الاستبداد المعمم في سوريا مقدماته ومراحله -2-

لومـــــوند : نبيل ملحم 
ثانياً: أسباب تأخر ولادة الرأسمالية في الواقع العربي
تسنم العرب المسلمون ذروة الحضارة الإنسانية في القرون الوسطى, وتحديداً في مرحلتي ازدهار كل من الدولة الأموية والعباسية, ففي الزمن الذي كانت تغط فيه الشعوب الأوروبية في ظلمات القرون الوسطى وصلت الدولة في العصر العباسي إلى ذروة الحضارة البشرية، يقول عالم الاجتماع بيري أندرسون " تصدرت الدولة العباسية ذروة ازدهار التجارة والصناعة والعلم في العهد الإسلامي وبلغت قمة مجدها في أوائل القرن التاسع حيث أصبحت أغنى وأرقى حضارة في العالم. واكتنز التجار والصيارفة والصناعيون والمضاربون والمزارعون ثروات طائلة في المدن الكبرى، وتعددت الصناعات الحضرية وظهر قطاع تجاري في الزراعة، وراحت سفن المسافات البعيدة تجوب أرجاء المحيطات، وانتقل علم الفلك والفيزياء والرياضيات من الثقافة الإغريقية إلى العربية " ( كتاب بنية الدولة الشرقية ص 74 غسان أبراهيم وعلي شاش ). وها هم العرب الآن وبعد حوالي 14 قرناً من الزمن ومن الحركة الدائرية التكرارية اللاتطورية نجدهم بإسلامهم السياسي السني والشيعي، وفي ظل نظم دولة الاستبداد المعمم القديمة والحديثة، والقائمة على عصبيات قبلية أو طائفية أو قومية في أسفل الدرك الحضاري وعند أقدام الحضارة البشرية المعاصرة. فقد سبقتهم شعوب أوروبا التي كانت حينها, أي عندما كان العرب في ذروة الحضارة يغطون في غياهب ظلمات القرون الوسطى التي امتدت من القرن الخامس الميلادي تاريخ سقوط روما وانهيار وتفكك الامبراطورية الرومانية ( 476 م ) وصولاً إلى بداية القرن الخامس عشر. كما سبقتهم شعوب أمريكا اللاتينية التي كانت حينها خارج أسوار الحضارة البشرية. كما سبقتهم شعوب أفريقيا السمراء التي بنى الأوربيون على أكتافهم أمريكا الشمالية. كما سبقتهم شعوب الصين واليابان والهند والسند وكل من دب على وجه هذه المعمورة.
والسؤال الذي يطرح نفسه والذي شغل بال مفكري عصر النهضة العربية بجيلهم الأول الليبرالي والثاني القومي. هو لماذا وكيف حدث هذا ؟؟؟ وبالرغم من كوني سأجيب مستقبلاً عن هذا السؤال من خلال سلسلة طويلة من المقالات فيما أعتبره مساهمة متواضعة مني في علم الاجتماع السياسي تتمحور حول موضوع الدولة والسلطة والسياسة إلا أني أقول الآن بتكثيف شديد أن الجواب عن كيف حدث هذا ؟؟؟ يكمن باعتقادي في الشكل التاريخي لوجود الدولة الذي عرفه الواقع العربي في العصر الوسيط ثم الحديث- وحيث يستثنى من ذلك الشكل التاريخي لوجود الدولة الذي عرفته بعض الشعوب العربية لفترة قصيرة من تاريخها في المرحلة التي تلت الاستقلال عن الاستعمار الغربي الأوروبي- أي يكمن في الشكل التاريخي الذي قامت عليه الدولة بوصفها دولة الاستبداد المعمم، حيث الدولة تقوم على القهر الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي في آن معاً, وهي الدولة التي تقوم على امتلاك واحتلال واحتكار المجالات الثلاثة الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي المشكلة للبناء الاجتماعي الكلي للمجتمع، وهو الأمر الذي قاد إلى استبطان نمط الإنتاج والطبقات الاجتماعية وكل الوجود الاجتماعي بما في ذلك الوجود الفكري والثقافي في أحشاء الدولة، وهو الأمر الذي أدى إلى إحداث عقم في رحم التاريخ العربي أو لنقل لجم قوانين ديالكتيك التطور، وحيث أن كل ذلك عبر عن نفسه في شلل وركود في مسار التطور التاريخي للمجتمعات العربية بشكل خاص والشرقية بشكل عام دام لقرون وقرون من الزمن، وهو ما أطلق عليه كارل ماركس بظاهرة ركود الشرق. فمنذ أن عرف المجتمع العربي في العصر الوسيط ثم الحديث الدولة بوصفها دولة استبداد معمم ومنذ أن أصبحت الطبقات الاجتماعية تولد وتتوالد في أحشاء الدولة بوصفها طبقات دولة, حيث نجد الطبقة العليا للدولة - الإقطاعية أو البرجوازية - وهي الطبقة السائدة المالكة للثروة والسلطة, والطبقة السفلى للدولة وهي الطبقة المسودة – من فلاحي الدولة أو من موظفيها - والتي لا تمتلك سوى قوة جهدها, نجد أن الإطار التاريخي لوحدة المجتمع وصراعه لا يشكله نمط الإنتاج إن كان إقطاعيا أو رأسمالياً، وإنما الدولة هي من تشكل الإطار التاريخي لوحدة وصراع المجتمع، ولهذا نجد أن الصراع كان يدور قديماً كما حديثاً داخل الدولة ومن أجل الدولة, أي أن الصراع لا يكون بين طبقات تحمل نمط إنتاج قديم مع طبقات تحمل نمط إنتاج جديد، أو لنقل أن الصراع لا يكون بالضرورة بين قوى طبقية مالكة للثروة وقوى طبقية لا تملك الثروة, ففي ظل نوع كهذا من وجود الدولة القائمة على العصبيات حيث يمارس الاضطهاد على أسس طبقية وأخرى غير طبقية وهو ما دفع مفكرين من أمثال كارل ماركس والمؤرخ الفرنسي ألكسيس دو توكفيل إلى القول بأن هناك " عبودية معممة ". إن ممارسة سلطة الدولة للاضطهاد العابر للطبقات يقود إلى إصابة ووقوع المجتمع في نوعين من التشققات، فنجد الانقسام الأفقي، والانقسام العمودي في آن معاً، وهو الأمر الذي يجعل الصراعات في كثير من الأحيان إن لم نقل في أغلبها تحتدم بين طبقة حاكمة تستند إلى عصبية وهم الذين يستأثرون بالدولة ومغانمها المادية والمعنوية وبين المرميين في أسفل طبقات الدولة وعلى أطرافها وهامشها, أي هنا يكون الصراع بين عصبيات حاكمة وعصبيات محكومة أو تسعى للحكم, لهذا يختلط الصراع الطبقي مع الصراع الأقوامي، ولهذا ينحى الصراع لأن يكون صراعاً وجودياً مدمراً، ولهذا نجد هنا أن أهداف المتصارعين يكون هو الاستحواذ على الدولة أو تدمير الدولة القديمة وبناء دولة جديدة ولكن من نفس طراز الدولة القديمة. أي من خلال إعادة إنتاج نفس الطبقات الاجتماعية القديمة في إطار الدولة التي يستبطن في أحشائها نمط الإنتاج القديم ونمط الوجود الاجتماعي ولكن بعد استبدال العصبية الحاكمة القديمة بعصبية جديدة, يقول بوعلي ياسين في كتابه العرب في مرآة التاريخ ص105، " يظهر الصراع الطبقي في الشرق أنه صراع ضد الدولة باعتبار أن الطبقة العليا هي طبقة أهل الدولة. أو حتى ضد سلالة معينة باعتبارها صاحبة الدولة. والقضاء على أي منهما يستدعي القضاء على الأخرى، ( الدولة وأهلها ) ". فالحركة التاريخية هنا لا تكون حركة لولبية صاعدة في سلم التطور التاريخي, وإنما حركة يمكن تسميتها بالحركة الدائرية التكرارية التي لا تقود إلى التقدم والتطور التاريخي. يقول الياس مرقص في كتابه الماركسية والشرق " إن مجتمعاً لا يعرف الملكية الخاصة يمكن أن يعرف الطبقات والاستغلال الطبقي وصراع الطبقات، وهذا مفهوم ( الأسلوب الآسيوي )، ولكن هذه الطبقات واستغلالها وصراعها تختلف عن الطبقات واستغلالها في مجتمع الملكية الخاصة، مجتمع الرق، فالإقطاع، فالبرجوازية،...إن صراع الطبقات في الأسلوب الآسيوي محدود وصراع من نوع آخر لايفضي إلى حركة التقدم التاريخي " لهذا يرى المفكر الياس مرقص في نفس الكتاب الفرق بين الصراعات الاجتماعية في كل من الشرق والغرب، يقول " في النموذج الأول (الغربي) صراع طبقات، صراع قوى وعلاقات إنتاج وأحزاب وبنى قومية مختلفة، صراع يسيّر عملية أفول ونشوء دائمة، فيها تموت المشاعة وينشأ مجتمع الرق، ويموت مجتمع الرق وينشأ المجتمع الإقطاعي، ويموت المجتمع الإقطاعي وينشأ المجتمع البرجوازي العصري وأممه ودوله القومية ...في النموذج الثاني (الشرقي) صراع طبقات وسلالات وقبائل وأمم وأديان ومذاهب في تشكلات مختلفة. حلول سلالات محل سلالات في الأمة الصينية ودولتها الإمبراطورية. تغيّر السلالات والقبائل والشعوب الحاكمة في الشرق الأدنى القديم والهند وفي الشرق والغرب الإسلامي، ظهور وتعاقب الأديان الكبرى البوذية والمسيحية والإسلام، وحركة تكون قومي للعرب والفرس والترك والفيتناميين وسواهم تختلف عن شبيهاتها الغربية " (المصدر كتاب بوعلي ياسين العرب في مرآة التاريخ ص 391 - 410)، كما ونجد نفس الفكرة والمعنى في مقالة لفريدريك إنجلز عن تاريخ المسيحية (1894)، يقارن بين الانتفاضة الشعبية في كل من العالم المحمدي والغرب المسيحي، فيقول " هنا ( يقصد في الشرق ) تكمن بذور صدام يتكرر دورياً، فسكان المدن يزدادون غنى وبذخاً وتراخياً في تطبيق الشريعة، أما البدو الذين هم فقراء وبالتالي ذوو أخلاق صارمة، فإنهم يتأملون بعين الغيرة والطمع هذه الثروات والملذات، ثم يتّحدون بزعامة نبي أو مهدي لمعاقبة الكفار وإعادة صيانة الطقوس والإيمان الصحيح، واقتناء كنوز المرتدين كمكافأة، وبعد مضي مئة سنة يضحون بطبيعة الحال في وضع هؤلاء المرتدين ...كل هذه الحركات تلبس لباس الدين ولكنها تنبع من أسباب اقتصادية، ومع ذلك فهي حين تحرز النصر تتيح للشروط الاقتصادية القديمة الاستمرار دون أن ينالها مساس، وهكذا تبقى الحالة القديمة بلا تغيير بعد الصدام دورياً، أما في الانتفاضة الشعبية في الغرب المسيحي فبالعكس ليس اللباس الديني سوى راية أو قناع لهجمات تشن على نظام اقتصادي آخذ في الاضمحلال، وتنتهي الأمور إلى سقوط هذا النظام وقيام نظام جديد، وهكذا يتقدم العالم " ( ص 106المصدر السابق ). فالحركة هنا ( في العالم العربي والشرقي بشكل عام ) كما رصدها واكتشف قوانينها المفكر العربي ابن خلدون تتم على شكل موجة مؤلفة من ثلاث مراحل أساسية حيث تبدأ بمرحلة الصعود وتأسيس الدولة ثم تأتي مرحلة ازدهارها ثم تأتي مرحلة انحطاطها وزوالها وهلم جرا. هكذا تم في الواقع العربي في العصور الوسطى - وما تلاها - بناء الدولة الاستبدادية المعممة في العصر الأموي التي مرت بالمراحل الثلاثة المذكورة، ثم تم تدميرها وبناء الدولة الاستبدادية المعممة في العصر العباسي والتي مرت بدورها بالمراحل الثلاثة ومن ثم تم تدميرها وقد استمر الوضع على هذا الحال إلى أن تم بناء الدولة الاستبدادية المعممة العثمانية التي كانت آخر دول الاستبداد المعمم القديم والتي عاش في ظلها المجتمع العربي, فدائماً وعلى مدى أكثر من 14قرناً من الزمن, أي إلى مطلع العصور الحديثة لم يتغير جوهر وشكل وجود الدولة ولا نوع الطبقات الاجتماعية ولا نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج الحاكمة لوجود المجتمع ولا نمط التفكير والثقافة السائدة، أي دائماً كان يتم الوقوف عند نفس الدرجة من التطور التاريخي دون القدرة على التقدم إلى الدرجة الأرقى, وهو الأمر الذي قاد إلى ما عرف بركود المجتمع العربي لقرون من الزمن بما في ذلك الركود والتكلس في الثقافة والوعي، فالتكلس في أنماط الإنتاج والطبقات الاجتماعية داخل مجتمع من المجتمعات هو من يولًد ويسبب التكلس في الوعي والثقافة وليس العكس كما يعتقد البعض، وحيث لا أغفل هنا علاقة الجدل في التأثير المتبادل بين الوعي والواقع، حيث أن الوعي هو طرف إيجابي في هذه العلاقة وله دور في صنع الواقع، فالوعي المتكلس في نظام اجتماعي ما قبل الرأسمالية، وحيث السياسي والإيديولوجي يلعبان دور المستوى المسيطر داخل البناء الاجتماعي في شروط العلاقة الخاصة المتداخلة والمركبة بين الإيديولوجي الديني والسياسي ( الإسلام دين وسياسة )، أقول في شروط كهذه يعود الثقافي والوعي ليزيد الطين بلة في إعادة تكريس التكلس الذي يولده واقع دولة الاستبداد المعمم، ولا سيما أن هذا الوعي كان أحد العناصر التي بنيت منها دعائم هذا الشكل التاريخي لوجود الدولة. إن هذا الشكل التاريخي من وجود الدولة المستبدة والمالكة لوسائل الإنتاج هو من قاد إلى ألا يعرف المجتمع العربي ومعه كل الشعوب التي انضوت تحت جناح الدولة الإمبراطورية الإسلامية عبر عصورها كلها العلاقات الرأسمالية أو لنقل لم يعرف حالة المجتمع الرأسمالي إلا من خلال و بفعل التغلغل الرأسمالي الغربي في جسد الإمبراطورية العثمانية أولاً ومن ثم بفعل الاحتلال الغربي المباشر لمجتمعاتنا العربية ثانياً, وقد جاء وقوع المجتمع العربي في القرون الأربعة الأخيرة تحت ظل وجناح دولة الاستبداد المعمم العثمانية ليزيد من طين التطور الرأسمالي في المجتمعات العربي بلة، يقول العفيف الأخضر في ص (204- 205) في الفصول التي أضافها إلى البيان الشيوعي الذي ترجمه " بينما كانت الاكتشافات الجغرافية تثوّر حركة التجارة والمواصلات العالمية، تسرّع نمو الرأسمال التجاري، توسّع نطاق السوق العالمية، تضاعف تداول السلع أضعافاً، تسعّر حمى التنافس بين البرجوازيات الأوروبية على اقتناص أسواق ومنتجات آسيا وكنوز أمريكا الشمالية، وبينما كانت البرجوازية الأوروبية، التي سيطرت باكتشافها ساعة الجيب في أوائل القرن السادس عشر على تفاصيل الزمن التاريخي إيذاناً بسيطرتها الكاملة على تفاصيل الحياة اليومية، تستعد لإرسال الإقطاعية إلى متحف العاديات، كانت البرجوازية العربية ( والاصح القول الطبقة المالكة للثروة داخل المجتمع العربي والمكونة من الإقطاع العسكري وتجار المدن ) تستقبل ليل الاستعمار العثماني البيروقراطي العسكري، الزاحف على العالم العربي الراكد لينيمه نومة أهل الكهف، حوالي أربعة قرون لمّا يصحو منها كلياً بعد، أعطي خلالها الصياغة النهائية لهياكله الاقتصادية، البيروقراطية والإيديولوجية التي واجه بها هذا المجتمع المستنزف أول صدام مع البرجوازية الأوروبية الصناعية في القرن التاسع عشر، والتي لا تزال حتى الآن حية العالم، وبينما كانت البرجوازية الأوروبية تنطلق بقوة الإعصار لإنجاز مراكمة رأسمالها وتفتح مدارس المحاسبة لحساب معدل الفائدة، وتتمرد على عفش الكنيسة الديني والفلسفي وتصغي بإعجاب لزعماء الإصلاح الملحدين من مونزر إلى كالفن. كانت البرجوازية العربية المغزوة تتقوقع كحلزونة، بل تغوص عميقاً في برميل غائط بلا قاع، مواصلة عبر رجال دينها ودراويشها محاربة البدع مثل شرب القهوة اليمنية التي بادر علماء مصر إلى تحريمها في عام 1511 م ، لكن ذلك لم يقض على شرها فغزوه بثان في عام 1533م ، وبثالث، موقع من سلطان الأستانة المحروسة هذه المرة، سنة 1548م. من الطبيعي أن تشهد مثل هذه الطبقة السخيفة حتى دون مجرد احتجاج مدنها تفقد البقية الباقية من مدنيتها لأن طرق التجارة تحولت عنها بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح فأفقدتها عائدات العبور، وترى نفسها عاجزة عن خوض غمار المنافسة العالمية التي سعّرتها الاكتشافات الجغرافية ". لقد غطت المجتمعات الأوروبية حوالي العشر قرون من الزمن في ظلمات القرون الوسطى وبالرغم من ذلك استطاعت كونها لم تعرف هذا النمط من وجود الدولة الاستبدادية المعممة الخروج من ظلمات القرون الوسطى وتحقيق السبق الحضاري التاريخي بتوليد المجتمع الرأسمالي الحديث وفتح بوابة جديدة في التاريخ الإنساني، وبعد أن سيطرت صيرورة التطور الرأسمالي العالمي على كل الصيرورات المستقلة في العالم، تكسرت كل البنى المتكلسة التي تأخرت على طريق الحضارة الجديدة، ودخلت الرأسمالية إلى المجتمع العربي، ومعه إلى كل المجتمعات التي انضوت تحت لواء الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة، التي وبالرغم كل الإمكانيات المادية والحضارية التي توفرت لها في كل العصور ولا سيما في مراحل ازدهارها، لم يكن لها أن تعرف الرأسمالية بفعل منطق تطورها الذاتي الداخلي - وهو ذاته منطق الشلل والركود الذي تسببه الدولة الاستبدادية المعممة- ولهذا تأخرت ولادة الرأسمالية في الواقع العربي إلى أن جاءت بفعل منطق تأثير التطور الخارجي الذي عرف بمنطق التطور الرأسمالي العالمي.
أن فكرة الاستبداد والركود الشرقي في مقابل الدينامية في التاريخ الأوروبي الغربي أوجد وخلق شعوراً بالتفوق لدى بعض النخب الأوروبية التي حاولت في مرحلة من التاريخ (ومنها ما هو مستمر حتى الآن ) توفير غطاء إيديولوجي للعدوان والنهب الاستعماري لبلاد الشرق. إلا أن هذا التوظيف الإيديولوجي لا يدفعنا إلى عدم الاعتراف بحقيقة هذا الركود والاستبداد الذي وجد في واقعنا لا القديم فحسب بل حتى في واقعنا الحديث. إن التوظيف الإيديولوجي ينبغي ألا يدفعنا كما قال جورج طرابيشي إلى اعتبار أن فكرة الركود والاستبداد الشرقي تنتميان إلى الإيديولوجيا لا إلى العلم، بل العكس هو الصحيح لأن مواجهة هذا التوظيف لا تتم إلا من خلال العلم أو لنقل من خلال الدراسة العلمية الموضوعية لواقعنا العربي القديم والحديث بكل صدق وبكل شجاعة ومسؤولية وبعيداً عن الإيديولوجيا والأفكار المسبقة، لأن الاعتراف بالحقيقة مهما كانت مرة خير من أن ندفن رؤوسنا في الرمال وهو الأمر الذي نجده عند الكثير من المفكرين العرب الذين بعملهم هذا يساعدون كل من يفكر في التوظيف الإيديولوجي لأغراض استعمارية أو غيرها.
الاستبداد المعمم في سوريا مقدماته ومراحله -2- lemonde.in 5 of 5
لومـــــوند : نبيل ملحم  ثانياً: أسباب تأخر ولادة الرأسمالية في الواقع العربي تسنم العرب المسلمون ذروة الحضارة الإنسانية في القرون الو...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك