات الأصول الشيوعية والقومية نفسها بوصفها نظماً صديقة ومدافعة عن الشعوب كلها، لهذا استطاعت هذه النظم أن تولّد وتخلق ( على الصعيد العالمي ) طبقة من النخب السياسية والثقافية والإيديولوجية " الشيوعية " و " القومية " المدافعة عنها والمبررة لأعمالها وسلوكها ووجودها حتى في الحالات التي تكشف عن وجهها الفاشي البربري. وهنا تم تبرير أعمالها البربرية والفاشية بحجة أنها أعمال تندرج في إطار الدفاع عن النفس في مواجهة المؤامرات الخارجية التي تستهدف إسقاط النظام الاشتراكي المعادي للرأسمالية والإمبريالية العالمية، وفي هذا التبرير تكمن بذرة السقوط والانحطاط السياسي والأخلاقي الذي يميزما أسميه باليسار العبودي، أي هنا يأتي أصل الانحطاط السياسي والأخلاقي الذي يميز أغلب النخب السياسية والثقافية " الشيوعية " و" القومية " التي آمنت يوماً ما بأن هذه النظم هي نظم العدالة الاجتماعية والاشتراكية المنشودة. فهو ذاته اليسار الذي غطى تاريخياً كل الأعمال البربرية والوحشية لرفيقهم وقدوتهم ستالين السوفييتي الذي ينافسحتى الآن الزعيم النازي أدولف هتلر والقائد المغولي هولاكو على لقب أخطر جزار في التاريخ البشري. ثالثاً: علاقة نظم الاستبداد المعمم بالثروة والطبقة المالكة للثروة: ينبغي ملاحظة وتبيان أن هناك فارقاً مهماً بين نظم الاستبداد المعمم الشمولية التي تغطت بالإيديولوجيا الشيوعية أو القومية البرجوازية الصغيرة، والأنظمة الشمولية النازية العرقية أو الفاشية القومية أو الدينية. فإذا كانت النظم الأولى، كما سبق وأشرت إليها في السطور السابقة، تقوم باحتلال واحتكار المجالات الثلاثة في البناء الاجتماعي، فإن النظم الأخيرة تختلف عنها في كونها نظماً تحتل فقط المجالين السياسي والإيديولوجي في البناء الاجتماعي، في حين تترك المجال الاقتصادي بيد القوى السائدة والقديمة المالكة للثروة، وبما يعني أن هذه النظم تختلف عن نظم الاستبداد المعمم ذات الأصول الشمولية الشيوعية أو القومية البرجوازية الصغيرة في كونها تحافظ على وجود الطبقة القديمة المالكة للثروة، كما تترك علاقات الإنتاج البرجوازية طليقة دون أن تستبطنها في أحشاء الدولة الشمولية. فإذا كانت نظم الاستبداد المعمم الشمولية ذات الأصول الشيوعية أو القومية البرجوازية الصغيرة أتت إلى السلطة لإدارة وقيادة الحكومة والمجتمععلى أرضية التشكيك بالطبقة البرجوازية القديمة المالكة للثروة، وبالمبادئ الأساسية لهذه الطبقة، فإن النظم الاستبدادية النازية (كالحالة الهتلرية الألمانية) والاستبدادية الفاشية (كالحالة الإيطالية زمن موسوليني والحالة اليابانية زمن الإمبراطور هيروهيتو) والاستبدادية الفاشية الدينية (كالنظام الديني في إيران الخمينية)، فإنها كلها أتت إلى السلطة وهي " راغبة في إدارة الحكومة والمجتمع على نحو لا يسمح بالتشكيك في المبادئ الأساسية للرأسمالية، خاصة الملكية الخاصة على وجه التحديد، بما في ذلك الرأسمالية الاحتكارية الحديثة"(5). يكفي هنا أن نشير على سبيل المثال إلى أن الفاشية الدينية الخمينية في إيران التي وثبت إلى السلطة بعد ثورة 1979 وصلت بدعم كبار تجار البازار في إيران من جهة، ومن أجل تحقيق مصالح هذه الشريحة، ومعها مصالح كل الطبقة المالكة للثروة في إيران من جهة ثانية، كما أن النازية الألمانية أتت كمخرج لأزمة الرأسمالية الاحتكارية في ألمانيا من جهة، ولخدمة هذه الاحتكارات من جهة ثانية. إن توضيح الفرق بين هذين النوعين من النظم الشمولية مهم لإدراك أن نظم الاستبداد المعمم الشمولية إذا ما سادت في ساحة من الساحات فإن هذا يعني ضرورة وعي وإدراك التحولات الاجتماعية العميقة الناتجة عن قيام نوع كهذا من النظم، وحيث لا نجد مثل هذه التحولات لا في حالة النظم العسكرية ولا في حالة النظم الشمولية النازية والفاشية، تحولات تطال بنية وطبيعة الطبقات الاجتماعية، وتصل في عمقها إلى حد ينتقل معها مركز ثقل السلطة ومعه مركز ثقل الثروة داخل المجتمع من جهة إلى أخرى. كما أن ملاحظة هذه التحولات ضرورية جداً لفهم دورة الحياة الخاصة والشاذة لهذه النظم، وضرورية لفهم آلية بقائها واستمرارها لمدة طويلة، وضرورية لفهم آلية زوالها ومواجهتها بطرق واعية ومدروسة. في هكذا نوع من الدولة / السلطة التي تقوم على احتلال واحتكار المجالات الثلاثة المشكلة للبناء الاجتماعي تقوم الدولة بابتلاع المجتمع ومعه نمط الإنتاج الاجتماعي في أحشائها إن كان بطرق مباشرة أو غير مباشرة،أي إن كان من خلال وقوع المجتمع أو قطاعات من المجتمع بشكل مباشر في أحشاء أجهزة الدولة ومؤسساتها،أو إن كان من خلال ربط ما تبقى من قطاعات المجتمع بطرق غير مباشرة بأجهزة ومؤسسات الدولة،إن كان من خلال الربط السياسي أو الاقتصادي أو الإيديولوجي أو الاجتماعي أو أي شكل من أشكال الارتباط الناتج عن ضرورة علاقة الفرد بالدولة. فهنا تقوم السلطة / الدولة بممارسة كل أشكال وأنواع الاضطهاد فهي التي تمارس الاضطهاد السياسي والاقتصادي والإيديولوجي، وممارسة هذه النظم / الدولة لكل أشكال وأنواع الاضطهاد هو ما دعانا إلى أن نطلق عليها نظم ودول الاستبداد المعمم كي نميزها عن نظم الاستبداد السياسي الطبيعية التي عرفها التاريخ، وسنرى فيما سيتقدم من هذا المقال أن هناك دواعي وأسباب أخرى غير التي أشرت إليها أعلاه هي ما يجعلنا نطلق عليها صفة الاستبداد المعمم. إن ما يجعلنا نطلق على هذا النوع من السلطة/ الدولة اسم دولة الاستبداد المعممة لا يقتصر على كونها دولة تقوم بممارسة كل أشكال القهر السياسي والاقتصادي والإيديولوجي، ولا يقتصر على كون كل الطبقات السياسية بما فيها الطبقة السائدة مجردة من حقوقها السياسية، وبما يعني أن كل طبقات وأفراد المجتمع ينظر إليهم ويتم التعامل معهم كرعاع ورعايا لتلك الدولة / النظام،أقول:إن ما يجعلنا نقول عنها دولة استبدادية معممة هو أن هذا النوع من الدولة / النظام تقوم وهي تضع على رأسها عمامة إيديولوجية دينية كما في دول الاستبداد المعمم القديمة أو وضعية (قد تكون شيوعية أو قومية) كما في دول الاستبداد المعمم التي عرفتها العصور الحديثة في القرن العشرين في أكثر من مكان في العالم . فهنا تقوم وتتوالد وتتواجد الطبقات الاجتماعية في أحشاء الدولة،أو على أطرافها بوصفها طبقات مختلفة كلياً عما عرفة التاريخ من أشكال وأنواع الطبقات الاجتماعية، حيث نجد في هكذا نموذج للدولة / السلطة مثلاً في العصور الوسطى تشكل الطبقة العليا للدولة الإقطاعية في المجتمعات الشرقية مقابل الطبقة السفلى للدولة بوصفهم فلاحي الدولة،أو نجد في العصور الحديثة كما هو حال أغلب مجتمعاتنا العربية في ظل نظم الاستبداد المعممتشكل الطبقة العليا للدولة البرجوازيةمقابل الطبقة السفلى للدولة بوصفهم موظفي ومستخدمي الدولة، وفي كلا الحالتينأي إن كان في النظم القديمة أو " الحديثة " تتركز وتتواجد بين الطبقتين الرئيسيتين طبقة وسطى للدولة من التجار والحرفيين المقيمين في المدن في النظم القديمة، ومن البرجوازية الصغيرة الواقعة على الدرجات الوسطى من سلم التراتب الوظيفي داخل أجهزة ومؤسسات الدولة. إن أهم ما يميز هذا الشكل من الوجود الطبقي ليست كون الطبقات تنشأ في أحشاء الدولة، بوصفها طبقات دولة لها خصائصها المميزة،إن كان في علاقتها بالدولة / السلطة أو في شكل وطرق صراع هذه الطبقات،أقول:إن أهم ما يميزها هو كونها طبقات تولد وهي مجردة من حقوقها السياسية، فحتى الطبقة المالكة للثروة والسلطة والتي تعتبر في كل النظم الاجتماعية السياسية عبر التاريخ بأنها الطبقة السائدة في المجتمع،أقول حتى هذه الطبقة في ظل نظم الاستبداد المعمم تكون طبقة غير سائدة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، فحتى هذه الطبقة في ظل الاستبداد المعمم تكون طبقة مجردة من حقوقها السياسية، وحتى حقوقها الاقتصادية تكون مقننة ويمكن سحبها في أي لحظة تحت ضغط وتدخل السلطة ورجالاتها، أي هنا لا يقتصر التجريد على الطبقة المسودة فحسب، بل يصل التجريد السياسي ليطال كل طبقات المجتمع، فهنا كل أفراد المجتمع بكل طبقاتهم تتم معاملتهم بوصفهم رعايا ورعاع عند السلطة / الدولة، فالسيادة هنا لا تكون إلا لشخص وفرد واحد وحيد هو رأس السلطة والدولة،فهو السيد الوحيد وصاحب الحقوق كلها، إنهالحاكم المستبد الذي يتربع على رأس كل سلطة إن كانت اقتصادية أو سياسية أو إيديولوجية.إن تجريد كل طبقات المجتمع من حقوقها السياسية بما فيها الطبقة المالكة للثروة والسلطة هو ما جعلنا نطلق على هذا النوع من النظم السياسية الاجتماعية بنظم الاستبداد المعمم أو نظم الطغيان. إن سعي هذا النمط من الدولة / السلطةإلى خلق المجتمع المتجانس سياسياً، يعني الدعوة المكشوفة إلى بناء مجتمع الرعايا والرعاع المجردين من كل حق سياسي مختلف عما يريده ويسعى إليه رأس هذا النظام،فبناء المجتمع المتجانسيعني تدمير أي مختلف، والقضاء على التعدد أو عدم السماح بقيامه ووجوده، وبهذا المعنى فإن سعي وعملنوع كهذا من النظم تشكل دعوة للقضاء على الوطنية، كون الوطنية في أي مجتمع هي ذلك الثوب المنسوج بكل ألوان الخيوط السياسية والطبقية والاجتماعية والثقافية والتاريخية التي يتشكل منها المجتمع في كل لحظة من وجوده وتطوره، وبهذا المعنى إذا كان علينا أن نضيفإلى علم الاجتماع تعريفاً مبسطاً للوطنية، فعلينا القول:إن الوطنية هي نقيض التجانس الذي لا يمكن أن يكون إلا رعاعياً. فإذا نظرنا إلى تاريخ الطبقات السائدة عبر التاريخ القديم والحديث نجد أن هذا التجريد – أي تجريد كل الطبقات من حقوقها - هو أهم ما يميز هذا النوع من النظم، فحتى في العبوديات القديمة إن كان في روما زمن العبودية أو في أثينا زمن دول المدن اليونانية العبودية، نجد أن من كانوا ينتمون إلى الطبقة السائدة من مالكي العبيد كانوا سادة أحراراً ومواطنين يمتلكون حقهم السياسي والاقتصادي في تقرير مصيرهم، وحتى فيما بعد من تطور التاريخ نجد بأنه حتى في دول القنانة الإقطاعية في أوروبا فإن مالكي الأراضي من الإقطاع، فإنهم كذلك كانوا سادة ومواطنين ويملكون كل الحقوق في تقرير مصيرهم السياسي والاقتصادي، أي أن نوع ونمط العبودية الذي يعرفه ويشهده مجتمع من المجتمعات في ظل نظم الاستبداد المعمم يفوق في قسوته وشدته كل أنواع العبوديات التي عرفها التاريخ، أي هي شكل منفرد ومميز في قسوته عن كل ما عرفه التاريخ البشري من أشكال الظلم والاضطهاد والاستبداد والطغيان . رابعاً: علاقة كيان الدولة بكيان السلطة السياسية: تختلف نظم الاستبداد المعمم عن غيرها من نظم الاستبداد السياسي التي عرفها التاريخ القديم والحديث، في كون هذه النظم تقوم على الدمج بين كيان السلطة السياسية وكيان الدولة، وبما يعني الدمج بين كيان السلطة السياسية وأجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية، فهنا يتم إلحاق كل مؤسسات وأجهزة الدولة بالسلطة السياسية،حيث تصبح هذه المؤسسات والأجهزة وكأنها امتداد أو لنقل جزءاً عضوياً من كيان السلطة بدءاً من أكبر هذه المؤسسات السيادية كالجيش ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني وصولاًإلى النوادي الرياضية والثقافية والتعليمية والفنية ...إلخ حيث يشكل حزب السلطة الملاط والمادة الأولية اللازمة لهذا الدمج واللصق بين الكيانين، أي يشكل هنا الكيان الإيديولوجي الخاص بالسلطة المادة الأولية اللازمة والضرورية لهذا الدمج، وإذا تقوم السلطة السياسية بالسيطرة على الدولة ودمج هذه الدولة بكيانها الخاص أي تأميمها لمصالحها، فإنها بذلك تلغي وتجرد أجهزة ومؤسسات الدولة من طابعها الحيادي والوطني التعددي حيث تكتسي طابعاً خاصاً متجانساً ينتمي فقط لجنس السلطة، وبلغة الفلسفة فإن مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة تصبح وطنية بالقوة وليست وطنية بالفعل، وبما يعني أن الدولة وأجهزتها ومؤسساتها تصبح بحاجة إلى عملية من التحرير والتحرر من مخالب هذه السلطة، فحينها وحينها فقط تصبح هذه الدولة هي دولة وطنية لا بالقوة بل وطنية بالفعل. يمكن القول:إن الشكل التاريخي لعلاقة كيان الدولة بكيان السلطة السياسية في ظل نظم الاستبداد المعمم التي عرفها القرن العشرون بنسختها الشيوعية والقومية تنتمي إلى عصور ما قبل الحداثة الرأسمالية.فمع ظهور الرأسمالية على مسرح التاريخ تمت لأول مرة في التاريخ ما أسماه كارل ماركس بعملية التجريد السياسي للدولة، وهي العملية التي قادت إلى انفصال كيان الدولة عن كيان السلطة السياسية، وظهور ظاهرة حيادية الدولة، حيث تبدو هنا الدولة كما قال كارل ماركس وكأنها كيان يعلو ويسمو فوق المجتمع، وحيث أن عملية الانفصال هذه أتت كنتاج خاصية عملية الاستغلال الرأسمالي- إنتاج فائض القيمة - الذي يُغلف ويُخبأ داخل السلعة الرأسمالية، وهو الأمر الذي سمح لأول مرة في التاريخ للطبقة المالكة للثروة بقوننة وستر عملية استغلالها الاقتصادي، فمع هذا الستر والتغليف لم يعد الاستغلال الاقتصادي يستدعي الحضور المباشر للسوط السياسي كي يحمي هذه العملية ويلازمها، كما كان الحال في ظل نظامي الإقطاع والعبودية، حيث كان الاستغلال الاقتصادي للفلاحين والعبيد يرافقه ويلازمه دائماً وبشكل مباشر حضور الكرباج والسوط على ظهر القن أو العبد. فمع الرأسمالية تمت لأول مرة في التاريخ عملية تحرر واستقلال المجالات الثلاثة (الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي) المشكلة للبناء الاجتماعي. ومع هذا الاستقلال – النسبي - للمجالات المشكلة للبناء الاجتماعي تمت عملية استقلال كيان الدولة بأجهزتها ومؤسساتها المختلفة عن كيان السلطة السياسية، وهو ما يمكن تسميته بفصل كيان السيطرة العامة عن كيان الهيمنة الخاصة. إن عدم امتلاك الطبقة العليا للدولة الاستبدادية في ظل نظم الاستبداد المعمم لأي شرعية أو غطاء قانوني،إن كان لعملية نهبها الاقتصادي وهو النهب القائم على نوع من الاقتصاد السياسي الخاص بها، يمكن تسميته بالاقتصاد السياسي للفساد. أو لعملية وجودها في أعلى هرم السلطة والدولة، أي عدم امتلاكها لأي غطاء قانوني أو شرعية دستورية لوجودها في الحكم، كونها نظماً أتت إلى أعلى هرم السلطة من دون إجراء انتخابات عامة وحرة ومن خارج صناديق الانتخاب، أقول:إن كل ذلك مضافاًإليه طبيعتها الإيديولوجية التدخلية هو ما يجعل الشكل التاريخي لعلاقة كيان الدولة بكيان السلطة السياسية في ظل نوع كهذا من النظم مشابهاً للشكل التاريخي لهذه العلاقة في ظل نظامي الإقطاع والعبودية، كما أن ذلك هو ما يجعل المجالات الثلاثة الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي في ظل هذه النظم في حالة من التشابك والتداخل وعدم التمايز والاستقلال بعضها عن بعض. إن اندماج كيان الدولة مع كيان السلطة في ظل نوع كهذا من النظم هو ما يجعل الدولة في حالة حرب ومواجهة دائمة مع المجتمع، الحالة التي يمكن تسميتها بحالة حرب الدولة ضد المجتمع ومقاومة المجتمع لعدوان الدولة، وهو كذلك ما يضع بعض الجماعات البشرية، طائفة أو قبيلة أو قومية، التي يندمج كيانها مع كيان الدولة في حالة حرب وصراع مفتوح مع بقية أفراد المجتمع. والأهم أن ذلك هو ما يفسر حالة قيام الدولة المشخصة في العصر الحديث الشبيه بحالة الدولة المشخصة التي عرفتها البشرية في مرحلة ما قبل الحداثة الرأسمالية. إن ما يميز الدولة المشخصة التي نتحدث عنها في هذا البحث،هو كونها دولة مالكة للثروة، أي أننا هنا أمام حالة دولة مالكة ومملوكة من قبل شخص مستبد – رب عمل لكل المجتمع - طاغية يشكل رأس كل السلطات، شخص مفرد يملك القدرة والقوة لتوزيع الثروة لمن يشاء ويحرم منها من يشاء، كما بإمكانه أن ينزعها من يد من يشاء. ومن هنا تنشأ إمكانية نقل مركز ثقل الثروة داخل المجتمع من جهة إلى جهة أخرى، ومن طبقة إلى أخرى، ومن طائفة إلى أخرى، حسب مشيئة وإرادة مالك الدولة. ففي الدولة المشخصة يستطيع رأس النظام أن يوزع ظلمه السياسي بالتساوي على جميع أفراد المجتمع، وبنفس الوقت يستطيع بوصفه رب عمل الجميع أن يعيد توزيع الثروة الوطنية كيفما يشاء ولمن يشاء، وهو الأمر الذي يفسح المجال لنقل مركز ثقل الثروة من مكان إلى آخر، لهذا سنرى فيما سيتقدم من هذا البحث أن النظام الأسدي استطاععلى مدار خمسة عقود من عمر نظامه أن يدخل إلى جسم الطبقة المالكة للثروة كيانات اجتماعية جديدة لم تكن من قبل داخل جسم الطبقة المالكة للثروة إلا على نطاق ضيق جداً، أقصد هنا إدخال بعض أفراد من الطائفة العلوية إلى جسم الطبقة المالكة للثروة من أوسع الأبواب، كما استطاع رأس النظام ورب العمل ومالك الدولة وثروتها، ومن خلال اعتماده نوع خاص من الاقتصاد سميته في هذا البحث باقتصاد الوظيفة الحكومية، ومن خلال نوع خاص من سياسة الاستيعاب داخل مؤسسات وأجهزة الدولة، أن ينقل الطائفة العلوية بشكل عام من تحت الأرض إلى فوقها - وهو امتياز وقفزة لا يمكن الاستهانة بها-، فقد تم نقل الطائفة العلوية من حالة الفقر والعوز التاريخي إلى حالة التساوي مع بقية كيانات المجتمع في الحد الأدنى للبعض، وإلى حالة البحبوحة عند البعض الآخر، وإلى مستوى الدخول في جسم الطبقة المالكة للثروة عند فئة لا يستهان بها داخل الطائفة العلوية، كما استطاع النظام الأسديأن يشكل فئة من الاوليغارشيا العائلية الطائفية (آل الأسد ومخلوف وشاليش ...إلخ) الضيقة المالكة للقسم الأعظم من الثروة الوطنية. وإذا كانت عملية اندماج كيان السلطة السياسية مع كيان الدولة من خلال الملاط الذي يشكله الحزب الحاكم هي الحالة العامة في كل حالات نظم الاستبداد المعمم الشمولية، فإن ما يميز بعض الحالات العربية ومنها الحالة السورية، هو حالة خاصة من الاندماج تضاف إلى حالة الاندماج العامة، هي عملية اندماج كيان العصبية الطائفية (العلوية) التي يرتكز عليها النظام مع كيان الدولة من جهة أولى ومع كيان السلطة السياسية من جهة ثانية. أن اندماج كيان السلطة مع كيان الدولة من خلال الملاط الذي يشكله الحزب الحاكم هو ما يفسر ويجعل كل محاولة لاجتثاث السلطة السياسية وحزبها الحاكم في حالة نظم الاستبداد المعمم الشمولية وكأنها محاولة لاجتثاث الدولة ذاتها – تفسخ الدولة-، كما أن اندماج كيان العصبية الطائفية أو القبلية أو القومية مع كيان الدولة والسلطة هو ما يجعل أي محاولة لاجتثاث نوع كهذا من النظم يتحول في أغلب الأحيان إلى حرب أهلية طائفية إذا كان النظام يرتكز على عصبية طائفية ( الحالة السورية والعراقية ) أو قبلية إذا ارتكز النظام على عصبية قبلية (الحالة اليمنية والليبية) أو حرب قومية إذا ارتكز النظام على عصبية قومية(الحالة اليوغسلافية وبدرجة أقل السوفييتية). إذا كان اندماج كيان الدولة ومؤسساتها الرئيسية السيادية بكيان السلطة السياسية هي سمة من سمات كل دول الاستبداد المعمم عبر التاريخ القديم والحديث إلا أن ما يميز هنا الاندماج في حالة دول الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي في العصور الحديثة كما القديمة، هو كون هذا الاندماج يتم على قاعدة الطابع الطائفي أو القبلي أو القومي الذي تتصف به الدولة، فالقاعدة الطائفية أو القبلية أو القومية أو الجهوية التي تستند إليها الدولة ونظامها السياسي تصبح جزءاً مكوناً من كيان الدولة وأجهزتها السيادية وغير السيادية، وهنا تفقد الكثير من مؤسسات الدولة ولا سيما الجيش طابعها الوطني، فيصبح الجيش هنا لا جيشاً للوطن ولا حتى جيش للنظام السياسي، بل يصبح جيشاً للعصبية التي تستند إليها الدولة والنظام السياسي، أي في النهاية يصبح جيشاً لرأس النظام السياسيممثل العصبية التي تستند إليها الدولة الاستبدادية المعممة، فهنا يسخر الجيش أو تصبح مهمة الجيش الرئيسية هي الدفاع عن مشروع العصبية العائلية الحاكمة بالدرجة الأولى والأخيرة، كما يسخر الجيش للدفاع عن العصبية الطبقية والاجتماعية التي تستند إليها الدولة ونظامها السياسي، أي أن العصبية التي تستند إليها الدولة تصبح جزءاً مكوناً من كيان الدولة أو لنقل: تصبح العصبية التي تستند إليها الدولة وكأنها وشم مرسوم على جسد وكيان الدولة . إن تحول مؤسسات الدولة السيادية وغير السيادية إلى مؤسسات سلطة وبطابع طائفي أو قبلي أو قومي أو جهوي يقود إلى حالة خاصة من علاقة السلطة بأجهزة الدولة، ففي كل النظم الاستبدادية كالتي عرفتها أوروبا الشرقية والتي لم تستند إلى عصبية طائفية أو قبلية وغيرها، وحتى في كل النظم العادية الطبيعية التي لا تستند إلى هكذا نوع من العصبيات،في أغلب الأحيان يقود الضغط الشعبي أو الثورة الشعبية ضد النظم السياسية إلى فك ارتباط الجيش بالسلطة السياسية الحاكمة، أما في الحالة العربية أي حالة دول الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي والتي استندت إلى العصبية الطائفية أو القبلية فإن الضغط الشعبي أو الثورة الشعبية على السلطة والحكم فإنه لا يقود إلى فك الارتباط بين الجيش والسلطة الحاكمة حيث الارتباط يكون هنا من نوع خاص، ارتباط قائم على العلاقات البدائية الطائفية أو القبلية، حيث تأخذ المواجهة هنا طابعاً مصيرياً ووجودياً، فالعصبية الطائفية أو القبلية التي تسند هكذا نوع من الأنظمة، تعتبر نفسها من أصحاب وأهل الدولة والسلطة، الأمر الذي يجعلها تدافع عن السلطة والدولة والنظام السياسي وكأنها تدافع عن مصالحها ونفسها ووجودها وكيانها الطائفي أو القبلي. خامساً: احتكار "الوطن" و"الوطنية" في خيمة نظم الاستبداد المعمم: إن أهم ما يميز نظم الاستبداد المعمم عن غيرها من النظم السياسية الطبيعية، هو كونها تحول الوطنية المستنبتة من العداء للخارج إلى إيديولوجيا قائمة بذاتها بديلة عن الإيديولوجيا الشيوعية كما في الحالة السوفييتية الستالينية، أو بديلة عن الإيديولوجيا القومية كما لدى مشتقاتها القومية العربية كالأسدية وغيرها، فالعدو الخارجي بالنسبة لنوع كهذا من النظم كان حاجة ضرورية لا من أجل نيل شرعية مفقودة فحسب، بل من أجل تعبئة طاقات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية لوضعها بيد رأس النظام المستبد، وحيث الغاية المعلن عنها أو الظاهر منها محاربة العدو الخارجي، أما المستبطن والمخفي والهدف الحقيقي منها فكان تقوية النظام والسلطة والضرب بيد من حديد على يد كل معارضةتقف في وجه النظام.فهذه الإيديولوجيا الستالينية الأصل كانت تقوم وتقتضي وضع الدولة والوطن في كنف السلطة السياسية، كما تقتضي توحيد كل الجهود والرايات تحت راية خيمة السلطة السياسية وقائد هذه السلطة الذي " نذر " حياته من أجل الدفاع عن الدولة والوطن، وبما يعني أن قرار السلم والحرب في الزمان والمكان المناسبين يتحدد من خلال السلطة وفي خيمة السلطة وفي أحضانها التي أصبحت الكنف الذي تعيش فيه الدولة بكل أجهزتها ومؤسساتها، والكنف الذي يعيش فيه حتى الوطن، وهنا أصبحنا أمام حالة تجسيد ليست لاحتكار الدولة والسلطة لممارسة السياسة والمجال العام السياسي فحسب، بل هنا نكون أمام حالة احتكار تقوم بها السلطة للدولة وللوطن وللمجتمع، أي نكون أمام عملية تأميم شامل، أو لنقل: أمام عملية اجتياح واحتلال تقوم به السلطة للدولة والوطن والمجتمع، وهنا نكون أمام مفهوم جديد للوطن ومفهوم جديد لحدود الوطن، أي أمام مفهوم جديد لمن هم خارج حدود الوطن ومن هم داخل حدود الوطن، فحدود الكيان الوطني وحدود كيان الدولة حسب إيديولوجيا نوع كهذا من النظم يتطابقان مع الحدود السياسية التي يرسمها النظام، فحضن الوطن يصبح هو ذاته الحضن السياسي للنظام، وسقف الوطن يصبح هو ذاته السقف السياسي للنظام، وهو الأمر الذي يعني أن كل من يقع سياسياً خارج الحدود السياسية للنظام يصبح لا خارج حدود الوطن وخارج سقف الوطن وخارج حضن الوطن فحسب، بل يصبح من أعداء الوطن – بلغة ستالين يصبح من أعداء الثورة - الذين يجب القضاء عليهم وتصفيتهم والتخلص منهم بكل الطرق والسبل، أي أن الخروج من خيمة السلطة يصبح خروجاً إلى ساحة الأعداء المتربصين بالدولة والوطن، الأمر الذي يعني بالضرورة ضرورة القضاء عليهم بأي شكل وطريقة. إن كون قوة المجتمع والوطن والدولة تتجمع وتتمركز في نقطة واحدة هي يد السلطة وتحديداً يد قائد هذه السلطة، وكون ممارسة السياسة تتجمع وتتمركز في نقطة واحدة هي كذلك يد السلطة ورأس هذه السلطة، الأمر الذي يعني أن أي اعتداء على هذه النقطة والتي هي رأس النظام يصبح اعتداءً على الوطن والدولة، كما يعني أن مطلب تغيير السلطة ورأس السلطة حسب إيديولوجيا هذا النوع من النظمهو ضرب من الخيانة الوطنية ويعني الاعتداء على الدولة والوطن، فهذا المطلب يصبح نوعاً من أفعال العدو الخارجي الذي يتربص بالوطن في كل الزوايا. فسقف الوطن هنا هو الحبل " الشباق " الذي يربط في أعناق القوى السياسية التي تقبل صاغرة بالجلوس في حظيرة النظام، أما القوى التي لا تقبل الدخول في هذه الحظيرة ولا تقبل أن يربط هذا الحبل حول عنقها فهي من أعداء الوطن وخارجة عن سقف الوطن وحضن الوطن، وهي امتداد لأعداء الوطن المتربصين بالوطن خارج الحدود من إمبريالية ورجعية وصهيونية ...إلخ من الأكاذيب السياسية التي يختلقها النظام بحق كل من يقف في وجهه إن كانوا أفراداً أو أحزاباً سياسية أو جماعات بشرية حتى لو كان الشعب بكامله أو أغلبيته، وفي هذه الحرب المفتوحة التي يشنها نظام الاستبداد المعمم على أبناء شعبه لا تغنى الأغاني التي تمجد " الوطن القائد " و " القائد الوطن " فحسب، وحيث تجيد اللغة عن أبلغ وأفصح ما عندها من تعابير عن الوطن وحب الوطن، بل تولد جيوشاً جرارة من الوطنيين المزيفين ممن ارتضوا أن يبيعوا الوطن الحقيقي ليشتروا وطن النظام وحضن النظام (المزرعة) وفتات النظام، جيوش من الوطنيين المزيفين لا من رعاع وحثالة المجتمع والنظام فحسب، بل حتى ممن ادعوا الثقافة والوطنية والقومية وممن لهم سجل وتاريخ سابق في النضال الوطني والقومي يتكئون عليه ويحتمون به.وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم أحد الأسباب التي تفسر الانحطاط السياسي والأخلاقي لقطاعات واسعة من اليسارالعربي والعالمي المتشبع بالفهم الستالتيني للوطنية، فهذا النوع من اليسار وقف مدافعاً في كثير من الحالات إلى جانب نظمسياسية مجرمةوبربريةاستخدمت قضية العداء للخارج كورقة توت أخفت تحتها مشروععصيانها بالسلطة. سادساً: نظام كولونيالي داخلي كُليَّانيحلولي استئصالي استثنائي: بناء على كل ما تقدم أعلاه يمكن القول: إن أهم صفة تميز نظم الاستبداد المعمم عن غيرها من النظم السياسية التي عرفها التاريخ هي صفة الاستثناء، وحيث أن الاستثناء كما أشرت في الفقرات السابقة من هذا البحث يكمن في أكثر من مجال من المجالات التي تتحدد من خلالها النظم الاجتماعية السياسية، ولكن بالرغم من ذلك من المهم الإشارة إلى أهم الاستثناءات التي تميز هذه النظم عن النظم الطبيعية، وحيث يأتي في مقدمتها: الاستثناء الأول: العوامل المحددة للمراحل التي يمر بها النظام السياسي الاجتماعي: ففي كل النظم السياسية الاجتماعية الطبيعية التي عرفها التاريخ نجد أن تطور النظام السياسي الاجتماعي والمراحل التي يمر بها منذ نشوئه وظهوره على مسرح التاريخ حتى زواله إلى متحف أو مزبلة التاريخ،يتعلق بتطور دائرة علاقات الإنتاج ونمط الإنتاج الاجتماعي (عبودي أو إقطاعي أو رأسمالي) ومعه تطور الطبقة القائدة للنظام والمالكة للثروة مع كل ما ينتجه هذا التطور من تطوير لقوى الإنتاج ووسائل الإنتاج البشرية والمادية داخل المجتمع، وحيث أن قدرة دائرة علاقات الإنتاج على استيعاب أو عدم استيعاب مستوى تطور القوى المنتجة في البناء التحتي الاقتصادي هو من يحدد في النهاية المراحل التي يمر بها النظام السياسي الاجتماعي، ففي النظم الاجتماعية السياسية الطبيعية نجد ثلاث مراحل أو لنقل: بلغة المفكر اللبناني مهدي عامل ثلاثة أطوارأو أزمنةهي زمن التكوّن وزمن التطوّر وزمن القطع(6).إن ما يميز نظم الاستبداد المعمم والتي هي موضوع هذا البحث بشكل رئيسي عن النظم الطبيعية،هو اختلافديالكتيك تطور هذه النظم نوعياً عن ديالكتيك تطور النظم الطبيعية –سأتناول موضوع الاختلاف في ديالكتيك التطور في المستقبل بشكل مفصل في سلسلة قادمة من الأبحاث -فالمراحل التي تمر بها نظم الاستبداد المعمملا تتعلق بالتطور المشار إليه أعلاه بل تتعلق بتطور بنى ومسارات أخرى داخل المجتمع هي: أولاً: مراحل تغول الدولة/ السلطة على المجتمع، أي المراحل التي تمر بها الدولة / السلطة في سيرورة ابتلاعها للمجتمع في أحشائها، أي ابتلاعه في كيانها الذي يتألف ويتشكل من أجهزتها ومؤسساتها الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية والاجتماعية والعسكرية والأمنية ...إلخ من الأجهزة والمؤسسات القائمة داخل المجتمع والتي تصبح كلها في قبضة الدولة أو لنقل: في أحشاء الدولة / السلطة إن كان بالطرق المباشرة أو الطرق غير المباشرة، كما نجد أن المراحل التي تمر بها هذه النظم تتعلق بمدى وقدرة الدولة / السلطة على هضم ما ابتلعتهفي أحشائها أو على قدرتها على الاحتفاظ بما ابتلعته في أحشائها. ثانياً: كما تتعلق المراحل بسيرورة الترييف والتطييف للدولة والسلطة والمدن، أي تتعلق في النهاية بسيرورة بناء الدولة/ السلطة لعصبيتها الطائفية أو القبلية أو القومية التي تستند إليها والتي تضاف إلى القاعدة الطبقية السياسية التي يرتكز عليها النظام. إن ما يميز هذه النظم عن النظم الطبيعية ليس فقط اختلاف العوامل المشكلة للمراحل التي يمر بها النظام فحسب، بل الاختلاف يكمن كذلك في كون المراحل التي تمر بها هذه النظم الاستثنائية هي غير المراحل التي تمر بها النظم الطبيعية، حيث نجد ثلاث مراحل أو أزمنة هي: مرحلة الصعود ومرحلة الازدهار ومرحلة الانحطاط، وحيث أن محتوى ومضمون كل مرحلة من هذه المراحل مختلف كلياً ونوعياً عن مضمون المراحل التي تمر بها النظم الطبيعية. ففي التحديد الدقيق والصحيح للمراحل التي يمر بها نوع كهذا من النظم وفي التحديد الدقيق للعوامل المحددة لكل مرحلة ومضمونها والعوامل المؤثرة بها،نجد أن عالم الاجتماع ابن خلدون يفيدنا ويعيننا أكثر من كارل ماركس أو مهدي عامل أو أي باحث تناول موضوع الدولة، مع عدم إغفال الاستفادة من أي مساهمة قدمت في تاريخ الفكر البشري حول موضوع الدولة بشكل عام ودولة الاستبداد المعمم بشكل خاص. الاستثناء الثاني: الكولونيالية الداخلية: وهنا يمكن القول إذا كان المفكر اللبناني مهدي عامل هو أول من أطلق على نظم المستعمرات ما بعد استقلالها عن الاستعمار الأجنبي صفة النظم الكولونيالية، كونه اعتبر نمط الإنتاج الرأسمالي في هذه المجتمعات هو نوع خاص من نمط الإنتاج الرأسمالي سماه بنمط الإنتاج الكولونيالي كونه نمطاً من الإنتاج الرأسمالي تابعاً في بنيته ومرتبطاً بالمراكز الاستعمارية العالمية(7)، كما كان مهدي عامل أول من أطلق مصطلح النظم الكولونيالية المتجددة على النظم السياسية ذات الأصول البرجوازية الصغيرة القومية التي بدأت تعرفها مجتمعاتنا العربية بدءاً من أوائل الخمسينيات (كما في مصر الناصرية) وأوائل الستينيات من القرن الماضي كما في بقية وأغلب الساحات العربية. وهنا أقول:بالرغم ما في هذه النظريةوالتوصيف من دقة وصحة كونه غرد خارج سرب وحظيرة وتخريفات منظري المدرسة السوفييتية الستالينية العبودية، وكذلك خارج سرب وحظيرة الأحزاب الشيوعية العربية التابعة للمدرسة السوفييتية، وحيث أن مهدي عامل بنظريته المشار إليها أعلاه مزق وبوقت مبكر(8)خرافة نظرية التطور اللارأسمالي السوفييتية التي أعطت للنظم ذات الأصول البرجوازية الصغيرة القومية صفة النظم الاشتراكية والتقدمية،أقول: بالرغم من ذلك فقد ارتكب المفكر مهدي عامل خطأين فادحين أفقدا كل مساهمته الفكرية من قيمتها وأهميتها إن كان على الصعيد النظري والفكري أوعلى صعيد الممارسة السياسية العملية: الخطأ الأول: كان تركيزه وتقييمه لهذه النظم من خلال علاقتها بالخارج بدل التركيز على علاقة هذه النظم بالداخل أي بالمجتمع، فهده النظم(وهنا أقصد النظم ذات الأصول البرجوازية الصغيرة القومية التي تحولت حسب مهدي عامل إلى نظم كولونيالية متجددة) هي نظم كولونيالية داخلية بالدرجة الأولى، فهي من حيث علاقتها بالمجتمع تشكل حالة احتلال واستعمار داخلي لا تقل خطورته كما لا تقل النتائج المترتبة على قيامه خطورة الاستعمار الخارجي وما يتركه من آثار جانبية تتجلى في تشويه بنى المجتمع المختلفة، حتى يمكن القول: أن التشوهات الناتجة عن حالة الاستعمار الداخلي هي أشد قسوة وأكثر فتكاً بكل بنى المجتمع من الاستعمار الخارجي، وهنا يمكن القول: إذا كان الاستعمار الخارجي قد ترك خلفه الكثير من الإيجابيات في كل البلدان التي استعمرها، فإن الاستعمار الداخلي هو حالة مطلقة من السلبيات، فإن ذهب وحل عن ظهر المجتمع ذهب معه المجتمع كله إلى الجحيم والمزبلة التي يذهب إليها النظام. الخطأ الثاني: الذي ارتكبه مهدي عامل تمثل في دراسته لهذه النظم بوصفها نظماً"طبيعية"ولا يغير من شيء وضعه كلمة طبيعية بين قوسين، فمهدي عامل وضعها بين قوسين لا كون علاقتها بمجتمعاتها غير طبيعية، بل كونها نظماً ذات بنية مأزومة نتيجة علاقة التبعية والارتباط لبناها الاقتصادية ببنى المراكز الرأسمالية العالمية(9). إن مهدي عامل وكونه لم يغادر بشكل كليالمدرسة الفكرية الستالينية التي تركز على علاقة أي نظام أو طبقة بالخارج وتجعل من هذه العلاقة العامل الحاسم في تقييم أي نظام أو طبقة أكثر من تركيزها ورؤيتها لعلاقتها بشعبها.أقول: لهذا لم يكن بمقدور مهدي عامل رغم كل الجهد النظري الذي بذله ورغم كل ما حشده من أفكار جديدة حول موضوع النظم السياسية في المجتمعات الطرفية، فإنه لم يصل في النهاية إلى تقييم صحيح لواقع حالة هذه النظم،فمعرفة في أي مكان وجهة من التاريخ ينبغي أن توضع فيها هذه النظم، كان يتطلب رؤية علاقتها الشاذة مع مجتمعاتها بالدرجة الأولى،وحيث أنرؤية ذلككان كفيلاًبأن يجعله لا يضع نظماً كهذه خارج دائرة ومجال وتصنيف النظم الطبيعية فحسب، بل يجعله يضعها في مجال ودائرة استثناء الاستثناءفي تصنيف النظم السياسية والاجتماعية،كما أن ذلك كان كفيلاً بأن يضع هذه النظم في جهة من التاريخ أكثر سلبية وقذارة من أي استعمار خارجي. الخطأ الثالث: لهذا يؤخذ على مهدي عامل كونه لم يفرق بين النظم الكولونيالية التقليدية أي نظم البرجوازيات التقليدية التي بنت بعد الاستقلال الوطني عن المستعمر الأجنبي دولة حديثة ديمقراطية تعددية، وبما يعني أن علاقتها مع الداخل ومع شعبها كانت علاقة طبيعية، وبين الكولونيالية المتجددة التي أتت بها نظم الاستبداد المعمم التي انقلبت على البرجوازية التقليدية، وأحدثت قطعاً لا في مسار التطور البرجوازي فحسب، بل قطعاً مع العلاقة الصحيحة مع المجتمع والدولة الديمقراطية التعددية. ومن جهة ثانية فإن إصباغ مهدي عامل صفة الكولونيالية على البرجوازية التقليدية التي حررت ساحاتها من الاستعمار هو نفي لأي صفة وطنية يمكن أن تستحقها أو تنالها بعض التيارات الوطنية داخل البرجوازية التقليدية، وحيث أن هذا النفي مخالف للواقع،ففي أكثر من ساحة ومنها الساحة السورية كان هناك تيارات من البرجوازية التقليدية استحقت صفة الوطنية وبجدارة أكثر مما استحقته الكثير من النظم التي خرجت من دائرة وبنية النظام الرأسمالي العالمي أو حاولت الخروج من بنيته، وحيث يأتي رفاق مهدي عامل في الاتحاد السوفييتي سابقاً ومعه فراخه في أوروبا الشرقية في مقدمة النظم التي لا يليق بها صفة الوطنية كونها كانت نظم طغيان واحتلال لشعوبها. الاستثناء الثالث: صفة الكُليَّانية الحلولية الاستئصالية: لم أضع صفة الكُليَّانية (الشمولية) بمفردها كصفة من صفات نظم الاستبداد المعمم، بل أضفت إليها صفة الحلولية والاستئصالية، وسبب ذلك يعود إلى مجموعة من الأسباب الهامة التي يأتي في مقدمتها: أولاً: في حالة دولة الاستبداد المعمم لا تكتفي الدولة / السلطة الشمولية بدس أنفها ودائماً بغطاء أيديولوجي – أرضي أو سماوي - في كل أشكال السلوك والوجود الاجتماعي داخل المجتمع، بدءاً من أصغر أشكال هذا الوجود الذي تمثله الأسرة وصولاً إلى أكبر أشكال هذا الوجود الذي نجده في منظمات ومؤسسات المجتمع المدني أو الأهلي أو كليهما معاً، وبكل أشكالها ومستويات وجودها الاقتصادي والإيديولوجي والسياسي والاجتماعي ...إلخ بل كونها تسعى كذلك إلى جعل كل كيان أو أي وجود اجتماعي على صورتها، فالدولة / السلطة هنا لا تدس أنفها في كل أشكال الوجود الاجتماعي فحسب، بل تحل وتستنسخ ذاتها في أي شكل من أشكال الوجود الاجتماعي، فهنا نجد تجسيداً فيزيائياً شاملاً لمقولة وفلسفة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو تجاه السلطة والدولة، فهنا تبث الدولة / السلطة ذاتها – وتحل وتنسخ ذاتها - في كل أشكال الوجود الاجتماعي، الأمر الذي يؤدي في المحصلة إلى قيام مجموعة لا متناهية من ميكرو فيزياء الدولة / السلطة المنتشرة في كل أشكال الوجود الاجتماعي داخل المجتمع.ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الدولة / السلطة تستطيع تحقيق ذلك في مرحلة الازدهار من عمر النظام السياسي الاجتماعي الخاص بنظم الاستبداد المعمم، ففي هذه المرحلة تكون الدولة / السلطة قد نجحت في الوصول إلى حد قدرتها على استيعاب أكبر قدر من المجتمع في أحشائها، كما تستطيع في هذه المرحلة الاحتفاظ وهضم وتمثل كل ما ابتلعته في أحشائها، فالنظام السياسي الاجتماعي في هذه المرحلة ينتج ذاته ويعيد إنتاج ذاته بشكل تكراري وسلس وتحت دفع قواه الذاتية المنبثة في كل أشكال الوجود الاجتماعي وبكل مستويات هذا الوجود. ثانياً: في حالة نظم الاستبداد المعمم ذات الأصول البرجوازية الصغيرة القومية لا تقوم الدولة / السلطة باستئصال كل وجود سياسي وثقافي للطبقة القديمة المالكة للثروة (أي البرجوازية التقليدية ومعها بقايا طبقة الإقطاع) فحسب، بل تقوم باستئصال كل الطبقات القديمة داخل المجتمع،الأمر الذي يقود إلى تولد وخلق وإحلال طبقات اجتماعية جديدة داخل المجتمع، وبما أني سأتناول في هذه السلسلة وبشكل مفصل موضوع الطبقات الاجتماعية الجديدة في بحث مستقل إلا أنه من الضروري هنا الإشارة إلى أن صيرورة التطور الطبقي للنظم ذات الأصول البرجوازية الصغيرة القومية لا تكون وتقوم كما اعتقد الكثير من منظري اليسار الذي تمرد على رؤية مفكري المدرسة الستالينية السوفييتيةتجاه هذه النظم، فهؤلاء بنوا رؤيتهم المخالفة للرؤية السوفييتية حينها على أساس بقاء البرجوازية التقليدية كأحد الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع، وأن صيرورة التطور الطبقي السياسي للنظم ذات الأصول البرجوازية الصغيرة القومية التي بنت نظم الاستبداد المعمم ما هي إلا صيرورة اندماج الطبقة الجديدة التي أطلق عليها خطأ اسمالبرجوازية البيروقراطية أو البيروقراطية البرجوازية مع الطبقة البرجوازية القديمة التقليدية،في حين أن الصحيح وما حدث في الواقع داخل الكثير من المجتمعات يشي بأن صيرورة التطور الطبقي السياسيلهذه النظم لم تكن سوى صيرورة استئصال للبرجوازية التقليدية القديمة من أرض الواقع، وخلق وإحلال برجوازية جديدة مالكة للثروة أسميها في الحالة السورية (برجوازية الحركة التصحيحية الأسدية) وهي ما أسميهبشكل عام بالطبقة العليا لدولة الاستبداد المعممالبرجوازية المكونة أساساًمن ثالوث يتألف من كبار رجال السلطة مضافاً إليهم كبار رجال الدين وكبار رجال المال (كبار تجار السوق) الذين تم تطويعهم سياسياً واقتصادياً وأخلاقياًوجرهم إلى هندسة طبقية سياسية رسمتها وخططت لها أيادي نظم الاستبداد المعمم، وفي بعض الساحات رسمها وخطط لها رأس نظام الاستبداد المعمم كما حدث في سوريا كما سنرى فيما سيتقدم من هذا البحث. ثالثاً: في حالة نظم الاستبداد المعمم لا تستقل مجالات البناء الاجتماعي (السياسي والإيديولوجي والاقتصادي) بعضها عن بعض كما أشرت في أكثر من مكان من هذا البحث وكما ينبغي أن يكون ويتم في العادة في حالة النظم الاجتماعية الطبيعية، إن ما ينبغي أن نعرفه جيداًأن مجالات البناء الاجتماعي في حالة نظم الاستبداد المعمملا تختلط وتترابط بعضها مع بعض فحسب، بل الأهمهو معرفة: أ- أن المجال السياسي يحل في المجالين الاقتصادي والإيديولوجي، أي يتم إحلال السياسي في كل أشكال الوجود الاقتصادي والإيديولوجي، وهو الأمر الذي يعني أن ظاهرة تسيس الدين أو ما نسميه بالإسلام السياسي داخل المجتمعات العربية هي ظاهرة قامعلى استنهاضها ووجودهاجهتان هما وجهان لعملة واحدة، جهة مثلتها الحركات السياسية الإسلامية الإخوانية ومشتقاتها، وجهة مثلتها نظم الاستبداد المعمم ذات الأصول البرجوازية الصغيرة القومية (وكذلك نظم الاستبداد المعمم النفطية العائلية الملكية أو الأميرية في الخليج العربي) فكلا الجهتان تقوم بتسيس الدين وتوظيفه لخدمة أغراضها السياسية والطبقية. إن إحلال السياسي في الإيديولوجي الديني في حالة نظم الاستبداد المعمم كالتي عرفتها المجتمعات العربية يجعل من إطلاق صفة العلمانية على هذه النظم ضرباً من الهرطقة السياسية،فشرط قيام الدولة العلمانية البرجوازية الحديثة، هو فصل كيان الدولة عن كيان السلطة السياسية من جهة أولى، وفصل مجالات البناء الاجتماعي (الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي) بعضها عن بعض من جهة ثانية، وهو ما يوفر الأساس لما سماه كارل ماركس بالتجريد السياسي للدولة البرجوازية،وظاهرة الحيادية السياسية والإيديولوجية للدولة،ففصل المجال السياسي عن المجال الإيديولوجي الديني يعني حيادية الدولة السلبية أو الإيجابية تجاه الدين. ب- في حالة النظم السياسية الاجتماعية الطبيعية نجد بأن المجال المسيطر داخل البناء الاجتماعي يختلف في كل مرحلة من مراحل عمر النظام،أو لنقل أن شكل تمظهر التناقض الأساسي بين الحاكمين والمحكومين أو بين مالكي الثروة والمحرومين منها يختلف بين مرحلة وأخرى من المراحل التي يمر بها النظام السياسي الاجتماعي، فنجد في النظم الطبيعية بأنه في زمن تطوّر النظام الاجتماعي السياسي يسيطر المجال الاقتصاديوالإيديولوجي على بقية المجالات،أو لنقل يتمظهر التناقض الأساسي في الحقلين الاقتصادي والإيديولوجي،وفي مرحلة ثالثة أي في مرحلة القطع أو التكوّن يسيطر المجال السياسي على بقية المجالات،أو لنقل يتمظهر التناقض الأساسي في مستواه السياسي. أما في حالة نظم الاستبداد المعمم فإننا نجد بأن المجال السياسي هو من يسيطر على كل من المجالين الاقتصادي والإيديولوجي في كل المراحل (الصعود والازدهار والانحطاط) التي يمر بها النظام السياسي الاجتماعي،الأمر الذي يفسر عدم إمكانية خوض أي نضال له طابع اقتصادي مطلبي أو خوض أي نضال له طابع فكري ثقافي إيديولوجي في ظل نوع كهذا من النظم. وهنا أقول: أن كل حديث ومساهمة مهدي عامل وقبله مساهمة ماوتسيتونغ عن ترتيب التناقضات وأنواعها، ومتى يتقدم هذا المستوى من التناقضات على ذاك هي صالحة فقط للبنى الطبيعية، أما في حالة بنى نظم الاستبداد المعمم الاستثنائية فإنها لا تفيد بشيء في الممارسة العملية، وإذا كان لها من فائدة فإنها لا تتعدى كونها نوعاًمن الرياضة العقلية السياسية لا أكثر ولا أقل. ج- إنسيطرةالمجال السياسي على كل المجالات وفي كل المراحلهو ما يفسره سعي وعمل نظم الاستبداد المعمم لاستئصال كل وجود سياسي مخالف أو معارض لوجودها، وهو ما يفسر حالة تأرجح العمل السياسي في ظل هذه النظم بين حدين قصويين هما حد الاستسلام وحد البطولة، ففي ظل نوع كهذا من النظم فإن القوى السياسية مخيرة بين خيارين لا ثالث لهما،فإما الاستسلام لشروط النظام والعيش تحت سقف حظيرة النظام السياسية أو المقاومة والمواجهة الباسلة البطوليةالسلمية أو العسكرية التي تنتهي في كل الحالات(ولا سيما في مرحلتي صعود وازدهار النظام) بسحق نظام الاستبداد المعمم لخصمهواستئصاله من أرض الواقع،ففي حالة نظم الاستبداد المعمم لا يسمح النظام بوجود أي مستوى من مستويات العمل المعارض مهما كان هذا المستوى منخفضاًوفي أي من المجالات فحتى المستويات المنخفضة التي لا ظل لها كما يقول المثل الإفريقي فإنه لا يسمح بها ويتم سحقها وتكنسيها من أرض الواقع، وإذا ما سمح بوجود حالات بين الحالتين القصويتين فإنها حالات تكون على شكل دكانة سياسية مخصية (هي أقربللصالون الثقافي)حيث لا يسمح لأصحابها بأي اتصال بالمجتمعوتكون محاصرة سياسياً وأمنياً من كل الجهات (وفي الأغلب مخترقة أمنياً) ويستخدمها النظام كقرون استشعار سياسية من جهة أولى،وكواجهات يخفي من خلالها عمليات الاستئصال السياسي للقوى الحقيقية المعارضة التي تسعى بأي ثمن للاتصال بالمجتمع وخرق جدار العزلة والخوف الذي يفرضه النظام حولها من جهة ثانية،وحيث لا تنجز هذه الصالونات أو الدكاكين السياسية غير تعلم وتعليم العلاك السياسي المصدي كما يقال باللهجة السورية العامية أو ممارسة الاستمناء الثقافي والسياسي وتعلم لغة التأتأة السياسية. ........................................................................................................
.المصادر: (1). يتوقف هذا البحث عند نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين (2010) عشية انفجار الربيع العربي، وحيث يأتي كتابي " السياق التاريخي لنشوء وترعرع الهمجية في سوريا " الصادر عن دار نرد للطباعةوالتوزيع في نوفمبر 2021 ليستكمل هذا البحث ويغطي الفترة الواقعة بين عامي 2010 – 2020 من جهة أولى، كما يغطي من جهة ثانية تداخل هذه الفترة وارتباطها مع الفترة الواقعة بين عامي 1970 – 2020 من التاريخ السوري. (2). تعد قبيلة حاشد من أكبر وأقوى القبائل في اليمن، وفي مجتمع كالمجتمع اليمني لديه عدد من قطع السلاح يفوق عدد البشر يستطيع شيوخ قبيلة حاشد في أي لحظة حشد مئات الآلاف من المسلحين المستعدين للقتال خلف شيوخهم، لقد لعبت قبيلة حاشد دوراً مهماً في التاريخ السياسي اليمني القديم والوسيط والحديث فمنذ ملوك سبأ (قبل الميلاد بأربعة قرون) وحتى يومنا هذا لم يستمر ملك على رأس مملكته أو رئيس جمهورية على كرسي سلطته من دون دعم شيوخ قبيلة حاشد، إن المهم الذي ينبغي معرفته هنا بأن شيوخ قبيلة حاشد ورغم مساندتهم لأي ملك أو رئيس جمهورية في اليمن في فترة من الفترات إلا أن ما يميزهم هو كونهم لا يضعون أنفسهم كخاتم بيد أي ملك أو رئيس، فعندما يرون أن الرياح تهب في غير مصالحهم فإنهم لا يتورعون عن خلع صاحبهم أو عن رفع الغطاء عنه، فتاريخهم حافل بالتحالفات والتقلبات إلى حد أطلق عليهم اليمنيون خلال الحرب الأهلية في الستينيات من القرن الماضي بين الجمهوريين المدعومين من عبد الناصر والملكيين المدعومين من المملكة العربية السعودية بأنهم " جمهوريون في النهار وملكيون في الليل". وعندما هبت رياح ثورة الشباب في اليمن مع رياح الربيع العربي 2011 وعندما لاحت علائم ترنح وسقوط نظم الاستبداد المعمم في المنطقة قام صادق الأحمر زعيم قبيلة حاشد برفع الغطاء عن نظام علي عبد الله صالح عندما أعلن وقوفه إلى جانب ثورة الشباب معتبراً أن الرئيس علي عبد الله صالح فاقد للشرعية وأنه لا شرعية لمن يقتل شعبه. (3). " تعد قبيلة الورفلة أكبر القبائل الليبية عدداً وانتشاراً جغرافياً، ويبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، وتتميز علاقات أفرادها بترابط اجتماعي وولاء قبلي متين - ولهذا ظلت وفية لنظام معمر القذافي حتى سقوط آخر معاقل نظامه في مدينة بني وليد التي تعتبر أهم معاقل قبيلة الورفلة التي تحصن فيها سيف القذافي بعد مقتل أبيه وسقوط نظامه- وتتركز خاصة في غرب ليبيا، كما تعد قبيلة القذاذفة ثاني أكبر القبائل،القبيلة الأساسية المهيمنة على السلطة في ليبيا ومنها ينحدر معمر القذافي ومركزها الرئيسي في منطقة سبها وسط ليبيا التي يفوق عدد سكانها 126 ألف نسمة، وتعد من أكثر القبائل تسليحاً. وفي دولة عاشت نحو أربعة عقود من دون دستور ومن دون أحزاب وفي قبضة رجل واحد هو معمر القذافي الذي ينتمي لقبيلة القذاذفة (وهي فرع من قبيلة الورفلة) اعتمد أغلبية الليبيين على قبائلهم لإيجاد الحماية وتحصيل الحقوق والحصول على وظيفة في أجهزة الدولة، كل حسب قوة قبيلته أو درجة قربه أو ولائه للنظام الحاكم. وقد لعب القذافي خلال فترة حكمه على هذا العنصر لتثبيت أركانه من خلال تقريب قبائل ذات ثقل معين من حاشيته وإغداق العطايا لضمان ولائهم له". مقتطفات من مقال عنوانه القبائل الليبية ودورها في تقرير مصير البلاد للدكتور أنور محمود زناتي في مجلة البيان الالكترونية 11 / 12 / 2021. (4). يقول كارل ماركس في مقدمة أصل رأس المال" ينبغي أن يتقابل نوعان مختلفان جداً من مالكي البضائع ويقيمان صلة فيما بينهما، من جهة، مالك النقد ووسائل الإنتاج ووسائل العيش، الذي يبتغي ان يشتري قوة عمل الغير لكي يزيد، لاحقاً، مبلغ القيمة الذي استأثر به؛ ومن الجهة الأخرى، عمال احرار، باعة قوة عملهم. وبالتالي باعة العمل. عمال احرار من وجهتين: من حيث أنهم ليسوا مباشرة في عداد وسائل الإنتاج، كالعبيد والاقنان ...الخ ولكنهم لا يملكون وسائل الإنتاج، كما هو الحال عند الفلاحين الذين يملكون استثمارات مستقلة...إلخ،انهم بالعكس، احرار من وسائل الإنتاج، محرّرون منها، ومحرومون منها. وبهذا الاستقطاب لسوق البضائع تنشأ الشروط الأساسية للإنتاج الرأسمالي. ان العلاقة الرأسمالية تفرض ان ملكية شروط تطبيق العمل مفصولة عن العمال. وحالما يقف الإنتاج الرأسمالي على قدميه، فانه لا يدعم هذا التقسيم وحسب، بل يعيد انتاجه ايضاً وبمقياس متعاظم على الدوام. وعليه، لا يمكن للعملية التي تنشئ العلاقة الرأسمالية ان تكون غير عملية فصل العامل عن ملكية شروط عمله، عمليةتحول وسائل الإنتاج الاجتماعية ووسائل العيش إلى رأسمال من جهة، وتحول المنتجين المباشرين إلى عمال اجراء من جهة اخرى. ولذا ليس ما يسمى بالتراكم البدائي غير عملية تاريخية آلت إلى فصل المنتج عن وسائل الإنتاج. وهي تبدو "بدائية" لأنها تشكل ما قبل تاريخ الرأسمال واسلوب الإنتاج المناسب له" الصفحة 4 -5 من كتاب كارل ماركس أصل رأس المال منشورات دار التقدم 1978 ترجمة اياس شاهين. (5).مقال سمير أمين 23 أغسطس 2014، على موقع " الشروق " بعنوان عودة الفاشية في ظل أزمة الرأسمالية والإمبريالية المعاصرة. (6).الصفحة 42 من كتاب مهدي عامل مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني دار الفارابي الطبعة الثالثة 1980. (7). يقول مهدي عامل " لقد حددت نمط الإنتاج الكولونيالي كشكل تاريخي مميز من نمط الإنتاج الرأسمالي، هو بالضبط شكل الرأسمالية المرتبطة ارتباطاً بنيوياً بالإمبريالية" المصدر السابق الصفحة 13 (8). من المهم الإشارة هنا إلى أن الطبعة الأولى لكتاب مهدي عامل المشار إليه أعلاه قد صدرت عام 1972 في وقت كان فيه الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي السوري بجناحيه خالد بكداش ورياض الترك يحزمان حقائبهما للدخول إلى الجبهة الوطنية التقدمية التي شكلها النظام الأسدي بهدف بناء نظام التقدم والاشتراكية. ويمكن لمن يود معرفة موقف مهدي عامل من نظرية التطور اللارأسمالي مراجعة الصفحة 530 من الكتاب المشار إليه أعلاه. (9).الصفحة 13 من كتاب مهدي عامل مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني دار الفارابي الطبعة الثالثة 1980.
الاستبداد المعمم في سوريا مقدماته ومراحله - 15 - lemonde.in 5 of 5
  لومـــــوند : نبيل ملحم  - الخامس عشر: مقاربات منهجية هامة في تناول موضوع الدولة قبل استكمال الأجزاء المتبقية من بحث سيسيولوجيا الصراع الس...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك