نظام الاستبداد المعمم في سوريا مقدماته ومراحلة - 8
لومـــــــوند : نبيل ملحم
ثامنا: ثنائيات الواقع وتصدعات الوطنية السورية الحديثة:
بالرغم من ان البرجوازية السورية أقامت دولة المواطنة، ورغم أنها وفرت وهيأت الشروط اللازمة لقيام المجتمع المدني (وإن يكن غير الناضج) ورغم أن قطاعات واسعة وكبيرة من المجتمع دخلت إلى ميادين وساحات المجتمع المدني ومنظماته ومؤسساته الحزبية والنقابية وغيرها, وبالرغم من الحقوق والمكتسبات التي نالها المجتمع المدني ولا سيما على صعيد الحريات السياسية والديمقراطية, ورغم أن الوحدة الوطنية قطعت أشواطاً على طريق ترسخها ولا سيما من خلال التواصل والاتصال الذي تكون وتوفر بين أبناء المجتمع من خلال مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني التي نهضت عشية الاستقلال الوطني, وعلى الرغم من أن مستوى الوحدة الوطنية الذي تحقق في تلك المرحلة هو أعلى مستوى عرفه المجتمع السوري في تاريخه الحديث, إلا أن الوحدة الوطنية ظلت تعاني من الضعف ولم تستطع أن تصل إلى مستوى الوحدة الراسخة المتينة التي لا يمكن الانقلاب عليها، وذلك يعود لأن الواقع في تلك المرحلة كان يعج بالإشكالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحيث أن هذه الإشكالات كانت تقف عثرة أمام تطوير الوحدة الوطنية إلى وحدة راسخة ومتينة وصلبة لا يمكن الرجوع عنها. وقد كانت أولى الثغرات التي وجدت في جسم الوطنية السورية الحديثة والتي أضعفت من قوتها ووحدتها كانت مسألة انقسام صفوف البرجوازية التقليدية السورية في تلك الفترة. فقد عرفت البرجوازية السورية انقساماً عمودياً طال كل جناح من أجنحتها التجارية والصناعية والعقارية...الخ, فالبرجوازية السورية لم تكن مقسومة إلى تيارات تجارية وصناعية وعقارية ...الخ فحسب فهذا انقسام طبيعي وتعرفه كل المجتمعات الرأسمالية, إن ما ميز انقسام البرجوازية السورية هو أنها كانت مقسومة داخل كل جناح من أجنحتها المختلفة لا نتيجة لموقعها داخل الهرم الطبقي أو نتيجة لانقسامها الأفقي إلى شرائح أكثر ثراءً من شرائح أخرى أقل ثراءً داخل كل جناح من أجنحتها وإنما الانقسام كان ناتجاً عن الاختلاف حول هوية الوطنية السورية، وتحديداً حول هوية وانتماء الدولة السورية، وهو اختلاف توافق مع توزعها الجغرافي أو انتمائها الجغرافي إن صح القول. أقصد بذلك الخلاف والتمايز الذي نشأ بين جناحي البرجوازية التقليدية السورية، بين جناحها الدمشقي وجناحها الحلبي، أو ما يمكن تسميته ثنائية برجوازية دمشقية وبرجوازية حلبية، فالبرجوازية التقليدية السورية لم ترتبط بدورة إنتاج رأسمالية موحدة أو لنقل بدورة الإنتاج الرأسمالي الداخلي (السوق الداخلية للإنتاج, التبادل, ومركزة رؤوس الأموال) فالعناصر الرأسمالية في كل إقليم أو مدينة رئيسية ونتيجة لغياب الرابط الداخلي للإنتاج الرأسمالي فإنها ارتبطت حسب موقعها الجغرافي، وحسب نشأتها وجذورها التاريخية بجهة خارجية إقليمية عربية أو إقليمية أو دولية داخل السوق والنظام الرأسمالي العالمي. فكانت العناصر البرجوازية في مدينة حلب مثلاً مختلفة ومتمايزة بارتباطاتها ومصالحها وأهدافها عن العناصر البرجوازية الدمشقية, فلكل منها كانت له ارتباطاته الخارجية التي كانت أقوى من روابطها الداخلية التي تجمعها، فالعلاقات السياسية بين دمشق وحلب اللتين كانتا تشكلان عاصمتين لولايتين في الإمبراطورية العثمانية " لم تكن قوية قبل عام 1918، وكانت كل من المدينتين تدار بشكل منفصل عن الأخرى في ظل الإمبراطورية، وعلى الرغم من أهمية الطريق التجاري الذي يربط بينهما، فإن حلب ودمشق كانتا تقعان على محاور تجارية مختلفة، وكانت أسواقهما الاقتصادية الأكثر أهمية توجد في اتجاهات متعاكسة..."(1). ولهذا انضوت بعد الاستقلال غالبية البرجوازية الحلبية سياسياً تحت راية "حزب الشعب الذي كان يمثل المصالح التجارية في حلب والمنطقة الشمالية... ولقد بدا تجار حلب والموصل وبغداد وصيارفتها وثيقي الصلة أحياناً كتجار دمشق وصيارفتها, فمدينة حلب كانت تسيطر لعدة أجيال على الطريق التجاري العظيم من أوروبا والأناضول إلى بلاد الرافدين وإيران والهند, حيث ازدهرت أثناء وحدة الإمبراطورية العثمانية, وكانت الحدود التي أقيمت بين 1920-1923 أكثر جوراً على حلب منها على دمشق, إذ أن سورية منطقة داخلية جد صغيرة بالنسبة لحلب, ولطالما حلمت بإمكانات جغرافية أخرى أكثر اتساعاً "(2). لقد كان يرى حزب الشعب الحلبي " في العراق منفذاً وفي الاتحاد معه خير ضمان للاستقرار والازدهار المقبلين, وحالما مال حزب الشعب نحو العراق ( ما كان يسمى المحور الهاشمي ) تعلق القوتلي والحزب الوطني (الدمشقي) بمصر والعربية السعودية...."(3). فكما أن البرجوازية العربية لم تتمكن من الاجتماع حول مشروع قومي موحد على الصعيد القومي العربي نتيجة لارتباطاتها الرأسمالية العربية المختلفة حيث كانت كل ساحة قطرية لها ارتباطاتها المختلفة بالمراكز الرأسمالية عن الساحة القطرية الأخرى، كذلك الأمر كان على الصعيد القطري، فإنها لم تتمكن من وضع مشروع وطني موحد ومتماسك نتيجة ارتباطاتها المختلفة بدول الجوار أو بين إقليم وآخر أو بين مدينة وأخرى, وقد تجلى هذا التفتت وغياب المشروع الوطني الموحد داخل الصف البرجوازي من خلال الأطر الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية التي انضوت داخلها الطبقة السائدة البرجوازية, فكان للعناصر البرجوازية في كل مدينة من المدن الرئيسية السورية مثلاً حزبها السياسي الخاص بها وتنظيماتها الاقتصادية والاجتماعية التي تميزها عن العناصر البرجوازية في مدينة أخرى ولا سيما المدن الرئيسية, وهذا الانقسام والتشرذم داخل الطبقة السائدة قاد إلى ضعف في العوامل الصاهرة للمجتمع على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إذ أن وحدة وتماسك أي مجتمع تأتي في النهاية من تماسك ووحدة الطبقة السائدة المالكة للثروة.
ثانياً: عدم القدرة على تحطيم وإزالة البنى الأهلية وثنائيات بنية التخلف الرأسمالي. إن عدم قدرة البرجوازية التقليدية السورية على القضاء الجذري على الإقطاع جاء نتيجة طبيعية ومنطقية للتآخي في الأصل الطبقي بين الطبقتين, وهذا التآخي كان السبب الأساسي في استمرار ووجود المجتمع الأهلي, ونعني به تلك الأطر والهياكل المجتمعية المميزة للنظام الاجتماعي الإقطاعي, من مثل الأطر العشائرية والعائلية والقبلية والمناطقية والدينية إلى جانب البنى و الأطر الحديثة البرجوازية وتحديداً أطر المجتمع المدني الناشئ. إن استمرار البنى والأطر القديمة هذه كان يحول ويمنع قسماً أو قطاعات من المجتمع المنضوية تحت لواء هذه الأطر من تجاوز الانتماءات الضيقة العائلية والعشائرية والقبلية أو المناطقية أو الدينية الطائفية لصالح اكتساب انتماءات أوسع وأكثر عمقاً, ونعني الانتماء الوطني الواسع والحقيقي الذي يكتسبه الفرد داخل مؤسسات وأطر المجتمع المدني والذي تتصف مؤسساته وأطره بشكل أساسي بالطابع العام والوطني وعلى كل الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. أي أن استمرار وجود المجتمع الأهلي إلى جانب المجتمع المدني كان يعيق من تمدد واتساع رقعة الانتماءات الوطنية داخل المجتمع, وإذا ما أضفنا إلى ثنائية تعايش المجتمع الأهلي- مع المجتمع المدني كل الثنائيات التي تكونت في بنية التخلف مع بداية سيادة البرجوازية التقليدية, ونعني الثنائيات التي لم تستطع البرجوازية التقليدية أن تجد حلاً سريعاً لها أو تجد مساراً للتطور يزيلها بسرعة, من مثل ثنائية بنى قديمة إقطاعية – بنى حديثة رأسمالية أو بنى مدنية متطورة – بنى ريفية متأخرة أو بنى مناطقية نامية – بنى مناطقية مهملة ومهمشة أو بنى قومية سائدة – بنى قومية مسودة أو بنى مجتمعية دينية نامية – بنى دينية مهملة ومهمشة...الخ, وإذا ما نظرنا إلى هذه الثنائيات فإننا نجد أن أخطر ما في هذه الثنائيات ليس التباين والاختلاف داخل المجتمع بين بنى اقتصادية قديمة و بنى اقتصادية حديثة أو بنى نامية ومتطورة و بنى مهملة ومهمشة وما تتركه هذه الثنائيات من آثار طبقية واجتماعية واقتصادية على حياة البشر وإنما الخطر يأتي من أن هذه الثنائيات تنتج معها ثنائيات فكرية وثقافية وحضارية داخل المجتمع، وحيث يتم انقسام المجتمع لا على صعيد الطبقات الاجتماعية فحسب بل يتم انقسامه على صعيد البنى الفكرية والثقافية والحضارية والروحية, أي ينتج ويتبع ذلك ثنائيات فكرية وثقافية متناقضة ومتنافرة ومتصارعة إلى حد تكون هويات عمودية مختلفة, وهذا كان يولد ضعفاً في الهوية الوطنية والانتماء الوطني أو لنقل يعيق انصهار العناصر المكونة للهوية الوطنية ويضعف من وحدة وتماسك المجتمع, فهذه الثنائيات كانت تقود إلى انقسام المجتمع عمودياً. حيث الحقد الطبقي هنا يتمفصل ويتراكب مع الحقد الطائفي أو القومي أو الديني أو المناطقي, كحقد أبناء الريف على أبناء المدينة أو حقد أبناء هذه المنطقة على تلك من المناطق أو بالحد الأدنى الحساسيات التي تنشأ بين أبناء المناطق المختلفة أو المحافظات المختلفة حيث نجد أبناء بعض المحافظات أو المناطق أو القوميات كيف ينظرون باستعلاء إلى أبناء بقية المحافظات والمناطق من المهمشين والمهملين. أن وقائع التاريخ العربي الحديث مليئة بهذه الحساسيات والأحقاد والصراعات الناتجة عنها. يكفي هنا للتدليل على ذلك الإشارة إلى أن الجهة التي قامت بافتعال حريق القاهرة استخدمت المهاجرين من الريف المصري إلى القاهرة كوسيلة وأداة في إحراق القاهرة بتاريخ 26 يناير 1952مستغلة إحساسهم بالغربة والحقد والقهر كما تم استغلالهم في الأربعينيات للقيام بنهب أحياء اليهود لتسهيل هجرتهم إلى إسرائيل(4). يتحدث د. أنور عبد الملك عن حريق القاهرة(5)، في كتابه المجتمع المصري والجيش. يقول : " عند الظهر كان حي الأعمال والمدينة الحديثة وسط القاهرة يحترقان ، وامتدت النيران في ساعات بعد الظهر الأولى. وأخذ المتظاهرون الذين تحولوا إلى متفرجين يراقبون هيجان الزمر الفاشية يحيط بها مئات من الرعاع العاطلين عن العمل، والمعذبون، وبروليتاريا القاهرة الرثة والمشوهة. كانوا يراقبون لأن العاصمة الرائعة لم تكن لهم، بل للأغنياء الذين كانت محلاتهم تحترق. لذلك تركوها تحترق "(6). كما سنجد فيما سيتقدم من هذا البحث أن أكثر من نظام عربي وصل إلى سدة السلطة عبر قوة العسكر، فإنه قام من أجل العصيان بسدة السلطة بنبش وإحياء كل الحساسيات والجروح التي لم يسمح لها بالاندمال أساساً نتيجة قطع مسار التطور الطبيعي للمجتمع والذي كان يشكل المسار الوحيد القادر على إلغاء كل الثنائيات القائمة وما ينتج عنها من حساسيات وجروح بشكل طبيعي، وحيث أن ذلك كان يحتاج إلى إفساح المجال التاريخي والزمني كي يأخذ هذا المسار كامل مداه. فهذا المسار عبر ديالكتيك التطور هو من ينتج هذه الثنائيات وهو من يلغيها أو يخفف من حدتها عبر إنتاجه للعناصر والمكونات الصاهرة وغلبتها على العناصر النابذة. أن قضية وجود ثنائيات في أي مجتمع من المجتمعات هي مسألة نجدها في مجتمعات المراكز والأطراف على حد سواء وإن اختلف نوع ومحتوى وحدّة هذه الثنائيات، كما يمكن القول أنها مسألة كانت ولا تزال ملازمة للرأسمالية في كل ساحات اشتغالها منذ أن صعدت الرأسمالية على مسرح التاريخ حتى يومنا هذا. إن القضية الأساسية التي تجعل من وجود وولادة هذه الثنائيات مهما كان نوعها ومحتواها في أحشاء مجتمع من المجتمعات تشكل مشكلة متفجرة وتقضي على وحدة وتماسك المجتمع وتفتت هويته ووحدته الوطنية، تكمن في عملية قطع مسار وصيرورة التطور الطبيعي لهذا المجتمع لمصلحة مسار استثنائي، فقطع صيرورة التطور يعني قطع العوامل والمكونات الصاهرة داخل المجتمع وقطع الحوامل المكونة للهوية الوطنية لمصلحة خلق المكونات الكاسرة والمحطمة لهذه الهوية. وهنا أقول إن التاريخ الحديث والقديم يعلمنا أن التأخر في حل هذه الثنائيات أو التأخر في الحد من حدة الاستقطاب حول طرفيها يشكل التربة المناسبة والملائمة لصعود المسارات الاستثنائية في الواقع، كما يزيد من احتمال حدوثها. فكل مدنية لا تستطيع أن تعمم ذاتها على محيطها تصبح عرضة للتدمير من قبل بيئة مهمشة أو هامشية تقع في محيطها القريب أو البعيد أو تقع أحياناً بداخلها وفي محيطها معاً.
إن صراع البيئات الفقيرة المهمشة والهامشية مع الحواضر المتمدنة التي تتركز وتتمركز فيها الثروة ومنجزات الحضارة هو صراع عرفته كل العصور القديمة والوسيطة والحديثة، وقد تعددت مساحات وساحة هذا النوع من الصراع حيث عرفته البشرية على مستوى ساحات محلية وإقليمية وعالمية. فقد عرف تاريخ بعض المجتمعات حتى وقت قريب صراع البدو مع الحضر، أقصد بذلك هجمات البدو على القرى والمدن وقيامهم بأعمال السلب والنهب لكل أنواع الثروة ووسائل العيش الموجودة في تلك الحواضر، كما عرفت أغلب المجتمعات العربية في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين صراعاً على السلطة بين أبناء الريف وأبناء المدن – وهو الصراع الذي سأفرد له مساحة كبيرة فيما سيتقدم من هذا البحث- كما عرفت العصور القديمة الصراع الذي دار داخل الإمبراطورية الرومانية بين البرابرة القادمين من شمال القارة الأوروبية مع روما عاصمة الإمبراطورية، وهو الأمر الذي أدى إلى سقوط روما وانهيار الإمبراطورية الرومانية في نهاية القرن الرابع الميلادي، كما عرف المجتمع العربي بدءاً من القرن السابع الميلادي خروج مجتمع شبه الجزيرة العربية الفقير بوسائل وموارد الحياة والعيش باتجاه الشمال حيث حواضر ومدن بلاد الشام الغنية بما فيها من موارد طبيعية وما فيها من منجزات الحضارة البيزنطية وقبلها الرومانية القديمة، كما توسعوا باتجاه الشرق حيث مدن وحواضر الحضارة الساسانية، ومن ثم التوسع في كل اتجاهات الأرض حتى وصلوا غرباً إلى جبال البيرينيه في أوروبا وإلى تخوم الصين شرقاً. كما عرف المجتمع العربي في القرن الثالث عشر الميلادي غزو قبائل المغول الهمجية الفقيرة القادمة من أقاصي شرق آسيا بقيادة هولاكو خان باتجاه الحواضر العربية في جنوب وغرب آسيا كبغداد ودمشق وحلب والقاهرة والقدس التي ازدهرت جميعها بالثروة وكل منجزات الحضارة في العصرين الأموي والعباسي.
إن عدم إعطاء هذه الصراعات أهميتها المطلوبة من قبل علم الاجتماع السياسي ترك ثغرة في هذا العلم كما أن استمرار ذلك الإهمال سيترك ثغرة في تفسير الكثير من أحداث التاريخ ولا سيما الرؤية التي تعمل على تفسير وتعليل مسار التاريخ كله. إن اقتصار اهتمام كارل ماركس على فكرة أن الصراع الطبقي هو المحرك الرئيسي للتاريخ رغم صحتها وأهميتها إلا أنها تبقى رؤية غير مكتملة إذا لم نضف إليها هذا النوع من الصراع، أقصد بذلك الصراع الذي يدور بين البيئات الفقيرة المهمشة أو الهامشية والبيئات المالكة للثروة. فالوقوف عند مقولة أن الصراع الطبقي هو محرك التاريخ دون أن نأخذ بعين الاعتبار هذا النوع من الصراعات يجعل ديالكتيك كارل ماركس يبدو وكأنه مجموعة من قوانين الفيزياء الصارمة والتي لا تعترف بأي استثناء يخرج عن القاعدة، ولأن التاريخ الواقعي لا يسير وفق هذه الصرامة الفيزيائية فإن ذلك يجعل الحتمية التاريخية الماركسية تبدو وكأنها مقولة ميتافيزيقية ما ورائية تشبه الكثير من المقولات اللاهوتية.
إن التاريخ من وجهة نظري محكوم بنوعين من الصراعات، فهناك الصراع الطبقي الصافي الصريح بين الطبقات الاجتماعية، وهو الأساس الذي اعتمده ماركس كمحرك للتاريخ(7). وحيث أن تركيز كارل ماركس على الصراع الطبقي الصافي الصريح - والبسيط في الحقبة البرجوازية كما سماه كارل ماركس - كان نوعاً من التجريد الواقعي الذي يلجأ إليه علماء الاجتماع كما في أي حقل من حقول العلم من أجل الوصول إلى القانون العام الأساسي الذي يشتق منه ويبنى عليه كل القوانين والحالات العيانيّة المحسوسة والملموسة. فبالإضافة إلى الصراع الطبقي الصريح الواضح عرف التاريخ نوعاً آخر من الصراع هو الصراع المعقد والمركب(8)، وهو الصراع الذي نجد أن حجري رحاه تتشكل من البيئات الفقيرة المهمشة( الريفية أو القبلية أو الطائفية أو القومية أو الدينية أو العرقية ...الخ) والبيئات الغنية المالكة للثروة والحضارة والمدنية ومنجزاتها. إن إدراك هذا النوع من الصراع وإعطائه الأهمية اللازمة والمطلوبة ضروري لا من أجل تفسير أحداث الماضي والحاضر فحسب بل من أجل ترقب وتوقع المزيد من هذه الصراعات في المستقبل. أقول في المستقبل ليقيني أن أغلب الصراعات في كل المجتمعات تنحى شيئاً فشيئاً وبشكل مطرد ومنذ عقود باتجاه هذا النوع من الصراعات المركبة والمعقدة التي يختلط فيها الطبقي مع الهوياتي ( الديني أو القومي أو العرقي ...الخ) وأبرز مثال على ذلك ما تشهده أغلب ساحات العالم من صراعات يختلط فيها صراع الهويات مع صراع الطبقات وحيث أن ذلك يطال لا ساحات الأطراف فحسب بل نجد أبلغ تجلياته في المراكز الأوروبية وحيث كانت آخر فصوله ما تشهده القارة الأوروبية منذ عقود من صراع بين أصحاب الهوية الإسلامية المهاجرين إلى تلك البلدان مع المتطرفين من أصحاب الهوية القومية من السكان الأصليين، وحيث ،ن الاستقطاب السياسي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لم تشذ عن هذا الصراع حيث نجد أن القوى التي وقفت بوجه الرئيس ترمب الذي مثل أحدث نسخة من عنجهية كبار مالكي الثروة العنصريين والذي استطاع أن يجر خلفه ملايين من الفقراء البيض المهمشين كانت خليطاً من الليبراليين والمهمشين اليساريين والفوضويين وأصحاب الهويات الملونة من ذوي الأصول العرقية اللاتينية والأفريقية والمسلمة ...الخ، وحيث أن أصحاب الهويات الملونة هم من رجح الكفة لصالح المرشح الديمقراطي جو بايدن، فأغلب المراقبين يرجحون انتقال بعض الولايات الأمريكية من ولائها للجمهوريين باتجاه الديمقراطيين يرجع للتغير الذي حصل في التركيبة الديمغرافية لهذه الولايات وهو الأمر الذي يثقل من دور صراع الهويات، وهو الدور الذي سيزداد باطراد من وجهة نظري في المستقبل في القارة الأوروبية كما في أمريكا، ولا سيما أن هذا النوع من الصراعات المركبة يلتقي مع نوعين من التغيرات تجري في عروق المجتمعات الرأسمالية المركزية، فهناك من جهة التغيرات المتزايدة باطراد منذ عقود في البنية الديمغرافية لهذه المجتمعات- وهي عملية ستقود في النهاية إلى ما يمكن تسميته بترييف القارة الأوروبية - والناتجة عن عجز وعدم إرادة القوى القائدة للنظام الرأسمالي إفساح المجال لمجتمعات الأطراف بالتطور واللحاق بالمدنية ومنجزات الحضارة البشرية الأمر الذي يدفع شعوب الأطراف لمواصلة الهجرة نحو المراكز الأوروبية بحثاً عن الأمان ووسائل الحياة، فتوسع المراكز الرأسمالية الأوروبية نحو الأطراف لم يجر " إلى تيار الحضارة أشد الأمم همجية " كما توقع كارل ماركس - وإن كان ذلك في البداية – فهذه المراكز عادت وأنتجت ودعمت وتواطأت مع أشد الهمجيات الحديثة المعادية للحضارة ولشعوبها. ومن جهة ثانية هناك التغيرات الحاصلة في بنية الطبقات الاجتماعية لهذه المجتمعات بطريقة معاكسة لمخطط الطبقات الاجتماعية الذي بناه كارل ماركس في القرن التاسع عشر بسبب التطورات التقنية والتكنولوجية المتلاحقة التي وفرت مزيداً من فوائض الإنتاج من جهة، ومزيداً من الوفرة في قوة العمل العضلي والذهني اللازمة للقيام بالإنتاج من جهة أخرى، فبعد أن كانت الرأسمالية تقوم من خلال عمليات الإنتاج بخلق أغلبية منتجة في المجتمع، هم العاملون عضلياً وذهنياً، مع أقلية من المهمشين كانت تعيش إلى جانبهم، أصبحت الأمور تسير ومنذ عقود باتجاه إنتاج أقلية من المنتجين الحقيقيين تعيش إلى جانبهم وعلى حسابهم أغلبية من المهمشين، والمقصود هنا بالمهمشين لا العاطلين عن العمل ومن بحكمهم فحسب بل المهمشين بحكم موقعهم غير المؤثر إن كان في عمليات الإنتاج أو في تأثيرهم على سير الحياة العامة أو حتى في قدرتهم على التأثير في تحديد اتجاه سير حياتهم الخاصة، ولا سيما أننا نتحدث عن زمن استطاعت فيه الرأسمالية تحطيم أكبر القلاع والحصون النقابية داخل المجتمعات الرأسمالية الأمر الذي ترك هذا الخليط من المهمشين من مختلف النوعيات والهويات يشكلون حالة سائلة إذا ما انزلقت في لحظة محددة باتجاه صراع مركب مع جهة مقابلة من نفس النوع ولكن مختلفة في الهوية، فمن المرجح أن تكون نتيجة هكذا نوع من الصراعات كارثة وخراباً محتمين على الحضارة البشرية برمتها، وحيث أن كل ذلك يحدث في شروط وجود يسار عالمي غبي لا أمل بصحوته، كما أن إرثه الثقيل والشنيع – لا سيما إرث النظم الشيوعية التي حكمت في القرن العشرين - لا يفسح المجال لولادة يسار عاقل، فاليسار العالمي بكل تياراته وفصائله يشبه في مقاربته لمشاكل ومسائل العصر المعقدة من يحاول حل أعقد مسائل الفيزياء المعاصرة من خلال قوانين الفيزياء الكلاسيكية زمن نيوتن. لقد اعتقد بعض المفكرين في السابق ومنهم الياس مرقص في كتابه " الماركسية والشرق " أن رؤية كارل ماركس للتاريخ تنطبق فقط على التاريخ الأوروبي، حيث أن الطابع الطبقي كان هو الغالب على أغلب الصراعات في المجتمعات الأوروبية، في حين أن المجتمعات الشرقية من وجهة نظر الياس مرقص لم تعرف في الغالب سوى صراع الهويات أو لنقل غلبة صراع الهويات على صراع الطبقات(9). والواقع أن كلاً من كارل ماركس والياس مرقص كانا مخطئين، فإذا كان صحيحاً أن التاريخ الأوروبي لم يعرف في الغالب سوى الصراعات الطبقية فلأن كارل ماركس أقفل التاريخ الأوروبي عند معطيات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي المعطيات ذاتها التي امتدت حتى النصف الأول من القرن العشرين، وحيث أن هذه الفترة الممتدة على مدار قرن من الزمن هي حالة خاصة لا يمكن تعميمها على تاريخ الصراعات التي عرفتها المجتمعات الأوروبية لا قبل هذا التاريخ ولا بعده. ولأن الياس مرقص بدوره لم ير ما فتحه التاريخ من صفحات بعد ذلك واكتفى بالسقف والصفحات التي رآها كارل ماركس من التاريخ، فصفحات التاريخ الأوروبي وبدءاً من الربع الأخير من القرن العشرين تشي بأن المجتمعات الأوروبية ستشهد بدورها الصراعات المركبة، وحيث أن الطابع الهوياتي سيكون هو الغالب في هذه الصراعات شيئاً فشيئاً، وأن هذه الصراعات هي من سيحدد مستقبل القارة الأوروبية ومعها مستقبل البشرية لأمد طويل، الأمر الذي يعني بأنه إذا أخذنا التاريخ بكليته ومن دون أن نضع له سقفاً محدداً أو لنقل إذا لم نضع له سقفاً بما نعاصره ونتوقعه من معطيات فإن التاريخ العالمي كما أعتقد سيكون هو تاريخ واحد وحيث أن المجتمعات الغربية ستشرب في النهاية من نفس كأس الصراعات الذي شربت منه المجتمعات الشرقية، وإذا كان هناك من فارق فإنه سيكون فقط في الفارق في النصف الأول من الكأس. وهنا علينا أن نضيف إلى مقولة كارل ماركس " بأن الرأسمالية ستخلق عالماً على صورتها " بالقول إن تاريخ البشرية سيكون على صورة واحدة في النهاية، فالتاريخ هنا يشبه أية لعبة فيها احتمالين، فكلما زادت صفحات التاريخ يقترب تساوي الاحتمالين.
إن أهم ما يميز هذا النوع من الصراعات المركبة:
أولاً: اختلاط ما هو أفقي وطبقي مع ما هو عمودي وهوياتي ( ريفي أو قبلي أو طائفي أو قومي أو عرقي وإثني أو ديني ...الخ )، فنتيجة هذا التراكب نجد أن ما هو طبقي يخفي تحت جلده في بعض اللحظات ما هو هوياتي وفي لحظات أخرى نجد العكس، أي أن ما يبدو أنه هوياتي يخفي تحت جلده صراعاً طبقياً محبوساً ومزمناً.
ثانياً: يسهل على الطبقات المالكة للثروة أو أصحاب المشاريع السياسية أحياناً تحويل ما هو طبقي في هذا الصراع إلى ما هو هوياتي أو وضع ما هو هوياتي في خدمة ما هو طبقي والعكس صحيح.
ثالثاً: إن الخلط وعدم التمييز بين ما هو طبقي عما هو هوياتي في حالة الصراعات المركبة أنتج نوعاً من اليسار الغبي نجده في مجتمعات الأطراف والمراكز على حد سواء، فهذا اليسار الغبي يندفع بحجة خدمته لقضيته الطبقية والسياسية للعمل لمصلحة القوى الهوياتية التي تحركها بالغالب قوى معادية أصلاً لليسار وقضيته الطبقية، من هنا تأتي أهمية الانتباه إلى هذا النوع من الصراعات المركبة، ومن هنا تأتي أهمية الفرز والانتباه والتمييز في كل لحظة وحالة بين ما هو طبقي من الصراع عما هو صراع هوياتي الذي يكون في كل الأحوال صراعاً مدمراً لا يخدم القوى الصاعدة في التاريخ.
رابعاً : إن اختلاط الطبقي مع الهوياتي في حالة الصراعات المركبة هو ما يفسر وجود اتجاهين متطرفين في تفسير الكثير من حوادث التاريخ القديم والحديث والمعاصر حيث نجد طرفاً لا يرى في بعض الحوادث التاريخية سوى كونها صراع هويات صافية ( طائفية أو غيرها ) وطرف آخر مقابل لا يرى عندما يفسر نفس الحدث سوى كونه صراعاً طبقياً صافياً، فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك من لم ير في الصراع الذي دار في سوريا حول السلطة في ستينيات القرن الماضي سوى وجهه الطائفي، إلى حد اعتبار أن كل انقلاب البعث في 8 آذار 1963 لم يكن سوى مجرد محض مؤامرة ثلاثة من الضباط العلويين أو بأحسن الأحوال مؤامرة مجموعة من الضباط المنتمين لبعض الأقليات الطائفية في سوريا تحت مسمى لجنتهم العسكرية التي تشكلت في القاهرة زمن الوحدة مع مصر، ولهذا نجد أن هذا المنطق يضع محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد في نفس الخانة ويلبسهم الثوب الطائفي ذاته ولا يرى فيهم غير هذا الثوب والقالب، كما يرفض أن يميز هذا عن ذاك لا سياسياً ولا إيديولوجياً ولا بأي شكل من الأشكال. في المقابل نجد طرفاً آخر عندما يتناول نفس المرحلة ونفس الصراع فإنه لا يرى غير ما هو طبقي وإيديولوجي في الصراع دون أن يلمس ما هو هوياتي أو طائفي في عملية الاستقطاب السياسي والأدوات المستخدمة في خوض هذا الصراع، ولهذا وذاك أقول هنا باختصار أن حقيقة ما حصل في تلك المرحلة تقع بين هذا وذاك.
خامساً: إن أهم ما يميز الصراع الطبقي الصافي عن الصراعات المركبة هو في كون الصراعات الطبقية دائماً تفتح صيرورات ثورية في التاريخ وهي الأساس الذي تنتقل عبره البشرية من نظام اجتماعي إلى نظام اجتماعي آخر أرقى، في حين نجد أن الصراعات المركبة تفتح في بعض الحالات موضوعياً صيرورات ثورية للتطور ولكن في أغلب الحالات ولا سيما في الحالات التي يتجه فيها الصراع نحو صراع الهويات فأن الصراع في الغالب يكون مدمراً ولا يفضي إلى واقع جديد وأرقى من الواقع القديم .
سادساً : في كل الحالات يمكن القول أن الصراعات المركبة تنفجر في الغالب وتصبح هي السائدة كأحد دورات التاريخ التي تحدث عندما تكون القوة القائدة لدفة التطور قد تلكأت في خطوات المسير أو في الحالات التي تعجز فيه عن متابعة المسير.
ثالثاُ: نشوء نزعة تخوين واستئصال البرجوازية التقليدية والنخب السياسية المدنية والمدينية:
إن عدم القضاء على الإقطاع (علاقات إنتاج واستغلال و بنى ...الخ) ترك ثغرة في جدار الوطنية السورية التي نتجت عن الانتقال إلى النظام الاجتماعي البرجوازي الجديد، وجعل هذه الوطنية غير مكتملة كونها لم تكتمل بعنصر ومركب التآخي الطبقي بين البرجوازية وبقية طبقات المجتمع، والذي يحدث عادة في سياق الانتقال إلى النظام الديمقراطي البرجوازي على أنقاض المجتمع الإقطاعي القديم. ففي سياق النضال الوطني ضد المستعمر الغربي عرف المجتمع السوري وللحظات تاريخية نوعاً من الوطنية والتآخي الوطني وحتى الطبقي المؤقت, حيث كانت كل الطبقات الاجتماعية تقف في صف واحد والخندق ذاته في معركة التحرير الوطني, وهذه الوطنية لو اكتملت بالوطنية التي تولد في سياق الانتقال إلى نظام اجتماعي جديد، أي لو استطاعت البرجوازية السورية بعد الاستقلال خوض نضال حاسم وجذري ضد الإقطاع في سياق تكوين نظامها الاجتماعي البرجوازي لولدت وطنية وتآخياً لا يمكن أن يتكرر مرات كثيرة في تاريخ المجتمعات البشرية, والوطنية والتآخي هذا ينتج عن اصطفاف غالبية الطبقات الاجتماعية في الثورة الديمقراطية البرجوازية ضد طبقة الإقطاع، فشعار التآخي الذي ترفعه الثورة الديمقراطية يشكل أساس الوطنية التي تنتج عشية الانتقال إلى النظام البرجوازي الجديد. ولأن البرجوازية التقليدية السورية لم يكن لها أن تخوض هذا النضال الحاسم والجذري بوجه الإقطاع نتيجة لأصلها ومنشئها الإقطاعي فإن المجتمع السوري حرم من هذه الوطنية والتآخي بين أبنائه, وبقيت الهوة الطبقية والسياسية والأخلاقية والنفسية سحيقة تفرق أبناءه وتأكل من لحم وحدته ولحمته الوطنية, فالبرجوازية التقليدية السورية وبدل أن تتآخى مع كل أفراد المجتمع فإنها حافظت على تآخيها مع الإقطاع تاركة بقية وغالبية المجتمع من عمال وفلاحين وبرجوازية صغيرة في أحضان الفقر والجهل الإقطاعي. إن البرجوازية التقليدية السورية قدمت مع سيادتها الكثير من المكتسبات السياسية للمجتمع عبر تحريرها للمجال السياسي في البنية الاجتماعية إلا أنها لم تستطع أن تقدم أي مكتسب في المجال الاقتصادي حيث تبدو كأنها طبقة تحررية, أي طبقة حررت المجتمع من براثن الظلم والاضطهاد الإقطاعي, وبالتالي طبقة تشكل محوراً يلتف حوله غالبية طبقات وشرائح المجتمع المختلفة في سياق نضالها للتحرر من كل أشكال الاستغلال والاضطهاد الإقطاعي. ولو استطاعت البرجوازية التقليدية أن تشكل هذا المحور القيادي لولدت وطنية كانت ضرورية لجهة توطيد وترسيخ الروح واللحمة الوطنية داخل المجتمع السوري, ولكانت قطعت الطريق أمام صعود قوى الاستبداد الحاقدة طبقياً وسياسياً واجتماعياً ونفسياً وحضارياً وحتى دينياً وطائفياً في بعض الحالات, التي استغلت عجز البرجوازية التقليدية عن تقديم أي مكسب للمجتمع على الصعيد الاقتصادي كرافعة وذريعة لانقضاضها على السلطة واحتلالها الدولة والمجتمع. لقد ولد عجز البرجوازية التقليدية السورية عن تحرير المجتمع من الإقطاع إلى نشوء نزعة تخوين واستئصال البرجوازية من الواقع، وحيث المقصود لا استئصال البرجوازية كطبقة اجتماعية فحسب بل استئصال نخبها الثقافية والسياسية، وهي النزعة التي تمادت لتتحول إلى نزعة ما يمكن تسميتها نزعة عداء أبناء الريف لأبناء المدينة. إن نزعة استئصال البرجوازية السورية مع نخبها ومحيطها وبيئتها في تلك الفترة من التاريخ السوري لم تكن نزعة يسارية شيوعية كما يعتقد البعض، فالحزب الشيوعي السوري ومن خلفه الاتحاد السوفييتي لم يكن في استراتيجيتهم في تلك الفترة استئصال البرجوازية السورية من الواقع السوري، فقد كانت علاقة الحزب الشيوعي ومن خلفه الاتحاد السوفييتي مع البرجوازية السورية في أحسن حالاتها، فالحزب الشيوعي السوري ومعه السوفييت كانوا يرون في تلك الفترة بأن طبيعة المهام المطروحة على جدول أعمال التاريخ في سوريا هي استكمال مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية وبما يعني بأن البرجوازية لم تستنفذ كل دورها التاريخي وأن هناك دوراً ايجابياً يمكن أن تلعبه البرجوازية الوطنية السورية في الواقع السوري، ففي خمسينيات القرن الماضي كان السوفييت حريصين على ألا يرفع أي من الأحزاب الشيوعية في المنطقة أي شعار ممكن أن يستفز ويخيف البرجوازية على حد تعبيرهم، حتى ولو كان الشيوعيون قادرين على الوصول إلى السلطة، كما كان حال الحزب الشيوعي العراقي عام 1959، وكلنا يعرف علاقة التعاون المميزة بين الحكومات التي كان يشكلها العظم مع الدولة السوفييتية. إن نزعة استئصال البرجوازية التقليدية من الواقع السوري لم تكن نزوعاً طبقياً صافياً وصرفاً كما يتصور البعض، لقد ولدت هذه النزعة باعتقادي من عقلية البرجوازية الصغيرة ذات الأصول الفلاحية الريفية التي كانت تتغذى بعدد من العوامل والشروط الموضوعية التي كانت أساساً لولادة هذه العقلية، ومن أهم هذه الشروط نجد:
أولاً: أن المدينة البرجوازية كانت مركزاً للثروة وكل منجزات الحضارة وأضوائها التي حرم منها الريف السوري تاريخياً.
وثانياً: إن المدينة كذلك كانت مكاناً تقيم فيه طبقة الإقطاع التي تسيطر على الريف وتذيقه كل أنواع الاضطهاد والعذابات المعروفة. فمن أهم صفات الإقطاع العربي عموماً والسوري خصوصاً، هو في كونه لم يقم في الأرياف حيث كانت إقطاعيته كما كان حال الإقطاع الأوروبي، فمن أصل ما يقارب الثلاثة آلاف من الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي في سوريا لم يكن يتجاوز عدد الإقطاعيين وكبار مالكي الأراضي المقيمين في الأرياف السورية أكثر من المئة. وإذا كانت المدينة في الواقع الأوروبي شكلت رمزاً لتحرير الريف من الإقطاع، فإن الإقطاع السوري ومعه المدينة السورية شكلت رمزاً لكل ما هو سلبي في عقل أبناء الريف والبرجوازية الصغيرة الريفية الضيقة الأفق. لهذا نشأت في الواقع السياسي والثقافي السوري ظاهرة لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا هي ظاهرة اليسار الفلاحي داخل كل الأحزاب السياسية السورية، وهي الظاهرة التي أضيف إليها في بعض البيئات النكهة الطائفية، فكانت ظاهرة اليسار الريفي الطائفي،- كما نجد هذه الأيام وعلى نفس الأرضية ظهور ظاهرة العلمانية الطائفية أو الإلحادية الطائفية على حد تعبير محمد سيد رصاص - وحيث أن الإيديولوجيا القومية والشيوعية كانت تشكل غطاءً وستارةً تخفي هذا النوع من اليسار الريفي أو الريفي الطائفي، فقد كانت الإيديولوجيا تشكل الأنا العليا التي تغطي وتلجم ظهور ما هو مخبأ إلى السطح, أي يمكن القول أننا أصبحنا أمام عقل ظاهري تديره وتسيطر عليه الإيديولوجيا وعقل باطني تديره وتسيطر عليه من الداخل شروط الواقع الريفي المعاش مضافاً إليه إرثاً تاريخياً موروثاً لم تستطع الإيديولوجيا الحديثة اقتلاعه من جذوره العميقة كون ذلك كان يحتاج إلى نقلة نوعية في الواقع لا في الفكر فقط. وفي هذه الشروط نشأت كذلك في أوساط البرجوازية الصغيرة الريفية وبشكل أكثر انتشاراً واتساعاً في أوساط المؤسسة العسكرية السورية فكرة استئصال البرجوازية السورية التقليدية لا بدافع وهدف الوصول إلى مجتمع العدالة الاجتماعية بل بهدف وضع اليد على ثروة البرجوازية والاستحواذ على كل ما كانت تملكه البرجوازية من مال وجاه وسلطة، وقد تراكب ذلك الطموح في بعض البيئات مع نكهة طائفية مع ما تحمل هذه النكهة من حساسيات وإرث من الثارات الطائفية...الخ وحيث ألبست كل تلك الطموحات ثوباً إيديولوجياً محدداً ووعاءً حزبياً وعسكرياً يشكل وسيلة وسلماً يتم الصعود على درجاته. لكل هذا لم يشفع للبرجوازية السورية التقليدية أنها شكلت قبل وبعد الاستقلال الوطني الحضن الدافئ لأبناء الريف بكل مشاربهم المناطقية والطائفية والأقوامية, حيث فتحت لهم الأبواب لدخول المدن والحياة العامة من أوسع الأبواب, وأعني الدخول إلى مؤسسات وأجهزة الدولة السياسية والاقتصادية والعسكرية, حيث تم بناء الجيوش العربية من أبناء الريف دون تمييز بين زيد وعمر. ولكن أبناء الريف لم يردوا الجميل بالجميل بل ردوا الجميل بالقبيح, فهؤلاء عندما سيملكون سيف الدولة سيقطعون به أول ما يقطعون اليد التي امتدت لمساعدتهم للدخول إلى الحياة العامة وإلى مؤسسة الجيش, أي سيقطعون اليد التي سلمتهم هذا السيف. إن طموح الضباط بالوصول للسلطة والتمتع بامتيازاتها وما تجلبه من ثروة وجاه لم يكن مقتصراً على الضباط المنتمين لهذه الطائفة أو تلك - كما يحب البعض أن يضع مظلوميته الطائفية بالجرن ويستمتع بالدق عليها – كما لم يقتصر على المنتمين لهذا الحزب أو ذاك، كما أن هذه الظاهرة داخل الجيش السوري لم تكن ظاهرة خاصة عرفها الجيش السوري بخلاف بقية الجيوش العربية في تلك المرحلة، لقد كانت ظاهرة عامة شملت كل الذين لا يستطيعون الوصول إلى الثروة والجاه إلا من خلال السلطة، يقول خالد العظم في الجزء الثاني من مذكراته قولاً يختصر من يدقق فيه الكثير مما جاء من أفكار في هذا المقال، يقول: " لقد سيطر الجيش على مقدرات البلاد منذ انقلاب 30 آذار 1949، بحيث تسلطت على الحكم طبقة من الشباب لم يجدوا سبيلاً للحصول على الشهادات المدرسية العادية فولوا وجوههم شطر المدرسة العسكرية بحمص. وهي التي ما كانت تطلب من الطلاب أكثر من الدوام سنتين، وتسهل لهم الحصول على شهادتها، فيتخرج الضابط منها بنجمة واحدة يعتقد أنها كوكب ذري. فيسير على الأرض الخيلاء وينظر إلى المجتمع نظرة العدو الحسود، وإلى المدنيين نظرة الاستعلاء. فهم كلهم، في نظره، خونة وعملاء وإقطاعيون. وقد أثر في تكوينهم هذا ما نفخوا فيه من روح الحقد والغيرة والثورة على الحياة الاجتماعية السائدة، خصوصاً وهم كانوا يتحدرون في الأصل من أوساط لم تسعفها الظروف ببسطة في العيش.". وقد كان الضباط ذوي الأصول الفقيرة وخاصة أبناء الريف هم أكثر من سيطرت عليهم شهوة الوصول للسلطة، فقد بدأت ظاهرة تدخل وشهوة استيلاء الجيش على السلطة كشهوة عامة استثمرتها في البداية القوى الإقليمية والدولية في إحداث الموجة الأولى من الانقلابات التي أعقبت الاستقلال، ثم تبع ذلك استثمار هذه الشهوة من قبل الأحزاب السياسية القومية وخاصة ممن انخرط في هذه الأحزاب من أبناء الريف داخل الجيش، وعلى حد قول حنّا بطاطو استثمرها أبناء الريف أو أبناء فلّاحي سوريا الأقل شأناً( 11)، ومن ثم تم تجيير كل ذلك لمصلحة جنرال مستبد وشهواني للسلطة، استطاع بناء نظام عائلي حاكم يستند إلى عصبية طائفية كما الحالة السورية والعراقية أو عصبية قبلية كما الحالة الليبية واليمنية أو حالة جهوية مناطقية أو قومية أو عرقية في حالات أخرى عربية. ............................................................................................
المصادر:
(1). ص (71 ) من كتاب نشوان الأتاسي تطور المجتمع السوري ( 1831- 2011).
(2). ص (50) من كتاب باترك سيل الصراع على سوريا.
(3). ص (72 ) من كتاب باترك سيل الصراع على سوريا.
(4). ص ( 37) مقال عصام خفاجي في كتاب قضايا وشهادات – الحداثة-1-.
(5). "حريق القاهرة 26 يناير 1952 بدأت المأساة في الثانية من صباح ذلك اليوم بتمرد عمال الطيران في مطار ألماظة ( القاهرة ) ورفضوا تقديم الخدمات لأربع طائرات تابعة للخطوط الجوية الإنجليزية، تبعها تمرد بلوكات النظام ( البوليس) في ثكنات العباسية تضامناً مع زملائهم الذين تعرضوا للقتل والأسر في الإسماعلية. ثم زحف المتظاهرون تجاه الجامعة وانجرف معهم الطلبة، واتجهوا إلى مبنى رئيس الوزراء مطالبين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وإعلان الحرب عليها، فأجابهم عبد الفتاح حسن وزير الشئون الاجتماعية بأن الوفد يرغب في ذلك ولكن الملك يرفض، فقصد المتظاهرين قصر عابدين وانضم إليهم طلبة الأزهر وتجمعت حشود المتظاهرين الساخطين على الملك وأعوانه والإنجليز. وما أن انتصف اليوم حتى بدأت الشرارة الأولى للحريق من ميدان الأوبرا بإشعال النيران في فندق شبرد ونادي السيارات وبنك بركليز، وغيرها من المتاجر ومكاتب الشركات ودور السينما والفنادق والبنوك، وكان التركيز على الأماكن والملاهي الليلية التي ارتبطت بارتياد فاروق لها والمؤسسات ذات العلاقة بالمصالح البريطانية. وطالت الحرائق أيضاً أحياء الفجالة والظاهر والقلعة وميدان التحرير وميدان محطة مصر، وسادت الفوضى وأعمال السلب والنهب، حتى نزلت فرق الجيش إلى الشوارع قبيل الغروب، فعاد الهدوء إلى العاصمة واختفت عصابات السلب والنهب، وأعلنت الحكومة الأحكام العرفية، ولكن لم يتم القبض على أي شخص في هذا اليوم..." منقول عن موقع فاروق مصر.
(6). ص (79 ) من كتاب د. أنور عبد الملك المجتمع المصري والجيش.
(7). في مقدمة الطبعة الألمانية للبيان الشيوعي يقول إنجلز " الفكرة الجوهرية والقائدة للبيان، ألا وهي أن الإنتاج الاقتصادي والبنية الاجتماعية، المتفرعة عنه بالضرورة، يشكلان، في كل حقبة تاريخية، أساس التاريخ السياسي والفكري لهذه الحقبة، ولذا فإن التاريخ كله ( منذ انحلال الملكية المشاعية القديمة للأرض ) كان تاريخ الصراع بين الطبقات، كان، في مختلف مراحل التطور الاجتماعي، تاريخياً بين الطبقات المستغلة والطبقات المستغلة، بين الطبقات الحاكمة والطبقات المحكومة....هذه الفكرة الجوهرية تعود حصراً إلى ماركس، وإليه وحده "ص 28 .....وقد جاء في البيان الشيوعي " ...ليس تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا سوى تاريخ صراع الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي والبارون ( الإقطاعي والقن )، ومعلم الحرفة والصانع، وباختصار فالظالمون والمظلومون، المتعارضون دوماً، خاضوا صراعاً لا ينتهي، صريحا تارة ومستتراً تارة أخرى، صراعاً كان ينتهي دائما إما بتغيير المجتمع كله تغييراً ثورياً وإما بانهيار كلتا الطبقتين المتصارعتين. في العصور الأولى للتاريخ، نجد تقريباً في كل مكان تنظيماً كاملاً للمجتمع في طبقات متباينة، في مراتب مختلفة من الأوضاع الاجتماعية. ففي روما القديمة نجد النبلاء، فالفرسان، فالعامة فالعبيد. ونجد في العصور الوسطى الإقطاعيين الأسياد ثم الأتباع ثم معلمي الحرفة، ثم الصناع، ثم الأقنان،...بيد أن حقبتنا، حقبة البرجوازية، تميزت بجعلها التناحر الطبقي بسيطاً. ذلك أن المجتمع كله آخذ في الانقسام أكثر فأكثر إلى معسكرين كبيرين متعاديين، إلى طبقتين كبيرتين متناحرتين: البرجوازية والبروليتارية." ( ص 45 - 48 ) البيان الشيوعي النسخة التي ترجمها العفيف الأخضر).
(8). صحيح أن كارل ماركس قال في البيان الشيوعي أن الصراع الطبقي يكون " صريحاً تارة ومستتراً تارة أخرى " إلا أن كارل ماركس لم يعط الصراعات المستترة حقها وأثرها في مجريات التاريخ البشري.
(9). يقول الياس مرقص في كتابه الماركسية والشرق " في النموذج الأول (الغربي) صراع طبقات، صراع قوى وعلاقات إنتاج وأحزاب وبنى قومية مختلفة، صراع يسيّر عملية أفول ونشوء دائمة، فيها تموت المشاعة وينشأ مجتمع الرق، ويموت مجتمع الرق وينشأ المجتمع الإقطاعي، ويموت المجتمع الإقطاعي وينشأ المجتمع البرجوازي العصري وأممه ودوله القومية ...في النموذج الثاني (الشرقي) صراع طبقات وسلالات وقبائل وأمم وأديان ومذاهب في تشكلات مختلفة. حلول سلالات محل سلالات في الأمة الصينية ودولتها الإمبراطورية. تغيّر السلالات والقبائل والشعوب الحاكمة في الشرق الأدنى القديم والهند وفي الشرق والغرب الإسلامي، ظهور وتعاقب الأديان الكبرى البوذية والمسيحية والإسلام، وحركة تكون قومي للعرب والفرس والترك والفيتناميين وسواهم تختلف عن شبيهاتها الغربية " ص (410 – 411).
(10). ص ( 271 ) من كتاب مذكرات خالد العظم الجزء الثاني.
(11). إشارة هنا إلى كتاب حنّا بطاطو الذي أخذ عنوان " فلّاحو
سورية أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً "
ثامنا: ثنائيات الواقع وتصدعات الوطنية السورية الحديثة:
بالرغم من ان البرجوازية السورية أقامت دولة المواطنة، ورغم أنها وفرت وهيأت الشروط اللازمة لقيام المجتمع المدني (وإن يكن غير الناضج) ورغم أن قطاعات واسعة وكبيرة من المجتمع دخلت إلى ميادين وساحات المجتمع المدني ومنظماته ومؤسساته الحزبية والنقابية وغيرها, وبالرغم من الحقوق والمكتسبات التي نالها المجتمع المدني ولا سيما على صعيد الحريات السياسية والديمقراطية, ورغم أن الوحدة الوطنية قطعت أشواطاً على طريق ترسخها ولا سيما من خلال التواصل والاتصال الذي تكون وتوفر بين أبناء المجتمع من خلال مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني التي نهضت عشية الاستقلال الوطني, وعلى الرغم من أن مستوى الوحدة الوطنية الذي تحقق في تلك المرحلة هو أعلى مستوى عرفه المجتمع السوري في تاريخه الحديث, إلا أن الوحدة الوطنية ظلت تعاني من الضعف ولم تستطع أن تصل إلى مستوى الوحدة الراسخة المتينة التي لا يمكن الانقلاب عليها، وذلك يعود لأن الواقع في تلك المرحلة كان يعج بالإشكالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحيث أن هذه الإشكالات كانت تقف عثرة أمام تطوير الوحدة الوطنية إلى وحدة راسخة ومتينة وصلبة لا يمكن الرجوع عنها. وقد كانت أولى الثغرات التي وجدت في جسم الوطنية السورية الحديثة والتي أضعفت من قوتها ووحدتها كانت مسألة انقسام صفوف البرجوازية التقليدية السورية في تلك الفترة. فقد عرفت البرجوازية السورية انقساماً عمودياً طال كل جناح من أجنحتها التجارية والصناعية والعقارية...الخ, فالبرجوازية السورية لم تكن مقسومة إلى تيارات تجارية وصناعية وعقارية ...الخ فحسب فهذا انقسام طبيعي وتعرفه كل المجتمعات الرأسمالية, إن ما ميز انقسام البرجوازية السورية هو أنها كانت مقسومة داخل كل جناح من أجنحتها المختلفة لا نتيجة لموقعها داخل الهرم الطبقي أو نتيجة لانقسامها الأفقي إلى شرائح أكثر ثراءً من شرائح أخرى أقل ثراءً داخل كل جناح من أجنحتها وإنما الانقسام كان ناتجاً عن الاختلاف حول هوية الوطنية السورية، وتحديداً حول هوية وانتماء الدولة السورية، وهو اختلاف توافق مع توزعها الجغرافي أو انتمائها الجغرافي إن صح القول. أقصد بذلك الخلاف والتمايز الذي نشأ بين جناحي البرجوازية التقليدية السورية، بين جناحها الدمشقي وجناحها الحلبي، أو ما يمكن تسميته ثنائية برجوازية دمشقية وبرجوازية حلبية، فالبرجوازية التقليدية السورية لم ترتبط بدورة إنتاج رأسمالية موحدة أو لنقل بدورة الإنتاج الرأسمالي الداخلي (السوق الداخلية للإنتاج, التبادل, ومركزة رؤوس الأموال) فالعناصر الرأسمالية في كل إقليم أو مدينة رئيسية ونتيجة لغياب الرابط الداخلي للإنتاج الرأسمالي فإنها ارتبطت حسب موقعها الجغرافي، وحسب نشأتها وجذورها التاريخية بجهة خارجية إقليمية عربية أو إقليمية أو دولية داخل السوق والنظام الرأسمالي العالمي. فكانت العناصر البرجوازية في مدينة حلب مثلاً مختلفة ومتمايزة بارتباطاتها ومصالحها وأهدافها عن العناصر البرجوازية الدمشقية, فلكل منها كانت له ارتباطاته الخارجية التي كانت أقوى من روابطها الداخلية التي تجمعها، فالعلاقات السياسية بين دمشق وحلب اللتين كانتا تشكلان عاصمتين لولايتين في الإمبراطورية العثمانية " لم تكن قوية قبل عام 1918، وكانت كل من المدينتين تدار بشكل منفصل عن الأخرى في ظل الإمبراطورية، وعلى الرغم من أهمية الطريق التجاري الذي يربط بينهما، فإن حلب ودمشق كانتا تقعان على محاور تجارية مختلفة، وكانت أسواقهما الاقتصادية الأكثر أهمية توجد في اتجاهات متعاكسة..."(1). ولهذا انضوت بعد الاستقلال غالبية البرجوازية الحلبية سياسياً تحت راية "حزب الشعب الذي كان يمثل المصالح التجارية في حلب والمنطقة الشمالية... ولقد بدا تجار حلب والموصل وبغداد وصيارفتها وثيقي الصلة أحياناً كتجار دمشق وصيارفتها, فمدينة حلب كانت تسيطر لعدة أجيال على الطريق التجاري العظيم من أوروبا والأناضول إلى بلاد الرافدين وإيران والهند, حيث ازدهرت أثناء وحدة الإمبراطورية العثمانية, وكانت الحدود التي أقيمت بين 1920-1923 أكثر جوراً على حلب منها على دمشق, إذ أن سورية منطقة داخلية جد صغيرة بالنسبة لحلب, ولطالما حلمت بإمكانات جغرافية أخرى أكثر اتساعاً "(2). لقد كان يرى حزب الشعب الحلبي " في العراق منفذاً وفي الاتحاد معه خير ضمان للاستقرار والازدهار المقبلين, وحالما مال حزب الشعب نحو العراق ( ما كان يسمى المحور الهاشمي ) تعلق القوتلي والحزب الوطني (الدمشقي) بمصر والعربية السعودية...."(3). فكما أن البرجوازية العربية لم تتمكن من الاجتماع حول مشروع قومي موحد على الصعيد القومي العربي نتيجة لارتباطاتها الرأسمالية العربية المختلفة حيث كانت كل ساحة قطرية لها ارتباطاتها المختلفة بالمراكز الرأسمالية عن الساحة القطرية الأخرى، كذلك الأمر كان على الصعيد القطري، فإنها لم تتمكن من وضع مشروع وطني موحد ومتماسك نتيجة ارتباطاتها المختلفة بدول الجوار أو بين إقليم وآخر أو بين مدينة وأخرى, وقد تجلى هذا التفتت وغياب المشروع الوطني الموحد داخل الصف البرجوازي من خلال الأطر الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية التي انضوت داخلها الطبقة السائدة البرجوازية, فكان للعناصر البرجوازية في كل مدينة من المدن الرئيسية السورية مثلاً حزبها السياسي الخاص بها وتنظيماتها الاقتصادية والاجتماعية التي تميزها عن العناصر البرجوازية في مدينة أخرى ولا سيما المدن الرئيسية, وهذا الانقسام والتشرذم داخل الطبقة السائدة قاد إلى ضعف في العوامل الصاهرة للمجتمع على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إذ أن وحدة وتماسك أي مجتمع تأتي في النهاية من تماسك ووحدة الطبقة السائدة المالكة للثروة.
ثانياً: عدم القدرة على تحطيم وإزالة البنى الأهلية وثنائيات بنية التخلف الرأسمالي. إن عدم قدرة البرجوازية التقليدية السورية على القضاء الجذري على الإقطاع جاء نتيجة طبيعية ومنطقية للتآخي في الأصل الطبقي بين الطبقتين, وهذا التآخي كان السبب الأساسي في استمرار ووجود المجتمع الأهلي, ونعني به تلك الأطر والهياكل المجتمعية المميزة للنظام الاجتماعي الإقطاعي, من مثل الأطر العشائرية والعائلية والقبلية والمناطقية والدينية إلى جانب البنى و الأطر الحديثة البرجوازية وتحديداً أطر المجتمع المدني الناشئ. إن استمرار البنى والأطر القديمة هذه كان يحول ويمنع قسماً أو قطاعات من المجتمع المنضوية تحت لواء هذه الأطر من تجاوز الانتماءات الضيقة العائلية والعشائرية والقبلية أو المناطقية أو الدينية الطائفية لصالح اكتساب انتماءات أوسع وأكثر عمقاً, ونعني الانتماء الوطني الواسع والحقيقي الذي يكتسبه الفرد داخل مؤسسات وأطر المجتمع المدني والذي تتصف مؤسساته وأطره بشكل أساسي بالطابع العام والوطني وعلى كل الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. أي أن استمرار وجود المجتمع الأهلي إلى جانب المجتمع المدني كان يعيق من تمدد واتساع رقعة الانتماءات الوطنية داخل المجتمع, وإذا ما أضفنا إلى ثنائية تعايش المجتمع الأهلي- مع المجتمع المدني كل الثنائيات التي تكونت في بنية التخلف مع بداية سيادة البرجوازية التقليدية, ونعني الثنائيات التي لم تستطع البرجوازية التقليدية أن تجد حلاً سريعاً لها أو تجد مساراً للتطور يزيلها بسرعة, من مثل ثنائية بنى قديمة إقطاعية – بنى حديثة رأسمالية أو بنى مدنية متطورة – بنى ريفية متأخرة أو بنى مناطقية نامية – بنى مناطقية مهملة ومهمشة أو بنى قومية سائدة – بنى قومية مسودة أو بنى مجتمعية دينية نامية – بنى دينية مهملة ومهمشة...الخ, وإذا ما نظرنا إلى هذه الثنائيات فإننا نجد أن أخطر ما في هذه الثنائيات ليس التباين والاختلاف داخل المجتمع بين بنى اقتصادية قديمة و بنى اقتصادية حديثة أو بنى نامية ومتطورة و بنى مهملة ومهمشة وما تتركه هذه الثنائيات من آثار طبقية واجتماعية واقتصادية على حياة البشر وإنما الخطر يأتي من أن هذه الثنائيات تنتج معها ثنائيات فكرية وثقافية وحضارية داخل المجتمع، وحيث يتم انقسام المجتمع لا على صعيد الطبقات الاجتماعية فحسب بل يتم انقسامه على صعيد البنى الفكرية والثقافية والحضارية والروحية, أي ينتج ويتبع ذلك ثنائيات فكرية وثقافية متناقضة ومتنافرة ومتصارعة إلى حد تكون هويات عمودية مختلفة, وهذا كان يولد ضعفاً في الهوية الوطنية والانتماء الوطني أو لنقل يعيق انصهار العناصر المكونة للهوية الوطنية ويضعف من وحدة وتماسك المجتمع, فهذه الثنائيات كانت تقود إلى انقسام المجتمع عمودياً. حيث الحقد الطبقي هنا يتمفصل ويتراكب مع الحقد الطائفي أو القومي أو الديني أو المناطقي, كحقد أبناء الريف على أبناء المدينة أو حقد أبناء هذه المنطقة على تلك من المناطق أو بالحد الأدنى الحساسيات التي تنشأ بين أبناء المناطق المختلفة أو المحافظات المختلفة حيث نجد أبناء بعض المحافظات أو المناطق أو القوميات كيف ينظرون باستعلاء إلى أبناء بقية المحافظات والمناطق من المهمشين والمهملين. أن وقائع التاريخ العربي الحديث مليئة بهذه الحساسيات والأحقاد والصراعات الناتجة عنها. يكفي هنا للتدليل على ذلك الإشارة إلى أن الجهة التي قامت بافتعال حريق القاهرة استخدمت المهاجرين من الريف المصري إلى القاهرة كوسيلة وأداة في إحراق القاهرة بتاريخ 26 يناير 1952مستغلة إحساسهم بالغربة والحقد والقهر كما تم استغلالهم في الأربعينيات للقيام بنهب أحياء اليهود لتسهيل هجرتهم إلى إسرائيل(4). يتحدث د. أنور عبد الملك عن حريق القاهرة(5)، في كتابه المجتمع المصري والجيش. يقول : " عند الظهر كان حي الأعمال والمدينة الحديثة وسط القاهرة يحترقان ، وامتدت النيران في ساعات بعد الظهر الأولى. وأخذ المتظاهرون الذين تحولوا إلى متفرجين يراقبون هيجان الزمر الفاشية يحيط بها مئات من الرعاع العاطلين عن العمل، والمعذبون، وبروليتاريا القاهرة الرثة والمشوهة. كانوا يراقبون لأن العاصمة الرائعة لم تكن لهم، بل للأغنياء الذين كانت محلاتهم تحترق. لذلك تركوها تحترق "(6). كما سنجد فيما سيتقدم من هذا البحث أن أكثر من نظام عربي وصل إلى سدة السلطة عبر قوة العسكر، فإنه قام من أجل العصيان بسدة السلطة بنبش وإحياء كل الحساسيات والجروح التي لم يسمح لها بالاندمال أساساً نتيجة قطع مسار التطور الطبيعي للمجتمع والذي كان يشكل المسار الوحيد القادر على إلغاء كل الثنائيات القائمة وما ينتج عنها من حساسيات وجروح بشكل طبيعي، وحيث أن ذلك كان يحتاج إلى إفساح المجال التاريخي والزمني كي يأخذ هذا المسار كامل مداه. فهذا المسار عبر ديالكتيك التطور هو من ينتج هذه الثنائيات وهو من يلغيها أو يخفف من حدتها عبر إنتاجه للعناصر والمكونات الصاهرة وغلبتها على العناصر النابذة. أن قضية وجود ثنائيات في أي مجتمع من المجتمعات هي مسألة نجدها في مجتمعات المراكز والأطراف على حد سواء وإن اختلف نوع ومحتوى وحدّة هذه الثنائيات، كما يمكن القول أنها مسألة كانت ولا تزال ملازمة للرأسمالية في كل ساحات اشتغالها منذ أن صعدت الرأسمالية على مسرح التاريخ حتى يومنا هذا. إن القضية الأساسية التي تجعل من وجود وولادة هذه الثنائيات مهما كان نوعها ومحتواها في أحشاء مجتمع من المجتمعات تشكل مشكلة متفجرة وتقضي على وحدة وتماسك المجتمع وتفتت هويته ووحدته الوطنية، تكمن في عملية قطع مسار وصيرورة التطور الطبيعي لهذا المجتمع لمصلحة مسار استثنائي، فقطع صيرورة التطور يعني قطع العوامل والمكونات الصاهرة داخل المجتمع وقطع الحوامل المكونة للهوية الوطنية لمصلحة خلق المكونات الكاسرة والمحطمة لهذه الهوية. وهنا أقول إن التاريخ الحديث والقديم يعلمنا أن التأخر في حل هذه الثنائيات أو التأخر في الحد من حدة الاستقطاب حول طرفيها يشكل التربة المناسبة والملائمة لصعود المسارات الاستثنائية في الواقع، كما يزيد من احتمال حدوثها. فكل مدنية لا تستطيع أن تعمم ذاتها على محيطها تصبح عرضة للتدمير من قبل بيئة مهمشة أو هامشية تقع في محيطها القريب أو البعيد أو تقع أحياناً بداخلها وفي محيطها معاً.
إن صراع البيئات الفقيرة المهمشة والهامشية مع الحواضر المتمدنة التي تتركز وتتمركز فيها الثروة ومنجزات الحضارة هو صراع عرفته كل العصور القديمة والوسيطة والحديثة، وقد تعددت مساحات وساحة هذا النوع من الصراع حيث عرفته البشرية على مستوى ساحات محلية وإقليمية وعالمية. فقد عرف تاريخ بعض المجتمعات حتى وقت قريب صراع البدو مع الحضر، أقصد بذلك هجمات البدو على القرى والمدن وقيامهم بأعمال السلب والنهب لكل أنواع الثروة ووسائل العيش الموجودة في تلك الحواضر، كما عرفت أغلب المجتمعات العربية في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين صراعاً على السلطة بين أبناء الريف وأبناء المدن – وهو الصراع الذي سأفرد له مساحة كبيرة فيما سيتقدم من هذا البحث- كما عرفت العصور القديمة الصراع الذي دار داخل الإمبراطورية الرومانية بين البرابرة القادمين من شمال القارة الأوروبية مع روما عاصمة الإمبراطورية، وهو الأمر الذي أدى إلى سقوط روما وانهيار الإمبراطورية الرومانية في نهاية القرن الرابع الميلادي، كما عرف المجتمع العربي بدءاً من القرن السابع الميلادي خروج مجتمع شبه الجزيرة العربية الفقير بوسائل وموارد الحياة والعيش باتجاه الشمال حيث حواضر ومدن بلاد الشام الغنية بما فيها من موارد طبيعية وما فيها من منجزات الحضارة البيزنطية وقبلها الرومانية القديمة، كما توسعوا باتجاه الشرق حيث مدن وحواضر الحضارة الساسانية، ومن ثم التوسع في كل اتجاهات الأرض حتى وصلوا غرباً إلى جبال البيرينيه في أوروبا وإلى تخوم الصين شرقاً. كما عرف المجتمع العربي في القرن الثالث عشر الميلادي غزو قبائل المغول الهمجية الفقيرة القادمة من أقاصي شرق آسيا بقيادة هولاكو خان باتجاه الحواضر العربية في جنوب وغرب آسيا كبغداد ودمشق وحلب والقاهرة والقدس التي ازدهرت جميعها بالثروة وكل منجزات الحضارة في العصرين الأموي والعباسي.
إن عدم إعطاء هذه الصراعات أهميتها المطلوبة من قبل علم الاجتماع السياسي ترك ثغرة في هذا العلم كما أن استمرار ذلك الإهمال سيترك ثغرة في تفسير الكثير من أحداث التاريخ ولا سيما الرؤية التي تعمل على تفسير وتعليل مسار التاريخ كله. إن اقتصار اهتمام كارل ماركس على فكرة أن الصراع الطبقي هو المحرك الرئيسي للتاريخ رغم صحتها وأهميتها إلا أنها تبقى رؤية غير مكتملة إذا لم نضف إليها هذا النوع من الصراع، أقصد بذلك الصراع الذي يدور بين البيئات الفقيرة المهمشة أو الهامشية والبيئات المالكة للثروة. فالوقوف عند مقولة أن الصراع الطبقي هو محرك التاريخ دون أن نأخذ بعين الاعتبار هذا النوع من الصراعات يجعل ديالكتيك كارل ماركس يبدو وكأنه مجموعة من قوانين الفيزياء الصارمة والتي لا تعترف بأي استثناء يخرج عن القاعدة، ولأن التاريخ الواقعي لا يسير وفق هذه الصرامة الفيزيائية فإن ذلك يجعل الحتمية التاريخية الماركسية تبدو وكأنها مقولة ميتافيزيقية ما ورائية تشبه الكثير من المقولات اللاهوتية.
إن التاريخ من وجهة نظري محكوم بنوعين من الصراعات، فهناك الصراع الطبقي الصافي الصريح بين الطبقات الاجتماعية، وهو الأساس الذي اعتمده ماركس كمحرك للتاريخ(7). وحيث أن تركيز كارل ماركس على الصراع الطبقي الصافي الصريح - والبسيط في الحقبة البرجوازية كما سماه كارل ماركس - كان نوعاً من التجريد الواقعي الذي يلجأ إليه علماء الاجتماع كما في أي حقل من حقول العلم من أجل الوصول إلى القانون العام الأساسي الذي يشتق منه ويبنى عليه كل القوانين والحالات العيانيّة المحسوسة والملموسة. فبالإضافة إلى الصراع الطبقي الصريح الواضح عرف التاريخ نوعاً آخر من الصراع هو الصراع المعقد والمركب(8)، وهو الصراع الذي نجد أن حجري رحاه تتشكل من البيئات الفقيرة المهمشة( الريفية أو القبلية أو الطائفية أو القومية أو الدينية أو العرقية ...الخ) والبيئات الغنية المالكة للثروة والحضارة والمدنية ومنجزاتها. إن إدراك هذا النوع من الصراع وإعطائه الأهمية اللازمة والمطلوبة ضروري لا من أجل تفسير أحداث الماضي والحاضر فحسب بل من أجل ترقب وتوقع المزيد من هذه الصراعات في المستقبل. أقول في المستقبل ليقيني أن أغلب الصراعات في كل المجتمعات تنحى شيئاً فشيئاً وبشكل مطرد ومنذ عقود باتجاه هذا النوع من الصراعات المركبة والمعقدة التي يختلط فيها الطبقي مع الهوياتي ( الديني أو القومي أو العرقي ...الخ) وأبرز مثال على ذلك ما تشهده أغلب ساحات العالم من صراعات يختلط فيها صراع الهويات مع صراع الطبقات وحيث أن ذلك يطال لا ساحات الأطراف فحسب بل نجد أبلغ تجلياته في المراكز الأوروبية وحيث كانت آخر فصوله ما تشهده القارة الأوروبية منذ عقود من صراع بين أصحاب الهوية الإسلامية المهاجرين إلى تلك البلدان مع المتطرفين من أصحاب الهوية القومية من السكان الأصليين، وحيث ،ن الاستقطاب السياسي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لم تشذ عن هذا الصراع حيث نجد أن القوى التي وقفت بوجه الرئيس ترمب الذي مثل أحدث نسخة من عنجهية كبار مالكي الثروة العنصريين والذي استطاع أن يجر خلفه ملايين من الفقراء البيض المهمشين كانت خليطاً من الليبراليين والمهمشين اليساريين والفوضويين وأصحاب الهويات الملونة من ذوي الأصول العرقية اللاتينية والأفريقية والمسلمة ...الخ، وحيث أن أصحاب الهويات الملونة هم من رجح الكفة لصالح المرشح الديمقراطي جو بايدن، فأغلب المراقبين يرجحون انتقال بعض الولايات الأمريكية من ولائها للجمهوريين باتجاه الديمقراطيين يرجع للتغير الذي حصل في التركيبة الديمغرافية لهذه الولايات وهو الأمر الذي يثقل من دور صراع الهويات، وهو الدور الذي سيزداد باطراد من وجهة نظري في المستقبل في القارة الأوروبية كما في أمريكا، ولا سيما أن هذا النوع من الصراعات المركبة يلتقي مع نوعين من التغيرات تجري في عروق المجتمعات الرأسمالية المركزية، فهناك من جهة التغيرات المتزايدة باطراد منذ عقود في البنية الديمغرافية لهذه المجتمعات- وهي عملية ستقود في النهاية إلى ما يمكن تسميته بترييف القارة الأوروبية - والناتجة عن عجز وعدم إرادة القوى القائدة للنظام الرأسمالي إفساح المجال لمجتمعات الأطراف بالتطور واللحاق بالمدنية ومنجزات الحضارة البشرية الأمر الذي يدفع شعوب الأطراف لمواصلة الهجرة نحو المراكز الأوروبية بحثاً عن الأمان ووسائل الحياة، فتوسع المراكز الرأسمالية الأوروبية نحو الأطراف لم يجر " إلى تيار الحضارة أشد الأمم همجية " كما توقع كارل ماركس - وإن كان ذلك في البداية – فهذه المراكز عادت وأنتجت ودعمت وتواطأت مع أشد الهمجيات الحديثة المعادية للحضارة ولشعوبها. ومن جهة ثانية هناك التغيرات الحاصلة في بنية الطبقات الاجتماعية لهذه المجتمعات بطريقة معاكسة لمخطط الطبقات الاجتماعية الذي بناه كارل ماركس في القرن التاسع عشر بسبب التطورات التقنية والتكنولوجية المتلاحقة التي وفرت مزيداً من فوائض الإنتاج من جهة، ومزيداً من الوفرة في قوة العمل العضلي والذهني اللازمة للقيام بالإنتاج من جهة أخرى، فبعد أن كانت الرأسمالية تقوم من خلال عمليات الإنتاج بخلق أغلبية منتجة في المجتمع، هم العاملون عضلياً وذهنياً، مع أقلية من المهمشين كانت تعيش إلى جانبهم، أصبحت الأمور تسير ومنذ عقود باتجاه إنتاج أقلية من المنتجين الحقيقيين تعيش إلى جانبهم وعلى حسابهم أغلبية من المهمشين، والمقصود هنا بالمهمشين لا العاطلين عن العمل ومن بحكمهم فحسب بل المهمشين بحكم موقعهم غير المؤثر إن كان في عمليات الإنتاج أو في تأثيرهم على سير الحياة العامة أو حتى في قدرتهم على التأثير في تحديد اتجاه سير حياتهم الخاصة، ولا سيما أننا نتحدث عن زمن استطاعت فيه الرأسمالية تحطيم أكبر القلاع والحصون النقابية داخل المجتمعات الرأسمالية الأمر الذي ترك هذا الخليط من المهمشين من مختلف النوعيات والهويات يشكلون حالة سائلة إذا ما انزلقت في لحظة محددة باتجاه صراع مركب مع جهة مقابلة من نفس النوع ولكن مختلفة في الهوية، فمن المرجح أن تكون نتيجة هكذا نوع من الصراعات كارثة وخراباً محتمين على الحضارة البشرية برمتها، وحيث أن كل ذلك يحدث في شروط وجود يسار عالمي غبي لا أمل بصحوته، كما أن إرثه الثقيل والشنيع – لا سيما إرث النظم الشيوعية التي حكمت في القرن العشرين - لا يفسح المجال لولادة يسار عاقل، فاليسار العالمي بكل تياراته وفصائله يشبه في مقاربته لمشاكل ومسائل العصر المعقدة من يحاول حل أعقد مسائل الفيزياء المعاصرة من خلال قوانين الفيزياء الكلاسيكية زمن نيوتن. لقد اعتقد بعض المفكرين في السابق ومنهم الياس مرقص في كتابه " الماركسية والشرق " أن رؤية كارل ماركس للتاريخ تنطبق فقط على التاريخ الأوروبي، حيث أن الطابع الطبقي كان هو الغالب على أغلب الصراعات في المجتمعات الأوروبية، في حين أن المجتمعات الشرقية من وجهة نظر الياس مرقص لم تعرف في الغالب سوى صراع الهويات أو لنقل غلبة صراع الهويات على صراع الطبقات(9). والواقع أن كلاً من كارل ماركس والياس مرقص كانا مخطئين، فإذا كان صحيحاً أن التاريخ الأوروبي لم يعرف في الغالب سوى الصراعات الطبقية فلأن كارل ماركس أقفل التاريخ الأوروبي عند معطيات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي المعطيات ذاتها التي امتدت حتى النصف الأول من القرن العشرين، وحيث أن هذه الفترة الممتدة على مدار قرن من الزمن هي حالة خاصة لا يمكن تعميمها على تاريخ الصراعات التي عرفتها المجتمعات الأوروبية لا قبل هذا التاريخ ولا بعده. ولأن الياس مرقص بدوره لم ير ما فتحه التاريخ من صفحات بعد ذلك واكتفى بالسقف والصفحات التي رآها كارل ماركس من التاريخ، فصفحات التاريخ الأوروبي وبدءاً من الربع الأخير من القرن العشرين تشي بأن المجتمعات الأوروبية ستشهد بدورها الصراعات المركبة، وحيث أن الطابع الهوياتي سيكون هو الغالب في هذه الصراعات شيئاً فشيئاً، وأن هذه الصراعات هي من سيحدد مستقبل القارة الأوروبية ومعها مستقبل البشرية لأمد طويل، الأمر الذي يعني بأنه إذا أخذنا التاريخ بكليته ومن دون أن نضع له سقفاً محدداً أو لنقل إذا لم نضع له سقفاً بما نعاصره ونتوقعه من معطيات فإن التاريخ العالمي كما أعتقد سيكون هو تاريخ واحد وحيث أن المجتمعات الغربية ستشرب في النهاية من نفس كأس الصراعات الذي شربت منه المجتمعات الشرقية، وإذا كان هناك من فارق فإنه سيكون فقط في الفارق في النصف الأول من الكأس. وهنا علينا أن نضيف إلى مقولة كارل ماركس " بأن الرأسمالية ستخلق عالماً على صورتها " بالقول إن تاريخ البشرية سيكون على صورة واحدة في النهاية، فالتاريخ هنا يشبه أية لعبة فيها احتمالين، فكلما زادت صفحات التاريخ يقترب تساوي الاحتمالين.
إن أهم ما يميز هذا النوع من الصراعات المركبة:
أولاً: اختلاط ما هو أفقي وطبقي مع ما هو عمودي وهوياتي ( ريفي أو قبلي أو طائفي أو قومي أو عرقي وإثني أو ديني ...الخ )، فنتيجة هذا التراكب نجد أن ما هو طبقي يخفي تحت جلده في بعض اللحظات ما هو هوياتي وفي لحظات أخرى نجد العكس، أي أن ما يبدو أنه هوياتي يخفي تحت جلده صراعاً طبقياً محبوساً ومزمناً.
ثانياً: يسهل على الطبقات المالكة للثروة أو أصحاب المشاريع السياسية أحياناً تحويل ما هو طبقي في هذا الصراع إلى ما هو هوياتي أو وضع ما هو هوياتي في خدمة ما هو طبقي والعكس صحيح.
ثالثاً: إن الخلط وعدم التمييز بين ما هو طبقي عما هو هوياتي في حالة الصراعات المركبة أنتج نوعاً من اليسار الغبي نجده في مجتمعات الأطراف والمراكز على حد سواء، فهذا اليسار الغبي يندفع بحجة خدمته لقضيته الطبقية والسياسية للعمل لمصلحة القوى الهوياتية التي تحركها بالغالب قوى معادية أصلاً لليسار وقضيته الطبقية، من هنا تأتي أهمية الانتباه إلى هذا النوع من الصراعات المركبة، ومن هنا تأتي أهمية الفرز والانتباه والتمييز في كل لحظة وحالة بين ما هو طبقي من الصراع عما هو صراع هوياتي الذي يكون في كل الأحوال صراعاً مدمراً لا يخدم القوى الصاعدة في التاريخ.
رابعاً : إن اختلاط الطبقي مع الهوياتي في حالة الصراعات المركبة هو ما يفسر وجود اتجاهين متطرفين في تفسير الكثير من حوادث التاريخ القديم والحديث والمعاصر حيث نجد طرفاً لا يرى في بعض الحوادث التاريخية سوى كونها صراع هويات صافية ( طائفية أو غيرها ) وطرف آخر مقابل لا يرى عندما يفسر نفس الحدث سوى كونه صراعاً طبقياً صافياً، فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك من لم ير في الصراع الذي دار في سوريا حول السلطة في ستينيات القرن الماضي سوى وجهه الطائفي، إلى حد اعتبار أن كل انقلاب البعث في 8 آذار 1963 لم يكن سوى مجرد محض مؤامرة ثلاثة من الضباط العلويين أو بأحسن الأحوال مؤامرة مجموعة من الضباط المنتمين لبعض الأقليات الطائفية في سوريا تحت مسمى لجنتهم العسكرية التي تشكلت في القاهرة زمن الوحدة مع مصر، ولهذا نجد أن هذا المنطق يضع محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد في نفس الخانة ويلبسهم الثوب الطائفي ذاته ولا يرى فيهم غير هذا الثوب والقالب، كما يرفض أن يميز هذا عن ذاك لا سياسياً ولا إيديولوجياً ولا بأي شكل من الأشكال. في المقابل نجد طرفاً آخر عندما يتناول نفس المرحلة ونفس الصراع فإنه لا يرى غير ما هو طبقي وإيديولوجي في الصراع دون أن يلمس ما هو هوياتي أو طائفي في عملية الاستقطاب السياسي والأدوات المستخدمة في خوض هذا الصراع، ولهذا وذاك أقول هنا باختصار أن حقيقة ما حصل في تلك المرحلة تقع بين هذا وذاك.
خامساً: إن أهم ما يميز الصراع الطبقي الصافي عن الصراعات المركبة هو في كون الصراعات الطبقية دائماً تفتح صيرورات ثورية في التاريخ وهي الأساس الذي تنتقل عبره البشرية من نظام اجتماعي إلى نظام اجتماعي آخر أرقى، في حين نجد أن الصراعات المركبة تفتح في بعض الحالات موضوعياً صيرورات ثورية للتطور ولكن في أغلب الحالات ولا سيما في الحالات التي يتجه فيها الصراع نحو صراع الهويات فأن الصراع في الغالب يكون مدمراً ولا يفضي إلى واقع جديد وأرقى من الواقع القديم .
سادساً : في كل الحالات يمكن القول أن الصراعات المركبة تنفجر في الغالب وتصبح هي السائدة كأحد دورات التاريخ التي تحدث عندما تكون القوة القائدة لدفة التطور قد تلكأت في خطوات المسير أو في الحالات التي تعجز فيه عن متابعة المسير.
ثالثاُ: نشوء نزعة تخوين واستئصال البرجوازية التقليدية والنخب السياسية المدنية والمدينية:
إن عدم القضاء على الإقطاع (علاقات إنتاج واستغلال و بنى ...الخ) ترك ثغرة في جدار الوطنية السورية التي نتجت عن الانتقال إلى النظام الاجتماعي البرجوازي الجديد، وجعل هذه الوطنية غير مكتملة كونها لم تكتمل بعنصر ومركب التآخي الطبقي بين البرجوازية وبقية طبقات المجتمع، والذي يحدث عادة في سياق الانتقال إلى النظام الديمقراطي البرجوازي على أنقاض المجتمع الإقطاعي القديم. ففي سياق النضال الوطني ضد المستعمر الغربي عرف المجتمع السوري وللحظات تاريخية نوعاً من الوطنية والتآخي الوطني وحتى الطبقي المؤقت, حيث كانت كل الطبقات الاجتماعية تقف في صف واحد والخندق ذاته في معركة التحرير الوطني, وهذه الوطنية لو اكتملت بالوطنية التي تولد في سياق الانتقال إلى نظام اجتماعي جديد، أي لو استطاعت البرجوازية السورية بعد الاستقلال خوض نضال حاسم وجذري ضد الإقطاع في سياق تكوين نظامها الاجتماعي البرجوازي لولدت وطنية وتآخياً لا يمكن أن يتكرر مرات كثيرة في تاريخ المجتمعات البشرية, والوطنية والتآخي هذا ينتج عن اصطفاف غالبية الطبقات الاجتماعية في الثورة الديمقراطية البرجوازية ضد طبقة الإقطاع، فشعار التآخي الذي ترفعه الثورة الديمقراطية يشكل أساس الوطنية التي تنتج عشية الانتقال إلى النظام البرجوازي الجديد. ولأن البرجوازية التقليدية السورية لم يكن لها أن تخوض هذا النضال الحاسم والجذري بوجه الإقطاع نتيجة لأصلها ومنشئها الإقطاعي فإن المجتمع السوري حرم من هذه الوطنية والتآخي بين أبنائه, وبقيت الهوة الطبقية والسياسية والأخلاقية والنفسية سحيقة تفرق أبناءه وتأكل من لحم وحدته ولحمته الوطنية, فالبرجوازية التقليدية السورية وبدل أن تتآخى مع كل أفراد المجتمع فإنها حافظت على تآخيها مع الإقطاع تاركة بقية وغالبية المجتمع من عمال وفلاحين وبرجوازية صغيرة في أحضان الفقر والجهل الإقطاعي. إن البرجوازية التقليدية السورية قدمت مع سيادتها الكثير من المكتسبات السياسية للمجتمع عبر تحريرها للمجال السياسي في البنية الاجتماعية إلا أنها لم تستطع أن تقدم أي مكتسب في المجال الاقتصادي حيث تبدو كأنها طبقة تحررية, أي طبقة حررت المجتمع من براثن الظلم والاضطهاد الإقطاعي, وبالتالي طبقة تشكل محوراً يلتف حوله غالبية طبقات وشرائح المجتمع المختلفة في سياق نضالها للتحرر من كل أشكال الاستغلال والاضطهاد الإقطاعي. ولو استطاعت البرجوازية التقليدية أن تشكل هذا المحور القيادي لولدت وطنية كانت ضرورية لجهة توطيد وترسيخ الروح واللحمة الوطنية داخل المجتمع السوري, ولكانت قطعت الطريق أمام صعود قوى الاستبداد الحاقدة طبقياً وسياسياً واجتماعياً ونفسياً وحضارياً وحتى دينياً وطائفياً في بعض الحالات, التي استغلت عجز البرجوازية التقليدية عن تقديم أي مكسب للمجتمع على الصعيد الاقتصادي كرافعة وذريعة لانقضاضها على السلطة واحتلالها الدولة والمجتمع. لقد ولد عجز البرجوازية التقليدية السورية عن تحرير المجتمع من الإقطاع إلى نشوء نزعة تخوين واستئصال البرجوازية من الواقع، وحيث المقصود لا استئصال البرجوازية كطبقة اجتماعية فحسب بل استئصال نخبها الثقافية والسياسية، وهي النزعة التي تمادت لتتحول إلى نزعة ما يمكن تسميتها نزعة عداء أبناء الريف لأبناء المدينة. إن نزعة استئصال البرجوازية السورية مع نخبها ومحيطها وبيئتها في تلك الفترة من التاريخ السوري لم تكن نزعة يسارية شيوعية كما يعتقد البعض، فالحزب الشيوعي السوري ومن خلفه الاتحاد السوفييتي لم يكن في استراتيجيتهم في تلك الفترة استئصال البرجوازية السورية من الواقع السوري، فقد كانت علاقة الحزب الشيوعي ومن خلفه الاتحاد السوفييتي مع البرجوازية السورية في أحسن حالاتها، فالحزب الشيوعي السوري ومعه السوفييت كانوا يرون في تلك الفترة بأن طبيعة المهام المطروحة على جدول أعمال التاريخ في سوريا هي استكمال مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية وبما يعني بأن البرجوازية لم تستنفذ كل دورها التاريخي وأن هناك دوراً ايجابياً يمكن أن تلعبه البرجوازية الوطنية السورية في الواقع السوري، ففي خمسينيات القرن الماضي كان السوفييت حريصين على ألا يرفع أي من الأحزاب الشيوعية في المنطقة أي شعار ممكن أن يستفز ويخيف البرجوازية على حد تعبيرهم، حتى ولو كان الشيوعيون قادرين على الوصول إلى السلطة، كما كان حال الحزب الشيوعي العراقي عام 1959، وكلنا يعرف علاقة التعاون المميزة بين الحكومات التي كان يشكلها العظم مع الدولة السوفييتية. إن نزعة استئصال البرجوازية التقليدية من الواقع السوري لم تكن نزوعاً طبقياً صافياً وصرفاً كما يتصور البعض، لقد ولدت هذه النزعة باعتقادي من عقلية البرجوازية الصغيرة ذات الأصول الفلاحية الريفية التي كانت تتغذى بعدد من العوامل والشروط الموضوعية التي كانت أساساً لولادة هذه العقلية، ومن أهم هذه الشروط نجد:
أولاً: أن المدينة البرجوازية كانت مركزاً للثروة وكل منجزات الحضارة وأضوائها التي حرم منها الريف السوري تاريخياً.
وثانياً: إن المدينة كذلك كانت مكاناً تقيم فيه طبقة الإقطاع التي تسيطر على الريف وتذيقه كل أنواع الاضطهاد والعذابات المعروفة. فمن أهم صفات الإقطاع العربي عموماً والسوري خصوصاً، هو في كونه لم يقم في الأرياف حيث كانت إقطاعيته كما كان حال الإقطاع الأوروبي، فمن أصل ما يقارب الثلاثة آلاف من الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي في سوريا لم يكن يتجاوز عدد الإقطاعيين وكبار مالكي الأراضي المقيمين في الأرياف السورية أكثر من المئة. وإذا كانت المدينة في الواقع الأوروبي شكلت رمزاً لتحرير الريف من الإقطاع، فإن الإقطاع السوري ومعه المدينة السورية شكلت رمزاً لكل ما هو سلبي في عقل أبناء الريف والبرجوازية الصغيرة الريفية الضيقة الأفق. لهذا نشأت في الواقع السياسي والثقافي السوري ظاهرة لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا هي ظاهرة اليسار الفلاحي داخل كل الأحزاب السياسية السورية، وهي الظاهرة التي أضيف إليها في بعض البيئات النكهة الطائفية، فكانت ظاهرة اليسار الريفي الطائفي،- كما نجد هذه الأيام وعلى نفس الأرضية ظهور ظاهرة العلمانية الطائفية أو الإلحادية الطائفية على حد تعبير محمد سيد رصاص - وحيث أن الإيديولوجيا القومية والشيوعية كانت تشكل غطاءً وستارةً تخفي هذا النوع من اليسار الريفي أو الريفي الطائفي، فقد كانت الإيديولوجيا تشكل الأنا العليا التي تغطي وتلجم ظهور ما هو مخبأ إلى السطح, أي يمكن القول أننا أصبحنا أمام عقل ظاهري تديره وتسيطر عليه الإيديولوجيا وعقل باطني تديره وتسيطر عليه من الداخل شروط الواقع الريفي المعاش مضافاً إليه إرثاً تاريخياً موروثاً لم تستطع الإيديولوجيا الحديثة اقتلاعه من جذوره العميقة كون ذلك كان يحتاج إلى نقلة نوعية في الواقع لا في الفكر فقط. وفي هذه الشروط نشأت كذلك في أوساط البرجوازية الصغيرة الريفية وبشكل أكثر انتشاراً واتساعاً في أوساط المؤسسة العسكرية السورية فكرة استئصال البرجوازية السورية التقليدية لا بدافع وهدف الوصول إلى مجتمع العدالة الاجتماعية بل بهدف وضع اليد على ثروة البرجوازية والاستحواذ على كل ما كانت تملكه البرجوازية من مال وجاه وسلطة، وقد تراكب ذلك الطموح في بعض البيئات مع نكهة طائفية مع ما تحمل هذه النكهة من حساسيات وإرث من الثارات الطائفية...الخ وحيث ألبست كل تلك الطموحات ثوباً إيديولوجياً محدداً ووعاءً حزبياً وعسكرياً يشكل وسيلة وسلماً يتم الصعود على درجاته. لكل هذا لم يشفع للبرجوازية السورية التقليدية أنها شكلت قبل وبعد الاستقلال الوطني الحضن الدافئ لأبناء الريف بكل مشاربهم المناطقية والطائفية والأقوامية, حيث فتحت لهم الأبواب لدخول المدن والحياة العامة من أوسع الأبواب, وأعني الدخول إلى مؤسسات وأجهزة الدولة السياسية والاقتصادية والعسكرية, حيث تم بناء الجيوش العربية من أبناء الريف دون تمييز بين زيد وعمر. ولكن أبناء الريف لم يردوا الجميل بالجميل بل ردوا الجميل بالقبيح, فهؤلاء عندما سيملكون سيف الدولة سيقطعون به أول ما يقطعون اليد التي امتدت لمساعدتهم للدخول إلى الحياة العامة وإلى مؤسسة الجيش, أي سيقطعون اليد التي سلمتهم هذا السيف. إن طموح الضباط بالوصول للسلطة والتمتع بامتيازاتها وما تجلبه من ثروة وجاه لم يكن مقتصراً على الضباط المنتمين لهذه الطائفة أو تلك - كما يحب البعض أن يضع مظلوميته الطائفية بالجرن ويستمتع بالدق عليها – كما لم يقتصر على المنتمين لهذا الحزب أو ذاك، كما أن هذه الظاهرة داخل الجيش السوري لم تكن ظاهرة خاصة عرفها الجيش السوري بخلاف بقية الجيوش العربية في تلك المرحلة، لقد كانت ظاهرة عامة شملت كل الذين لا يستطيعون الوصول إلى الثروة والجاه إلا من خلال السلطة، يقول خالد العظم في الجزء الثاني من مذكراته قولاً يختصر من يدقق فيه الكثير مما جاء من أفكار في هذا المقال، يقول: " لقد سيطر الجيش على مقدرات البلاد منذ انقلاب 30 آذار 1949، بحيث تسلطت على الحكم طبقة من الشباب لم يجدوا سبيلاً للحصول على الشهادات المدرسية العادية فولوا وجوههم شطر المدرسة العسكرية بحمص. وهي التي ما كانت تطلب من الطلاب أكثر من الدوام سنتين، وتسهل لهم الحصول على شهادتها، فيتخرج الضابط منها بنجمة واحدة يعتقد أنها كوكب ذري. فيسير على الأرض الخيلاء وينظر إلى المجتمع نظرة العدو الحسود، وإلى المدنيين نظرة الاستعلاء. فهم كلهم، في نظره، خونة وعملاء وإقطاعيون. وقد أثر في تكوينهم هذا ما نفخوا فيه من روح الحقد والغيرة والثورة على الحياة الاجتماعية السائدة، خصوصاً وهم كانوا يتحدرون في الأصل من أوساط لم تسعفها الظروف ببسطة في العيش.". وقد كان الضباط ذوي الأصول الفقيرة وخاصة أبناء الريف هم أكثر من سيطرت عليهم شهوة الوصول للسلطة، فقد بدأت ظاهرة تدخل وشهوة استيلاء الجيش على السلطة كشهوة عامة استثمرتها في البداية القوى الإقليمية والدولية في إحداث الموجة الأولى من الانقلابات التي أعقبت الاستقلال، ثم تبع ذلك استثمار هذه الشهوة من قبل الأحزاب السياسية القومية وخاصة ممن انخرط في هذه الأحزاب من أبناء الريف داخل الجيش، وعلى حد قول حنّا بطاطو استثمرها أبناء الريف أو أبناء فلّاحي سوريا الأقل شأناً( 11)، ومن ثم تم تجيير كل ذلك لمصلحة جنرال مستبد وشهواني للسلطة، استطاع بناء نظام عائلي حاكم يستند إلى عصبية طائفية كما الحالة السورية والعراقية أو عصبية قبلية كما الحالة الليبية واليمنية أو حالة جهوية مناطقية أو قومية أو عرقية في حالات أخرى عربية. ............................................................................................
المصادر:
(1). ص (71 ) من كتاب نشوان الأتاسي تطور المجتمع السوري ( 1831- 2011).
(2). ص (50) من كتاب باترك سيل الصراع على سوريا.
(3). ص (72 ) من كتاب باترك سيل الصراع على سوريا.
(4). ص ( 37) مقال عصام خفاجي في كتاب قضايا وشهادات – الحداثة-1-.
(5). "حريق القاهرة 26 يناير 1952 بدأت المأساة في الثانية من صباح ذلك اليوم بتمرد عمال الطيران في مطار ألماظة ( القاهرة ) ورفضوا تقديم الخدمات لأربع طائرات تابعة للخطوط الجوية الإنجليزية، تبعها تمرد بلوكات النظام ( البوليس) في ثكنات العباسية تضامناً مع زملائهم الذين تعرضوا للقتل والأسر في الإسماعلية. ثم زحف المتظاهرون تجاه الجامعة وانجرف معهم الطلبة، واتجهوا إلى مبنى رئيس الوزراء مطالبين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وإعلان الحرب عليها، فأجابهم عبد الفتاح حسن وزير الشئون الاجتماعية بأن الوفد يرغب في ذلك ولكن الملك يرفض، فقصد المتظاهرين قصر عابدين وانضم إليهم طلبة الأزهر وتجمعت حشود المتظاهرين الساخطين على الملك وأعوانه والإنجليز. وما أن انتصف اليوم حتى بدأت الشرارة الأولى للحريق من ميدان الأوبرا بإشعال النيران في فندق شبرد ونادي السيارات وبنك بركليز، وغيرها من المتاجر ومكاتب الشركات ودور السينما والفنادق والبنوك، وكان التركيز على الأماكن والملاهي الليلية التي ارتبطت بارتياد فاروق لها والمؤسسات ذات العلاقة بالمصالح البريطانية. وطالت الحرائق أيضاً أحياء الفجالة والظاهر والقلعة وميدان التحرير وميدان محطة مصر، وسادت الفوضى وأعمال السلب والنهب، حتى نزلت فرق الجيش إلى الشوارع قبيل الغروب، فعاد الهدوء إلى العاصمة واختفت عصابات السلب والنهب، وأعلنت الحكومة الأحكام العرفية، ولكن لم يتم القبض على أي شخص في هذا اليوم..." منقول عن موقع فاروق مصر.
(6). ص (79 ) من كتاب د. أنور عبد الملك المجتمع المصري والجيش.
(7). في مقدمة الطبعة الألمانية للبيان الشيوعي يقول إنجلز " الفكرة الجوهرية والقائدة للبيان، ألا وهي أن الإنتاج الاقتصادي والبنية الاجتماعية، المتفرعة عنه بالضرورة، يشكلان، في كل حقبة تاريخية، أساس التاريخ السياسي والفكري لهذه الحقبة، ولذا فإن التاريخ كله ( منذ انحلال الملكية المشاعية القديمة للأرض ) كان تاريخ الصراع بين الطبقات، كان، في مختلف مراحل التطور الاجتماعي، تاريخياً بين الطبقات المستغلة والطبقات المستغلة، بين الطبقات الحاكمة والطبقات المحكومة....هذه الفكرة الجوهرية تعود حصراً إلى ماركس، وإليه وحده "ص 28 .....وقد جاء في البيان الشيوعي " ...ليس تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا سوى تاريخ صراع الطبقات. فالحر والعبد، والنبيل والعامي والبارون ( الإقطاعي والقن )، ومعلم الحرفة والصانع، وباختصار فالظالمون والمظلومون، المتعارضون دوماً، خاضوا صراعاً لا ينتهي، صريحا تارة ومستتراً تارة أخرى، صراعاً كان ينتهي دائما إما بتغيير المجتمع كله تغييراً ثورياً وإما بانهيار كلتا الطبقتين المتصارعتين. في العصور الأولى للتاريخ، نجد تقريباً في كل مكان تنظيماً كاملاً للمجتمع في طبقات متباينة، في مراتب مختلفة من الأوضاع الاجتماعية. ففي روما القديمة نجد النبلاء، فالفرسان، فالعامة فالعبيد. ونجد في العصور الوسطى الإقطاعيين الأسياد ثم الأتباع ثم معلمي الحرفة، ثم الصناع، ثم الأقنان،...بيد أن حقبتنا، حقبة البرجوازية، تميزت بجعلها التناحر الطبقي بسيطاً. ذلك أن المجتمع كله آخذ في الانقسام أكثر فأكثر إلى معسكرين كبيرين متعاديين، إلى طبقتين كبيرتين متناحرتين: البرجوازية والبروليتارية." ( ص 45 - 48 ) البيان الشيوعي النسخة التي ترجمها العفيف الأخضر).
(8). صحيح أن كارل ماركس قال في البيان الشيوعي أن الصراع الطبقي يكون " صريحاً تارة ومستتراً تارة أخرى " إلا أن كارل ماركس لم يعط الصراعات المستترة حقها وأثرها في مجريات التاريخ البشري.
(9). يقول الياس مرقص في كتابه الماركسية والشرق " في النموذج الأول (الغربي) صراع طبقات، صراع قوى وعلاقات إنتاج وأحزاب وبنى قومية مختلفة، صراع يسيّر عملية أفول ونشوء دائمة، فيها تموت المشاعة وينشأ مجتمع الرق، ويموت مجتمع الرق وينشأ المجتمع الإقطاعي، ويموت المجتمع الإقطاعي وينشأ المجتمع البرجوازي العصري وأممه ودوله القومية ...في النموذج الثاني (الشرقي) صراع طبقات وسلالات وقبائل وأمم وأديان ومذاهب في تشكلات مختلفة. حلول سلالات محل سلالات في الأمة الصينية ودولتها الإمبراطورية. تغيّر السلالات والقبائل والشعوب الحاكمة في الشرق الأدنى القديم والهند وفي الشرق والغرب الإسلامي، ظهور وتعاقب الأديان الكبرى البوذية والمسيحية والإسلام، وحركة تكون قومي للعرب والفرس والترك والفيتناميين وسواهم تختلف عن شبيهاتها الغربية " ص (410 – 411).
(10). ص ( 271 ) من كتاب مذكرات خالد العظم الجزء الثاني.
(11). إشارة هنا إلى كتاب حنّا بطاطو الذي أخذ عنوان " فلّاحو
سورية أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً "



