السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا – 21 –

لومـــــوند : نبيل ملحم
الواحد والعشرون: لغم الأسلمة في إعلان دمشق 2005 لقوى التغيير الديمقراطي:
لا يوجد في التاريخ المعاصر ما يشبه الفشل الذريع لاعتماد الدين والطائفية (الأسلمة ) من خلال الإسلام السياسي الشيعي بوصفه حاملاً أساسياً من حوامل الديمقراطية وأداة لاستنهاض الوطنية العراقية التي تفسخت زمن الاستبداد البعثي الصدامي، غير الفشل في الاعتماد على الدين والطائفية ( الأسلمة ) من خلال الإسلام السياسي السني في سوريا الذي أوكلت له نفس المهام، وكما في حالة النخب العراقية التي راهنت على الإسلام السياسي الشيعي منطلقة من وهم تطابق إرادة الأغلبية السكانية الشيعية في العراق مع إرادة الإسلام السياسي الشيعي، فإنه وجد في الحالة السورية من توهم أن إرادة الأغلبية السكانية السنية في سوريا متطابقة مع إرادة الإسلام السياسي السني. يكشف هذا المقال بداية ولادة هذه الفكرة والمقولات والمواقف التي تم ترويجها بالطرق المباشرة وغير المباشرة والملتوية التي تم من خلالها تمريرها وسيادتها داخل أوساط المعارضة، منطلقاً من بوابة إعلان دمشق الشهير 2005 لقوى التغيير الديمقراطي، حيث سأتناول ثلاث سياقات سياسية بشكل مترابط ومتداخل – سياق الإعلان، وسياق الصراع الذي حدث قبله بين النظام والإخوان في الثمانينيات، وسياق الثورة، وهي بالأساس سياق سياسي واحد يعيشه السوريين منذ ما يقارب النصف قرن من الزمن. لقد جاء لغم الأسلمة في الفقرة الثالثة من الإعلان بعد أن تم تغطيته كما تغطى الألغام في العادة، بما يلزم من المواد اللازم وضعها تحتها وفوقها لتمويهها، أقصد هنا غطاء الديباجة والمقدمة التي سبقت هذه الفقرة من كلام وحديث عن الديمقراطية وضرورة إخراج البلاد " من صيغة الدولة الأمنية إلى صيغة الدولة السياسية "، ومن ثم كل ما جاء بعد هذه الفقرة من حديث الدعوة إلى " بناء دولة حديثة، يقوم نظامها السياسي على عقد اجتماعي ...الخ وهو الأمر الذي جعل كل ما جاء في هذا الإعلان يفقد قيمته ومصداقيته أمام ما جاء في هذه الفقرة التي نصت على ما يلي " الإسلام الذي هو دين الأكثرية وعقيدتها بمقاصده السامية وقيمه العليا وشريعته السمحاء، يعتبر المكون الثقافي الأبرز في حياة الأمة والشعب. تشكلت حضارتنا العربية في أطار أفكاره وقيمه وأخلاقه، وبالتفاعل مع الثقافات التاريخية الوطنية الأخرى في مجتمعنا، ومن خلال الاعتدال والتسامح والتفاعل المشترك بعيداً عن التعصب والعنف والإقصاء. مع الحرص الشديد على احترام عقائد الآخرين وثقافتهم وخصوصيتهم أياً كانت انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية، والانفتاح على الثقافات الجديدة والمعاصرة ". في هذه الفقرة نحن أمام حالة واضحة من تبشير السوريين للاستعداد - ولو كاحتمال ممكن أن يتحقق ويعمل عليه - لحكم ديني إسلامي قادم مع تقديم عدد من التطمينات قدمها الإعلان أو المعلنون للسوريين أن هذا الحكم الإسلامي لن يذبح الآخر المختلف الطائفي أو المذهبي، أو لنقل سيكون معه متسامحاً على طريقة خطاب المسلمين الفاتحين في العصور الوسطى فترة الفتح الإسلامي للعالم، ولا يبخل الموقعون على أن الحكم الإسلامي هذا سيكون منفتحاً على الثقافات المعاصرة، كما يبشرنا الموقعين أن الأغلبية في سورية ليست هي الأغلبية السياسية بل الأغلبية الدينية أو الطائفية، وهنا وقبل أن أكمل حول التفاصيل وملابسات هذه الفقرة ومن وضعها، من الجدير الإشارة إلى أحد القرارات التي اتخذها مجلس الحكم في العراق برئاسة الحاكم الأمريكي بول بريمر 2003 والتي أثارت حينها جدلاً واسعاً في العراق حين تم إلغاء قانون الأحوال المدنية الذي كان يطبق إبان حكم الرئيس صدام حسين واستبدل هذا القانون بقانون آخر يتوافق مع الشريعة الإسلامية كي يمهد الطريق لحكم ونظام عصابات فصائل الإسلام السياسي الشيعي التي حكمت العراق منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا. وبالعودة إلى الفقرة التي وردت في الإعلان السوري والتي جاءت على إيقاع مضبوط مع ما فعله بريمر والإسلام السياسي الشيعي في العراق، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، من هي الجهة التي وضعت هذا اللغم والاحتمال ؟؟؟ الذي من الواضح بأنه احتمال سيعمل عليه ليتحقق على أرض الواقع، وإلا لما وضع في هذا الإعلان من أساسه. قدم في هذا الصدد الدكتور برهان غليون شهادة في كتابه " عطب الذات ...سورية ...ثورة لم تكتمل " ، كاشفاً طرف الخيط الذي يمكن أن يدلنا على الأطراف التي زرعت هذا اللغم في الإعلان وبما يؤكد أن هذه الفقرة كانت لغماً إشكالياً في هذا الإعلان ، يقول غليون : " لقد دهشت لفقرة وردت فيه ، تقول أن الإسلام هو ديانة الأغلبية من السوريين، وينبغي أن يحظى باهتمام خاص. قلت لرياض هذه الفقرة غير ضرورية ومسيئة للبيان، إذا كان الإسلام دين الأغلبية فهو الدين المهيمن على الفضاء الثقافي والروحي، ولا داعي لتأكيد ما هو واقع. في المقابل، ما كان ينبغي عليكم أن تعيروه اهتماماً أكبر هو تطمين الجماعات الدينية الأخرى على موقعها لا العكس. لكنني طالبت بأن تحذف الفقرة تماماً، وإلا سأرفض التوقيع على البيان / الإعلان. كما أضفت: لا تستطيعون أن تعلنوا عن تشكيل الائتلاف المعارض الجديد، وهو الأول من نوعه في تاريخ سورية بعد انقلاب البعث، من دون أن تشيروا ولو بطريقة غير مباشرة إلى مبدأ علمانية الدولة المنشودة مقابل طائفية النظام القائم . ونصحته بأن يستخدم العبارة التي استخدمها مؤسسو الدولة الأوائل التي تقول " الدين لله والوطن للجميع " وهي جوهر العلمانية بالمعنى الصحيح للكلمة. وفي انتظار جوابه، بعد المشاورات مع بقية الأطراف، اتصلت بصدر الدين البيانوني، وكان في موقع المرشد لجماعة الإخوان المسلمين، وسألته إذا كانوا مصرين فعلاً على هذه الفقرة التي تسيء للبيان والإعلان ومشروع العمل الوطني الديمقراطي معاً. قال : أبداً لسنا نحن الذين وضعناها، ولا نطالب بوجودها ولا نتمسك بها. نقلت ذلك إلى رياض الترك، الذي أجابني أنهم لا يستطيعون حذف الفقرة، لأن الوقت تأخر. قلت : هذه ذريعة واهية، الخطأ ينبغي أن يصحح ولا شيء يدعو إلى العجلة من أجل يوم إضافي. قال مباشرة: جورج صبرا هو الذي وضعها ، وهو مصر عليها. فأعلمته بأنني أرفض التوقيع على بيان إعلان دمشق الذي كنت من أول الداعين والضاغطين لإصداره " . في الواقع علينا هنا أن نقول أن رياض الترك لم يقل الحقيقة للدكتور برهان غليون في قوله أن جورج صبرا هو من يقف وراء وضع هذه الفقرة في الإعلان، كما أتصور أن الدكتور برهان غليون عرف أن الترك لم يقل الحقيقة. فكل النخب السورية تعلم أن جورج صبرا لا يمون حتى على تقرير مصير مؤخرته بحضور رياض الترك ولي نعمته السياسية والحزبية، وحيث يمكن لرياض الترك كما سنرى في السطور التالية لا أن يضع ويرمي على ظهر جورج صبرا مسألة كهذه فحسب بل يمكن أن يحمله ما هو أكثر من ذلك . في الواقع إن من وضع هذا اللغم هو الثنائي رياض الترك وصدر الدين البيانوني في اللقاء الذي جمعهما في لندن 2005 في مرحلة الإعداد للإعلان والسعي لجعل الإخوان شركاء في هذا الإعلان، وعلى الأغلب تم ترك إخراج المسرحية إذا ما اعترض معترض على نصها لرياض الترك وعلى الأغلب تم الاتفاق على إبعاد الإخوان المسلمين عن المسؤولية والواجهة في وضع هذه الفقرة كي لا يشكل ذلك استفزازاً للأخرين الموقعين وحيث أن أخذ رياض الترك هذه الفقرة على عاتقه من خلال وضعها في ذمة وظهر وعاتق تابعه جورج صبرا تبعد الشكوك عن الإخوان وتقلل من الاستفزازات والاعتراضات المحتمل ظهورها، وقد استخدم هنا رياض الترك الخلفية " المسيحية " لجورج صبرا كي يبعد الشبهة عن الإخوان وعن ذاته قدر الإمكان. إن ما يؤكد أن الإخوان ومعهم رياض الترك وربما معهم آخرون شركاء في وضع هذه الفقرة هو السبب ذاته الذي يكشف زيف ما سمي بميثاق الشرف الوطني الذي تعهد به الإخوان المسلمون لرياض الترك وللقوى السياسية الأخرى المعارضة في سوريا بالالتزام بمبدأ الشراكة السياسية المتساوية والعمل من أجل إقامة الدولة الديمقراطية الحديثة. إذ يكفي العودة لما جاء في هذا الميثاق لنكتشف أن ما جاء في فقرة إعلان دمشق لم يكن سوى صدى لما جاء في ميثاق الشرف الوطني الإخواني. سأنقل هنا بعض الفقرات التي جاءت في ميثاق الشرف الوطني الذي قدمه الإخوان المسلمون في سورية للقوى السياسية في 3 آب من عام 2001 وهي ذاتها الفقرات التي تناولها بالنقد سابقاً فراس قصاص في مقال نشر على موقع الحوار المتمدن الالكتروني بتاريخ 5 / 11 / 2002 بعنوان " قراءة مختلفة في ميثاق الشرف الوطني لجماعة الإخوان المسلمين في سورية " يقول الميثاق في فقرة أولى: " وبالتالي فأن دعوتنا إلى الحوار ترتكز تلقائياً على مجموعة من الثوابت يفقد الأمة تجاوزها وجودها وقوتها، وتميزها بين العالمين، وأول هذه الثوابت أن الإسلام بمقاصده السامية، وقيمه العليا، وشريعته السمحاء، يشكل مرجعية حضارية وهوية ذاتية لأبناء هذه الأمة، فالإسلام بالنسبة لأبناء قطرنا إما مرجعية دينية أو انتماء حضاري " كما يقول في فقرة ثانية: " الصيغة التعاقدية للدولة هي إحدى عطاءات الشريعة الإسلامية للحضارة الإنسانية، إن تعبير الناس سواسية كأسنان المشط تجسيد حسي لواقع المساواة بين الناس، التي كان لشريعتنا وحضارتنا شرف التقدم بها إلى العالمين " كما يقول في فقرة ثالثة : " ثاني هذه الثوابت، انتماء قطرنا العربي السوري إلى منظومته العربية، الذي ينبغي أن يعتبر أساساً في بناء أي استراتيجية سياسية مستقبلية، ثم أن المواجهة بين العروبة والإسلام كان عنوان مرحلة تاريخية تصرمت، ولقد نشأت تلك المواجهة من عوامل الانفعال وسوء الفهم " كما يقول في فقرة رابعة: " وأن الاختلاف مشروع ومعتبر ما دام في إطار الثوابت الوطنية وفي توجهات الخير والنفع العام " . وبالرغم من قوة الترميز في الصياغة التي اعتمدتها جماعة الإخوان المسلمين السورية في هذه الوثيقة بهدف إخفاء المخفي والمستور إلا أن هذا الترميز ذاته كان في بعض الأماكن فاضحاً كاشفاً أن هناك خديعة وكذباً في ما جاء في الميثاق. وإذا كان تفنيد كل ما هو مخفي في هذه الفقرات يحتاج بذاته إلى مساحة بمقدار مساحة مقال كبير مستقل إلا أني سأحاول قدر الإمكان الإيجاز في كشف ما تخفيه هذه الفقرات مع قناعتي الكاملة أن أي قارئ متوسط الوعي بتاريخ جماعة كهذه أو نوع من الخطاب كهذا يستطيع أن يكتشف كل ما هو مخفي ومضمر في هذه الفقرات وهذا الميثاق. ففي الفقرة الأولى هناك تحذير من تجاوز ثوابت الأمة – القرآن والسنة النبوية - حيث هذه الثوابت الدينية تشكل مرجعية حضارية وهوية ذاتية لأبناء الأمة، وفي قولهم هذا فأن ما هو مخفي ومستور ليس اعتبار القيم والمبادئ والتصورات والثوابت المستمدة من الشريعة الإسلامية مرجعية ينبغي أن يلتزم بها الكل الاجتماعي – في مجتمع يتشكل من فسيفساء من المذاهب والمعتقدات الدينية - كي لا تفقد الأمة وجودها وتميزها، بل القول أن الإسلام يشكل هوية ذاتية لأبناء الأمة وحيث المقصود بأبناء الأمة دائماً أهل السنة والجماعة، وحيث المقصود القول أن الإسلام لا يشكل فضاء روحياً وثقافياً لأهل السنة فحسب بل إن الإسلام هو المشكل الوحيد للهوية السياسية لأبناء الأمة، ما يعني القول حسب وجهة نظرهم:
أولاً: إن كل مسلم سني في سوريا هو بالضرورة ينتمي للإسلام السياسي. أي اعتبار أن كل أهل السنة في سوريا كتلة صماء لا تعرف التمايز الطبقي أو السياسي أو الثقافي أو الإيديولوجي، وبما يعني أنهم جميعاً يقعون في الفضاء الثقافي والسياسي للإسلام السياسي، أي أنهم جميعاً من الناحية السياسية من حصة الإخوان المسلمين ومشتقاتهم في سوريا.
ثانياً: استبعاد أي فكر قومي أو يساري أو ديمقراطي علماني أو ليبرالي يمكن أن يشكل الهوية الذاتية السياسية للمسلم السني، وحيث هذا الاستبعاد تكذبه بشكل صارخ وجود الهويات السياسية القومية واليسارية والليبرالية والوطنية والعلمانية والديمقراطية التي عرفها المجتمع السوري وميزته كما غيره من المجتمعات المسلمة بدءاً من دخول هذه المجتمعات في رحم العصور الحديثة، وحيث أن هذه الهويات هي التي سادت وطغت على الهويات السياسية الإسلامية في مرحلة التحرر الوطني وفي المرحلة التي تلتها إلى أن جاء الاستبداد الحديث بدءاً من أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، الذي كمم الأفواه وأقفل المجال السياسي العام بوجه المجتمع وجرد المجتمع كل المجتمع من أي هوية سياسية أياً يكن نوعها.
ثالثاُ: إن الإخوان المسلمين يرتكزون في قولهم أن الإسلام يشكل هوية ذاتية – علينا قراءتها هوية سياسية - لأبناء الأمة على حقيقة أن الإسلام نشأ منذ 14 قرناً من الزمن بوصفه دين وسياسة، مع الإصرار على عدم الإصلاح وإبقاء هذه الصفة ملازمة للدين الإسلامي إلى أبد الآبدين، وهو الأمر الذي عبر عنه الإسلام السياسي الإخواني منذ نشأته وحتى يومنا هذا بشعار عريض يقول أن الإسلام هو الحل، الأمر الذي يعني أننا أمام حدين في تجسيد هذا القول على أرض الواقع السياسي، حد أقصى، ويعني إقامة نظام سياسي ديني متشدد على طريقة نظام الملالي في إيران ولكن بلون مذهبي سني، وحد أدنى ويعني إقامة نظام ديني متسامح، لن يقوم بقتل من لا يلتزم بهذه الثوابت، كما لن يقوم بفرض الجزية عليه، أي يعني إقامة نظام من المحاصصة الطائفية، يقوم على تقسيم المجتمع والدولة والنظام السياسي عمودياً وحيث الغلبة تكون في هذا النظام للطائفة الأكثر عدداً وصاحبة الثوابت والتي تشكل الأمة من وجهة نظر أصحاب الميثاق المقدم ومعهم من اعتبره داخل المعارضة السورية فتحاً فكرياً إخوانياً في الانفتاح على الآخر المختلف. طبعاً هنا ترك الإخوان المسلمون لنفسهم المجال واسعاً للتحرك بحرية بين الخيارين أو الحدين حسب المعطيات المحلية والإقليمية والدولية وما تفرزه من موازين للقوى في لحظة انفجار الصراع وفي سياق السيرورة الثورية على السلطة، وبما يعني أن ما سيتقرر على الأرض ليس ما جاء مكشوفاً في ميثاق الشرف بل ما جاء مخفياً فيه، وبما كانت تخفيه الأيام القادمة من معطيات وممارسة عملية هي التي تحدد حقيقة الإخوان بشكل واضح لا لبس فيه، وهو الأمر الذي أصبح معروفاً في زمن الثورة. أما عن قولهم في الفقرة الثانية أن الصيغة التعاقدية للدولة هي أحد العطاءات التي قدمتها الشريعة الإسلامية للحضارة الإنسانية، وبما يعني القول أن بعض المفاهيم والمقولات الحديثة في علم الاجتماع السياسي المنتجة بفعل الحضارة الأوروبية، كمقولة الدولة التعاقدية هي ذات منشأ إسلامي سابق، وأن الإسلام هو الذي قدمها إلى المجتمعات الأوروبية، وهنا يخطر على بالي سؤال لبعض الشخصيات المعارضة الذين هللوا " وانهبلوا " في ميثاق الشرف الإخواني، إن كان أحد منهم سأل المرشد العام للإخوان المسلمين صدر الدين البيانوني من أي جد من أجداده سرق جان جاك روسو ومفكري عصر النهضة الأوروبية فكرة الدولة التعاقدية وفكرة العقد الاجتماعي ؟؟؟. طبعاً لم يكن هدف الإخوان من هذا القول الادعاء المزيف الكاذب في السبق التاريخي للشريعة الإسلامية في إنتاج مفهوم الدولة التعاقدية، بل كان الهدف القول أن كل مقولات علم الاجتماع السياسي الحديث والمعاصر المذكورة في هذا الميثاق وبعدها في إعلان دمشق من مثل الديمقراطية والاعتراف بالآخر ومفهوم الدولة الحديثة وما شئتم من تعابير ومصطلحات رنانة وحديثة فإنه سيتم قياسها لمقاييس التجربة والشريعة الإسلامية في بناء الدولة، وحيث من وجهة نظرهم أن هذه الشريعة لها الأسبقية في هذا المجال وفي كل مجال وبما يعني أنها صالحة لهذا الزمان وكل زمان، كما أنهم يتقصدون الكذب المكشوف في هذا المجال فالكل يعلم أن مفهوم وتجربة الدولة التعاقدية هي نتاج العصور الحديثة وأن الدولة في النظام الإسلامي الوسيط كما في كل النظم ما قبل الرأسمالية كانت تقوم على أساس من العقد الإلهي، وأنه حتى التجارب القديمة في التاريخ في بناء الدولة التعاقدية كما عرفتها الحضارة الإغريقية والرومانية فإنه وجد في التاريخ بوصفه تعاقد تم بين المواطنين الاحرار الأسياد مالكي العبيد بعيداً عن الدين والشرائع السماوية. أما عن جعلهم في الفقرة الثالثة الهوية القومية العربية ثاني الثوابت والمرجعيات بعد الهوية الدينية الإسلامية، فهنا أقول بأن الإخوان المسلمين ومن هلل لهم للأسف لم يدركوا ويعوا حتى الآن بأنه ومنذ دخول البشرية بوابة العصور الحديثة وما فتحته أمام العقل البشري من أبواب فكرية وهويات لا حصر لها كي ينتمي إليها، لم تعد لا الهويات الدينية ولا حتى القومية الأكثر تطوراً بالمعنى التاريخي صالحة لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة والمجتمعات المتماسكة، وحيث أصبحت الهوية والمرجعية الوحيدة الصالحة هي الهوية الوطنية الجامعة والقائمة على مبدأ المواطنة الحرة التي تجعل كل أفراد المجتمع الأحرار مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات بعيداً عن هويتهم الدينية أو القومية أو العرقية ...الخ. أما عن قولهم في الفقرة الرابعة أن الاختلاف مشروع ومعتبر ما دام في إطار الثوابت الوطنية وفي توجهات الخير والنفع العام، فعدا عن كون هذا القول يذكرنا بالثوابت الوطنية والقومية لنظم الاستبداد العربي، إلا أن الأخطر يكمن كما في حالة كل نظم الاستبداد المعادية لفكرة الديمقراطية والحرية، في وضع ثوابت وإطار محدد لا ينبغي تجاوزه، كما يكمن في أن جهة محددة، سلطة أو ما شابهها، كالحزب القائد أو ما يماثله، هي التي ستحدد الثوابت والإطار، وهي التي ستقرر ما هو التوجه - أن كان على شكل فكرة أو رأي - الذي يجلب الخير والنفع العام، وهنا نسأل الإخوان المسلمين في سوريا ومن رحب بوثيقتهم فيما إذا كانت فكرة الخير والنفع العام عند الإخوان هي ذاتها عند بقية القوى السياسية الأخرى. أما عن سبب عدم تصريح الإخوان المسلمين بشكل مكشوف وعلني عن نواياهم ومشروعهم للمستقبل، إن كان في وثيقة الشرف الوطني التي قدموها عام 2001 أو في إعلان دمشق عام 2005 ، الأمر الذي دفعهم لوضع الألغام والاختباء خلف المشروع الوطني الديمقراطي للمعارضة السورية لعدد من الأسباب:
أولها انكشافهم السياسي كونهم مارسوا العنف الطائفي والإقصاء سابقاً خلال فترة الصراع مع النظام فترة أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، فكلنا يتذكر قولهم المشهور " عودوا إلى جحوركم " لقوى التجمع الوطني الديمقراطي الذي ضم أغلب أحزاب المعارضة الديمقراطية السورية.
وثانيها كونهم كانوا حينها مقصومي الظهر تنظيمياً كغيرهم من القوى السياسية السورية المعارضة بعد الضربة الوحشية التي تلقوها من النظام والتي بلغت ذروتها في 1982 عندما سيطر الإخوان على مدينة حماة فكانت المجزرة التي أرتكبها النظام بحقهم وحق أبناء المدينة في شباط من العام ذاته.
وثالث هذه الأسباب كانت ضرورة " تحديث " خطابهم السياسي الذي بدا في وثيقة الشرف الوطني للبعض وكأنه فتح وتحرر من القديم من ناحية الشكل على الأقل، كرسالة للخارج الدولي وتحديداً إلى أمريكا، في مرحلة كان الإخوان يعلمون أكثر من غيرهم بأن الصراع الذي بدأ بين الأمريكان وشياطينهم من تنظيم القاعدة على وشك الانفجار والوصول إلى ذروته وحيث أن الإخوان المسلمين السوريين البارعين في البراغماتية أرادوا القول للأمريكان بأنهم خارج هذا الصراع، وربما كانوا يسابقون الزمن لإيصال هذه الرسالة قبل أن تقع الفأس في الرأس في 11 سبتمبر 2001 في برجي التجارة في نيويورك, لهذا لا غرابة وربما ليس صدفة أن تقدم الوثيقة الإخوانية في 3 آب 2001 أي قبل ما يقارب الشهر من " غزوة منهاتن " التي قامت بها القاعدة. كل ذلك دفعهم لممارسة التقية أو التمكين ووضع الألغام إن كان في نص وثيقة الشرف أو فيما بعد في نص إعلان دمشق 2005 وحيث أن ذلك يدلل على أن الإخوان لا يفتقدون إلى المصداقية في مستواها العملي التي سبقت وتلت التوقيع على وثيقة الشرف وإعلان دمشق فحسب بل نجد أن هذه المصداقية معدومة حتى في مستواها النظري أقصد مستوى النصوص والوعود، وهو الأمر الذي يدفعني للقول للذين يدعون - ولا سيما بعد تجربتهم مع الإخوان المسلمين في زمن الثورة - أن الإخوان قاموا بخديعتهم، والقول أن الإخوان المسلمين قالوا لنا شيئاً وفعلوا على أرض الواقع شيئاً مغايراً ومعاكساً لقولهم، أقول لهؤلاء أنكم خدعتم أنفسكم قبل أن يخدعكم الإخوان المسلمين كونكم قبلتم الخديعة في النصوص أو تواطأتم مع هذه الخديعة كونها كانت مكشوفة لمن كان منكم لديه إرادة قراءة هذه النصوص بعيداً عن شهواته السياسية في التحالف الذيلي مع الإخوان المسلمين. وهنا نصل إلى جذر القضية إن كان في التواطؤ مع تمرير هذه الألغام في النصوص أو في قبول التحالف الذيلي مع الإخوان أو في قبول الانخراط في مشروع الإخوان السياسي وبما يعني الموافقة على البديل السياسي الذي يتبناه الإخوان. من المؤكد أن رياض الترك قرأ ملياً ما تضمنته الوثيقة الإخوانية وبما يعني أنه يعلم مدى المغزى السياسي والفكري الذي تضمنته الوثيقة وبعدها الفقرة التي وردت في إعلان دمشق التي تؤكد وتكثف ما جاء في الوثيقة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هل أن رياض الترك قدم كل هذه التنازلات بهدف جذب الإخوان إلى صفوف المعارضة أم أن الأمر أعقد وأعمق من ذلك ؟؟؟. أعتقد أن رياض الترك وافق على كل ذلك منطلقاً من فكرة وقناعة قديمة يمكن تلمسها واستنطاقها في مجموعة مواقف رياض الترك من لوحة الصراع القائم في سورية منذ ما يقارب الأربعة عقود من الزمن، سميتها في مقالات سابقة بالشهوة السياسية المعندة عند الترك، وتعود بدايتها كما أشرت في مقال سابق إلى نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي مع تفجر الصراع السياسي واحتدامه بين النظام والمعارضة السورية السلمية بكل أشكالها وأنواعها من جهة وبين النظام والإخوان عبر وسائل العنف من جهة أخرى، وحيث أن الترك الذي شكل تياراً داخل حزبه أولاً ثم داخل المعارضة ثانياً انطلق في موقفه من لوحة الصراع القائم في سوريا منذ ذلك الوقت حتى الآن من فكرة هي عبارة عن وهم فحواه أن إرادة الأغلبية السنية داخل المجتمع السوري هي ذاتها إرادة الإسلام السياسي في سوريا، وبما يعني إرادة قيام نظام سياسي ديني سني، الأمر الذي يعني ضرورة الالتحاق بالتعبير السياسي المناسب الذي هو الإخوان المسلمون، وحيث الجذر العميق الذي أنتج هذا الوهم يعود لاعتقاد أصحابه الخاطئ ان كل تدين ينتج عنه تحزب سياسي مطابق له، حيث ان الأمر الخطير في هذه الرؤية لم يكن في عدم صحة هذه المطابقة فحسب بل كون هذه المطابقة قادت إلى مطابقة أخرى أكثر خطورة، وهي المطابقة بين الهوية الوطنية السورية والهوية الدينية للأغلبية السنية في سوريا، وقد كان لا بد لإخفاء وتغطية هذه المطابقة المغلوطة من القول أن الأغلبية السكانية السنية في سوريا ليسوا طائفة بل هم الأمة أو جزء من الأمة الإسلامية، وبما يعني أن الأفعال الطائفية يمكن أن تصدر من أي مكان أو لنقل من أي طائفة داخل المجتمع السوري إلّا من داخل هذه الطائفة-الأمة، وبما يعني هنا نفي لأي صفة طائفية لكل من هو محسوب على هذه الطائفة-الأمة، وتحديداً هنا نفياً للطابع والصفة الطائفية عن الإسلام السياسي السني في سوريا إن كان بطبعته الإخوانية أو في غيرها من الطبعات الكثيرة التي عرفتها الساحة السورية في زمن الثورة، وبتكثيف أشد كان يراد هنا القول أن الأفعال والممارسة الطائفية يمكن أن تصدر عن النظام الذي يرتكز إلى عصبية طائفية أقلية، في حين أن الأفعال الطائفية والممارسة الطائفية المضادة لا يمكن أن تصدر عن الذين ينتمون للأمة، حتى ولو كان بهيئة إسلام سياسي إخواني أو غيره، وعلى هذه الأساس كذلك نظر هذا التيار إلى المجتمع السوري على أنه مكون أساساً من أغلبية سنية تنتمي إلى الأمة مضافاً إليها مجموعة من الطوائف الاخرى الملحقة بأبناء الأمة، وهنا كان انزلاقاً آخر يتمثل بالعودة إلى مفهوم الأمة القائم على أساس الدين وهو المفهوم الذي صاغته عبر التاريخ العربي الإسلامي خلال 14 قرناً من الزمن الطبقات السائدة والحاكمة وحيث استبطن هذا المفهوم عدا عن الصراعات السياسية بين هذه الطبقة وكل من تمرد عليها فحسب بل نجد أنه استبطن تصغيراً وتحقيراً للآخر المختلف من خلال إخراجه من إطار الأمة ونزع الصفة الإسلامية عنه واحتكار هذه الصفة لطرف وحيد، وحيث أن عدم القدرة والإرادة لتجاوز هذه المقولة القديمة نحو مقولات جديدة تجعل الأمة مكونة من كل أبنائها على قدم المساواة دون أن يكون هناك من هم من أبناء البطة البيضاء إن كانوا يشكلون أكثرية من الناحية الدينية أو القومية وآخرين من أبناء البطة السوداء إن كانوا ينتمون إلى الأقليات من الناحية الدينية أو القومية أمراً يجعل البقاء عند مقولات الماضي يتطابق موضوعياً في نتائجه المدمرة مع ما تقوم به القوى الطائفية من كل الاتجاهات لجر المجتمع نحو الماضي و نكئ لجراحات الماضي لخدمة أجندات طائفية بحتة، ولهذا كان التركيز على المظلومية الطائفية إلى الحد الذي جعل النخب المنتمية إلى هذا التيار لا ترى أو تتعامى عن كل أشكال المظلوميات الأخرى القائمة داخل المجتمع، وعلى رأس هذه المظلوميات المظلومية العامة للمجتمع ككل، وعلى هذا الأساس شكلت المظلومية الطائفية الأساس في خطابها وممارستها السياسية وتحالفاتها وأدواتها المعدة للتغيير، وعلى هذه الأرضية من المطابقات، رأى هذا التيار من النخب السياسية المعارضة أن الأغلبية السنية في سوريا، كلهم يندرجون في إطار الإسلام السياسي السني، وهو الأمر الذي جعلهم يتحالفون مع الإخوان المسلمين ويتواطؤون مع من قام بأسلمة الثورة من منطق التحالف مع الأغلبية التي تتعرض للمظلومية، وبما يعني ضرورة أن يتم قيادة عملية التغيير من قبل الإسلام السياسي كونه يجذب إلى صفوف قوى التغيير أغلبية المجتمع، ويعني أن الانتقال إلى الديمقراطية يكون من خلال حكم الأكثرية الدينية داخل المجتمع كبديل عن حكم الأقلية الدينية. وهنا علينا أن نلاحظ كيف أن هذا النوع من الديمقراطية يستبطن الطائفية، كما يستبطن الدعوة لإقامة نظام محاصصة طائفية – على الطريقة العراقية ولا سيما بعد التجربة العراقية بعد 2003 - فالأكثرية هنا ليست أكثرية سياسية لها هوية وطنية عامة وعابرة للطوائف، بل ذات هوية دينية جعلتها المطابقة المشار إليها سابقاً وطنية قسراً رغم أنها في الواقع ليست إلا هوية ما تحت وطنية. أن الخطأ في كل هذه المطابقات يكمن في عدم فهم أن التدين والدين كما يقول كارل ماركس " تعبير عن البؤس الحقيقي واحتجاج على البؤس الحقيقي " الذي يتعرض له البشر في ظل نظام سياسي اجتماعي ظالم، الأمر الذي يعني أن زفرة وحشرجة المظلومين واحتجاجهم الذي يكتسي الصفة العامة لا يمكن أن يتحدد بلون سياسي وحزبي حصري بشكل مسبق، وأن مربط الفرس يكمن في نوع القوى التي تركب على كتف هذه الاحتجاجات وفوق هذا القهر فإما أن تصعد على أكتاف هؤلاء ذئاب الإسلام السياسي وتقوم بخلط قطيع الظباء مع قطيع الذئاب أو تصعد وترتقي على أكتافهم ملائكة من القوى الديمقراطية والاجتماعية الوطنية كي ترسم لهم طريقاً يقودهم إلى الانعتاق والتحرر من كل أشكال القهر والظلم. وإذا كان صحيحاً أن طغيان الدين والتدين يعطي فرصة أكبر ومرجحة موضوعياً لتسلق الإسلام السياسي لظهر هذه الاحتجاجات إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها الفرصة الوحيدة. ففي شروط السيرورات الثورية وما تخلقه من استعداد عند البشر للتحرر والانعتاق من كل شروط الماضي فكرياً وسياسياً واقتصادياً وهو ما بانت ملامحه بشكل واضح في الأشهر الأولى للثورة في الحالة السورية إن كان من خلال أغاني المتظاهرين وهتافاتهم " سوريا بدها حرية " ومن خلال شعار " واحد واحد واحد الشعب السوري واحد " وهو الأمر الذي كان يعطي للعامل الذاتي أقصد هنا الأحزاب والقوى الديمقراطية الوطنية، فرصة جديدة كي تخفف من مفاعيل وأثر العوامل الموضوعية من خلال الدفع بالوعي والصراع باتجاه ميدان وأفق وطني للصراع يقطع الطريق على محاولات قوى الإسلام السياسي وشركائهم الإقليميين والدوليين نقل الصراع إلى الميدان الطائفي كي يفتح الطريق لتسلقهم ظهر الاحتجاجات. وهو الأمر الذي لم يعمل عليه في الحالة السورية إن كان من قبل أغلبية قوى وأحزاب اليسار " التحرري " التي كانت أقصى ما تطمح إليه هو أن تكون ذيلاً للإخوان المسلمين أو من قبل القوى والأحزاب المحسوبة على اليسار "العبودي المخاطي اللزج " التي كانت أقصى ما تطمح إليه هو أن تكون ذيلاً للنظام. فاليسار السوري بفلقتيه لم يستطع الخروج من إطار ثنائية الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، فبدل أن يلعب دوراً في إخراج المجتمع من بين رحى حجري الاستبداد السياسي والديني كان أحد المواد المساعدة في طحن المجتمع، فكان العامل الذاتي يدفع منذ سبعينيات القرن الماضي باتجاه تمادي أثر الشروط الموضوعية والدفع باتجاه جعل الفرصة الأكبر هي الفرصة المرجحة والوحيدة. ومن المفارقات المضحكة والمبكية هنا هو أننا نجد لفكرة تطابق إرادة الأغلبية السنية مع إرادة الإسلام السياسي عدة أوجه ولكن من مواقع مختلفة ومتعاكسة مع الفكرة الأولى حيث نجد أن تيار اليمين المتطرف في أوروبا يعتمد الفكرة نفسها، وهو الأمر الذي يجعله يوجه تهمة الإرهاب لكل مسلم، وهو الأمر الذي خلق وسهل ولادة ظاهرة الرهاب والخوف من المسلمين المعروفة بالإسلاموفوبيا المنتشرة في الوقت المعاصر، كما نجد تياراً في سوريا من " العلمانيين " و" اليساريين " الذي اعتمد الفكرة نفسها، وهو الأمر الذي دفعهم لاتخاذ موقف معارض ومعاد للثورة السورية وهم أولئك الذين رأوا في خروج المظاهرات السورية من الجوامع السنية دليلاً حاسماً بأن الثورة السورية هي عبارة عن ثورة إسلاميين فاشيين وينبغي الوقوف في وجهها. ومن أكبر المفارقات أن النظام السوري وأجهزته الأمنية من مخابرات وسرايا دفاع وقوات وفرق خاصة معدة للقمع وحماية النظام هي أكثر من استخدم واعتمد هذا المنطق في المطابقة بين الإخوان المسلمين وأهل السنة في عمليات القمع التي وجهها النظام ضد الإخوان في المواجهة التي دارت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، فالنظام وجد في الإخوان المسلمين ذريعة لممارسة أقصى حالات البربرية ضد أهل السنة في عملية يمكن تسميتها تطييف القمع، فجميع الضحايا الذين سقطوا في المجازر التي ارتكبها النظام في حلب إن كان مجزرة حي المشارقة صباح عيد الفطر 11 أغسطس 1980 أو مجزرة بستان القصر في اليوم التالي أو مجزرة حي أقيول جميعهم كانوا من الأطفال والنساء والرجال والشباب الذين يقطنون هذه الأحياء وتم الانتقام منهم بسبب أن الإخوان قاموا بمهاجمة دورية عسكرية مارة في تلك الأحياء أو بسبب أن أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين كان من هذا الحي - وهو السبب وراء مجزرة حي أقيول – حتى أن الكثير من ضحايا مجزرة حي المشارقة كانوا من أعضاء حزب البعث والعاملين في الحكومة وآخرين من أنصار النظام، والأمر ذاته نجده في مجزرة جسر الشغور التابعة لمحافظة إدلب بتاريخ 9 مارس 1980 ومجزرة حماة في شباط 1982 والتي تجاوز عدد ضحاياها 30 ألف ضحية أغلبيتهم الساحقة من النساء والشيوخ والرجال والأطفال، لقد كان هدف النظام من توسيع وتطييف دائرة القمع جعل الإخوان المسلمين أولياء وأوصياء على الدم السوري وبتعبير آخر بلغة الأدب كان هدف النظام خلط قطيع الظباء بقطيع الذئاب الإسلامية وهو ما كان يجلب السعادة والسرور إلى قلوب جماعة الإخوان – وهوما تم تكراره في زمن الثورة - فالقمع الطائفي الذي مارسه النظام من خلال قوات وفرق خاصة كسرايا الدفاع التي كان يقودها شقيق النظام رفعت الأسد والقوات الخاصة التي يقودها علي حيدر والفرقة الثالثة بقيادة هاشم معلا والرد الطائفي من الإخوان من خلال اغتيالات شخصيات مدنية أو عسكرية أو أكاديمية تنتمي لطائفة النظام كان الهدف منها من كلا الطرفين المتصارعين عدا عن كونه أداة لكسب المعركة فإنه كان البذرة التي زرعها كلا الطرفين من أجل تحديد أسس الجولة والمواجهة القادمة أو الصراع في جولته القادمة، فأكثر ما كان يخشاه النظام ومعه الإخوان المسلمين هو أن تكون وتقوم المواجهة على أسس وطنية وبرنامج ديمقراطي وطني. وبالعودة إلى الفكرة الوهم لدى رياض الترك، أقول أن كل ذلك يمكن أن نجد صداه في أكثر من موقف سياسي عملي إن كان لرياض الترك أو لغيره من الشخصيات المحسوبة عليه كجورج صبرا أو غيره من الشخصيات المحسوبة على هذا التيار. يمكن القول أن موقف رياض الترك من مجزرة مدرسة المدفعية في حلب التي ارتكبتها الطليعة المقاتلة الإخوانية في حزيران 1979 من خلال التنسيق مع الضابط إبراهيم اليوسف المزدوج التنظيم بعثي / إخواني والتي راح ضحيتها وفقا لرواية الطليعة المقاتلة التي ذكرها أبو مصعب السوري عمر عبد الحكيم في كتابه " الثورة الإسلامية الجهادية في سوريا " قتل 250 طالباً من طلاب الضباط تم انتقاءهم واستدراجهم إلى ندوة المدرسة قصداً وعمداً كي يكونوا من الطائفة العلوية. أقول شكل الموقف من هذه المجزرة المحطة الأولى العملية لرياض الترك التي تجسدت فيها رؤيته السياسية والأفكار والمقولات التي ذكرتها في السطور السابقة كما شكلت بداية لتشكل هذا التيار داخل المعارضة، فمن المعلوم حينها أن رياض الترك وقف ضد رغبة كل شركائه من أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي وضد الأغلبية داخل حزبه وضد كل اليسار السوري التحرري الذي عرفته الساحة السورية حينها وحيث كانت جميع هذه القوى السياسية تصر على إدانة المجزرة التي ارتكبتها الطليعية المقاتلة الإخوانية، وحيث الإدانة كانت واجبة حتى لو وضعنا جانباً الدوافع والاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، فالاعتبار الأقوى الذي كان يطغى ويجعل الإدانة واجبة هو الطابع الطائفي للمجزرة وما تجره من تداعيات ونقل لميدان الصراع إلى مكان مدمر لا يمكن الخروج منه بسهولة، فحتى التنظيم العام للإخوان تبرأ منها وخجل من تبنيها حينها، في حين رفض الترك إدانتها رغم إفصاح المجزرة على أنها كانت تعبيراً صريحاً عن إرادة ورغبة الإخوان المسلمين في خوض الصراع مع النظام بمنحى طائفي، وقد كانت إرادة ومحاولة مكشوفة لبناء عصبية طائفية مقابل العصبية الطائفية التي كان قد بدأ النظام ببنائها منذ صعوده على رأس السلطة عام 1970، وقد شكل رفض الترك لإدانة المجزرة موافقة ضمنية من الترك على خوض الصراع بهذا المنحى وعلى الطريقة الإخوانية وهي موافقة ترتكز على الفكرة الوهم التي تعتقد بتطابق إرادة الأغلبية السنية في سورية مع إرادة الإخوان المسلمين وما يعني أن إرادة الإخوان وفعلتهم كانت تمثل إرادة وطنية كونها إرادة الأغلبية السنية، هنا يكفي أن أشير إلى مفارقة من مفارقات القدر والعمل السياسي في تاريخ سورية إن يأتي بعد أكثر من ثلاثة عقود العقيد يوسف الجادر الملقب أبو فرات ابن مدينة جرابلس التي يمر بها نهر الفرات والذي تربى في مدرسة جيش النظام بخلاف السيد رياض الترك الذي أمضى حوالي نصف القرن من الزمن في العمل الحزبي المعارض داخل حزب يدعي الشيوعية وخارج مؤسسات السلطة، أقول هذا الضابط الذي انشق عن صفوف قوات وجيش النظام في حزيران 2012 واستلم قيادة أركان لواء التوحيد في الجيش الحر استطاع أن يصوغ خطاباً وطنياً جامعاً تفوق فيه كثيراً على خطاب ومنطق رياض الترك، ففي اللحظة نفسها التي كان يقاتل فيها قوات النظام في ريف حلب وحرر " مدرسة المشاة " في المحافظة قال بلهجة عامية في شريط فيديو مصور " والله مزعوج، لأن هي الدبابات دباباتنا، وهاد العتاد عتادنا، وهدول العناصر أخوتنا، والله العظيم كل ما أشوف إنسان منا أو منون مقتول بزعل، أنا عشت باللاذقية 22 سنة، أنا بعرف العلويين طيبين وفقراء، يمكن عشر قادة فرق فقط هن يلي عايشين، وهدول العلويين حاطينون وقود للاستفادة منهم، وهم أبناء ضيع ما عندن أكل ولا خبز، وإذا مرض واحد منون بموت وما معه حق دواء " نلاحظ هنا أن يوسف الجادر يصوغ خطاباً وطنياً جامعاً يقول أن المعركة هي ضد نظام سياسي وليس ضد طائفة ولمصلحة طائفة أخرى، ولهذا ولهذا فقط فقد تم قتله بعد ساعات من كلامه بتاريخ 15 / كانون الأول 2012 من قبل الإسلاميين الذين كانوا قد بدأوا يتسلقون ظهر الثورة، ولهذا السبب كان العمل جارياً على قدم وساق دولياً وإقليمياً بمشاركة الإخوان المسلمين ومن راهن عليهم لتصفية مشروع بناء جيش حر وطني واستبداله بمشروع بناء مجموعة من الفصائل الإسلامية التكفيرية أو في أحسن الأحوال نصف التكفيرية، ولهذا لم يكن غريباً واعتباطياً أن يقف جورج صبرا ممثل رياض الترك في قيادة المعارضة ضد قرار وضع جبهة النصرة على لائحة الإرهاب، من خلال القول أنها تمثل فصيلاً ثورياً من فصائل الجيش الحر وأنها جزء من الثورة السورية، كما لم يكن غريباً أن يكون جورج صبرا من ضمن جوقة رئيس الائتلاف حينها الشيخ معاذ الخطيب ومعه جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسهم فاروق طيفور الذين استماتوا في الدفاع عن النصرة. وهنا يمكن أن نفهم أكثر كلام الدكتور برهان غليون في كتابه " عطب الذات... سورية ...ثورة لم تكتمل " كيف أن رياض الترك أصبح يرى الإسلاميين أقرب إليه من القوميين أو اليساريين أو الشيوعيين، فرياض الترك منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي أصبح يرى في الإسلاميين من أمثال الإخواني الطليعي عدنان عكله وحسني عابو وإبراهيم اليوسف مثالاً للثائر والمناضل، وأصبحوا أقرب إليه من أي نموذج آخر بمن فيهم من أمضوا معه عقوداً في النضال ضد النظام والذين قضوا معه أكثر من عقد في سجونه من قوى اليسار السوري " التحرري " بمختلف مشاربهم بمن فيهم رفاقه في الحزب الذين غادروا الحزب فرادى وجماعات منطقيات وفرعيات قواعد وقيادات على إثر موقفه من الصراع الذي احتدم في الثمانينيات بين النظام والإخوان المسلمين. ولهذا كذلك لم يكن غريباً أن يرى رياض الترك زمن الثورة في بندقية القاعدي ثم الداعشي أبو محمد العدناني ( طه صبحي فلاحة ) بندقية ثورية ما دامت بندقية مرفوعة بوجه النظام، فرياض الترك وتياره كان شعارهم " كل بندقية ترفع في وجه النظام هي بندقية ثورية " دون النظر إلى عقل من يحملها أو الأجندة التي يقاتل من أجلها، ومن المفارقات المضحكة المبكية أن هذا التيار سارع عندما شعر بالخيبة وأن الكثير من الفصائل التي تقاتل النظام لها أجنداتها الخاصة المرتبطة بأجندات إقليمية ودولية معادية للثورة، أقول سارع ليقول أن هؤلاء هم عملاء للنظام السوري وأنهم من صناعة أجهزة مخابراته، ثم انتقلوا من مقولة أن النظام هو المجرم الوحيد إلى مقولة المجرم الأكبر بعد أن اكتشفوا أن هناك الكثير من المجرمين من حاملي السلاح متغلغلين في صفوف الثورة، وبعد أن اكتشفوا أن سلاح هؤلاء المجرمون جر الثورة إلى سياق آخر معاد لأهدافها وموجه ضد صدر الثورة كما هي بندقية النظام. فمنذ اليوم الأول للثورة السورية وأمام أنظار وأسماع تيار إعلان دمشق الذي يقوده رياض الترك الذي دخل في تحالف معهم لقيادة الثورة في المجلس الوطني ثم الائتلاف سعى الإخوان المسلمون إلى اعتبار الثورة استمرار وامتداد عضوي لصراعهم ضد النظام أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات والذي كان يعني استمرار خوض الصراع على أساس طائفي . وقد قدم القيادي البارز في إعلان دمشق سمير نشار شهادة حول هذا الموضوع بعد أن قفز من مركب الإخوان الغارق بعد سبع سنوات من الركب في هذا المركب. حيث يقول في رسالة موجهة إلى جماعة الإخوان المسلمين نشرها على صفحته على الفيسبوك ونقلها موقع السفينة الالكتروني جاء فيها " في مطلع شباط من عام 2012 ، وبمناسبة الذكرى الثلاثين لمجازر حماه التي ارتكبها نظام حافظ الأسد في شباط من عام 1982 ، عقدنا ندوة صحفية في أحد فنادق استنبول أنا ونائب المراقب العام للإخوان المسلمين للتحدث عن تلك المجازر الرهيبة التي قامت بها قوات النظام من الوحدات الخاصة وسرايا الدفاع بحق النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين عموماً من سكان المدينة والتي راح ضحيتها الآلاف أو عشرات الآلاف من السكان. ما استوقفني وأدهشني قول نائب المراقب العام هو أن الثورة التي انطلقت في شباط عام 1980 في حماه أزهرت بعد ثلاثين عاما ". ثم يكمل ليقول " أثناء أحد الاجتماعات للهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة وأثناء عرض الباحث الدكتور رضوان زيادة ورقة ، ما أذكر فيها ، أن أحداث الثمانينيات التي وقعت في سورية ...حتى وقف أحد قادة الإخوان المسلمين من أعضاء الائتلاف وقاطعه للدكتور زيادة قائلاً: إنها ثورة وليست أحداثاً ، كان جالساً قريباً مني الأستاذ علي صدر الدين البيانوني نهضت إليه وسألته هل ما وقع بسورية عام 1982 ثورة ؟؟ أجابني لا لم تكن ثورة وإنما انتفاضة، وسألته وأين وقعت تلك الانتفاضة ؟؟؟ قال في مدينة حماه وحلب وقليلاً في مدينة حمص، قلت له قل لأصدقائك إنها لم تكن ثورة ، هز برأسه " ثم يتابع " في عام 2017 كما أعتقد وفي مؤتمر صحفي للمراقب العام للإخوان المسلمين ونائبه، قال نائب المراقب العام في ذلك المؤتمر أن الثورة السورية هي امتداد لثورة عام 1982 ماذا يعني كل ما ذكرت من شواهد وخلال المحطات المختلفة لقادة الإخوان المسلمين ؟؟؟ أنه يعني برأيي أن الإخوان المسلمين يعتقدون بل ويؤمنون أن ما حدث في سورية من اغتيالات فردية وجماعية ( مجزرة مدرسة المدفعية بحلب عام 1979 ) من قبل الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين لسوريين آخرين من الطائفة العلوية وسواء أكانوا معارضين للنظام أو من أتباع النظام أو أناس عاديين لا علاقة لهم بالسياسة ومجرد كونهم علويين هم مستهدفون من تلك الثورة المزعومة وهذا للأسف ما كان يحدث، ثم يتابع في رسالته ويقول " على قادة الإخوان المسلمين السوريين الذين على ما يبدو لم يتعلموا دروس التاريخ، 1- إن أحداث الثمانينيات هي أحداث طائفية بادرت بها الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين ولا علاقة للشعب السوري بكل مكوناته وخاصة المكون السني بتلك الجرائم التي ارتكبت من قبل تلك الفئة، والتي استدعت نظام الأسد الذي كان ينتظر مثل تلك الفرصة للانقضاض على المجتمع السوري وقواه الحية، وهذا ما أقدم عليه لاحقاً...الخ " 2- كان الأفضل لقادة الإخوان المسلمين ويصب في مصلحتهم ، لو كانوا أذكياء أن يقفزوا عن تلك المرحلة المظلمة من تاريخهم والظالمة للشعب السوري ....الخ " 3- يقع الإخوان في خطأ جسيم آخر إذا ظنوا أن هناك علاقة ما بين ما جرى من أحداث بالثمانينيات من القرن الماضي وبين ثورة الحرية والكرامة لكل السوريين بكل مكوناتهم، لم يرفع السوريون شعار الإسلام هو الحل ، وإنما رفعوا شعار سورية بدها حرية ....الخ " في الواقع إن هذه الشهادة تكشف لنا:
أولاً: إن سعي الإخوان المسلمين إلى أخونة وأسلمة الثورة السورية لم يكن سراً على حلفائهم وشركائهم في قيادة المعارضة كما ادعى رياض الترك أكثر من مرة بعد مغادرته المركب الإخواني بعد أن غرق وأغرق جميع من ركب معهم.
وثانياً: تكشف إرادة الإخوان على الاستمرار في خوض الصراع مع النظام على أساس طائفي وهو الأمر الذي تجلى لا في عودة الوجوه الإخوانية القديمة التي كانت مسؤولة عن خوض هذا الصراع إلى واجهة جماعة الإخوان فحسب بل إلى واجهة قيادة المعارضة السورية. فالإخواني فاروق طيفور الذي تسنم نائب المرشد داخل الجماعة ومنصب نائب رئيس الائتلاف السوري المعارض كان يتباهى أمام أسماع وأبصار كل السوريين بمن فيهم شركاؤه في الائتلاف من تيار إعلان دمشق في لقاء مطول بث على حلقات على محطة أورينت التي يتابعها المعارضون السوريون كيف أنه كان المسؤول والمخطط لمجزرة 17 نيسان 1985 التي نفذها من خلال تفجير وسائط النقل – الباصات والقطارات – المتجهة من دمشق وحلب إلى مدن الساحل السوري التي تقطنها أغلبية من الطائفة العلوية، وقد جاءت هذه المجزرة على حد قول طيفور في إطار تكتيك إخواني لخوض الصراع كان يقوده طيفور من العراق بوصفه المسؤول العسكري في التنظيم الإخواني زمن نظام صدام حسين، وهذا التكتيك كانوا يسمونه " لسعة الدبور ".
وثالثاً: إن الأخطر من كل ذلك أن هذا التوجه الإخواني الذي صمت عليه شركاؤهم وحلفاؤهم في إعلان دمشق كان يلتقي مع جهود ورغبة ومساعي النظام للقول للسوريين بشكل عام وللطائفة العلوية بشكل خاص ومعها الأقليات الدينية الأخرى أن الصراع زمن الثورة هو ذاته الصراع القديم مع الإخوان وحيث كان الهدف منه شد العصب الطائفي داخل الطائفة العلوية من جهة ولتطييف الصراع والثورة، وهو الأمر الذي نجح في تحقيقه النظام إلى الحدود القصوى وإلى أكثر مما كان يطمح إليه، ولا سيما بعد أن تصدر المشهد السياسي والعسكري المعارض بشكل مكشوف أصحاب اللحى والخطاب الطائفي.
رابعاً: في الواقع إن أهم ما جاء في رسالة سمير نشار كان جزأها الأخير والذي كان من المفترض قوله للإخوان قبل الدخول معهم في تحالف لتشكيل قيادة الثورة وقبل إعطائهم حصة الأسد في هذا التحالف وحتى قبل ذلك بكثير أي قبل التوقيع معهم على بيان إعلان دمشق عام 2005 وحيث كان الأجدر تضمين مضمون هذه الرسالة كبند في وثيقة الشرف الوطني الإخوانية بدل حديثهم عن ثوابت الأمة ومن ثم كبند في إعلان دمشق 2005 كدليل ذي معنى يثبت أن الإخوان قد نقدوا ماضيهم وبما يعني استعدادهم للدخول بروح جديدة إلى صفوف المعارضة، إلا أن الأمر لم يحدث لا بسبب ذكاء ودهاء الإخوان في السكوت عن ماضيهم وتمرير جرائمهم بل بسبب أن الطرف الآخر وهنا أقصد رياض الترك وتياره لم يكن يرى في ماضيهم ما يعيبهم وبما يعني ضرورة نقده والتبرؤ منه فكلنا يعلم أن الترك وكما بينت في هذا المقال ومقال سابق لم يدن أفعالهم في تلك الجولة من الصراع مع النظام. لقد تم تغطية هذه الإرادة الإخوانية تحت شعار يقول إن السنة في سورية هم أم الصبي – أي الثورة – وهذا في الواقع حقيقة لا شك فيها، كون أهل السنة كانوا الحامل الأساسي للثورة السورية. ولكن هذا الأمر كان يخفي قولاً إخوانياً آخر لم يعترض عليه شركاؤهم في المعارضة من تيار إعلان دمشق الذي يقوده رياض الترك. قولاً يعتبر أن الإخوان هم الأحق في الوصاية على هذا الصبي. وهنا نعود للفكرة الوهم وللمطابقات الخاطئة التي ذكرتها في السطور السابقة من هذا المقال فكرة المطابقة الخاطئة بين إرادة الأغلبية السنية مع إرادة الإخوان وفكرة المطابقة الخاطئة التي تعتبر أن الهوية الوطنية السورية هي ذاتها الهوية الطائفية لأهل السنة، وهنا أقول إذا كان صحيحاً أن الوطنية السورية لا يمكنها أن تتشكل وتنهض من دون الأغلبية السنية في سوريا، فإنه من غير الصحيح كذلك اختصار الوطنية السورية واستبدالها أو جعلها على مقاس الهوية الدينية أو القومية للأغلبية الدينية أو القومية أياً يكن نوعها. لقد شكلت الكلمة التي ألقاها جورج صبرا الذي مثل بالتأكيد الطبل الذي ضرب عليه رياض الترك كي نسمع صوته أمام المجلس الإسلامي السوري المهيمن خير دليل منطوق ومكتوب على هذه المطابقات الخاطئة والبائسة. وهنا أتفق مع ما جاء في مقال الكاتب والباحث السوري علاء الدين الخطيب بتاريخ 25 / 5 / 2017 المنشور على موقع بيت السلام الإلكتروني تحت عنوان " مظلة جورج صبرا الوطنية، هل يمثل المجلس الإسلامي السوري مسلمي سورية ؟ " والذي يفند فيها كلمة جورج صبرا أمام المجلس الإسلامي السوري الذي عقد مؤتمره في مدينة إسطنبول التركية في العام نفسه، حيث لخص المقال أهم النقاط التي تدلل على كل المقولات التي ذكرتها سابقاً في هذا المقال وحيث يأتي أهمها وأخطرها الفهم الجديد والطائفي للوطنية السورية والسعي القديم الجديد لاستنهاض الوطنية السورية عبر الطائفة والدين، لقد لخص المقال أهم النقاط التي جاء ت في كلمة جورج صبرا وحيث نجد فيها النقاط التالية " 1- المجلس الإسلامي هو المظلة للوطنية السورية . 2 - المجلس الإسلامي يجب أن يكون المظلة التي تنبت قيادة للثورة وللوطن. 3 - أسلاف الشيوخ في المجلس، ويقصد الشيوخ المسلمين، في القرن الماضي هم من أسس الوطنية السورية. 4 - الوطنية السورية بحاجة لإيقاظ، ومن مهام المجلس إيقاظها، وعليه إحيائها. 5 - مهمة هذا المجلس إعادة القرار الوطني السوري للسوريين. 6 – السيد صبرا ساهم مع المجلس منذ إنشائه في صياغة خطة عمل " ولكي نعلم عن أي وطنية بائسة يتكلم جورج صبرا يمكن للقارئ كما يقول الباحث علاء الدين الخطيب في مقالة " أن يعود إلى قسم المجلس الإسلامي السوري الملف التعريفي على موقع المجلس الرسمي ليبحث عن الوطنية السورية التي يريدها السيد جورج صبرا، ويرى أهداف المجلس التي تتلخص في العمل لتكون سورية إسلامية سنية وفق مذهب السادة وشريعتهم، وأن الوطنية حسب مقاييس هذا المجلس هي المسلمين السنة – أبناء الأمة - والباقي أهل ذمة أو كفر أو عهد ينظر بحالهم حسب رؤية " قادة الكتائب ومشايخهم " طبعاً بمن فيهم جورج صبرا " ولمن يريد أن يتوسع في معرفة نوع الوطنية المغشوشة التي يتحدث عنها جورج صبرا، يقول لنا الباحث علاء الدين الخطيب ما علينا سوى العودة إلى ما نشره المجلس الإسلامي على موقعه الرسمي تحت عنوان " شيخ قراء بلاد الشام يعلن الجهاد وجوباً عينياً على كل مسلم " كما الاطلاع على ما جاء في " قسم الفتاوى الرسمي للمجلس الإسلامي الإلكتروني وتحت عنوان " التكييف الفقهي للمعركة القائمة مع النظام ". ليجد أن هذه المظلة التي تنزع الصفة الإسلامية عن كل الطوائف الإسلامية الموجودة في سوريا وتجعلها صفة حصرية لأهل السنة والجماعة تعتبر الشيعة " بذرة الشر " والعلويين " طائفة خارجة عن الدين باتفاق أهل العلم " ومن المؤكد أن أوصاف الطائفة الاسماعيلية أو طائفة الموحدين الدروز وغيرهم من الطوائف والمذاهب الدينية الصغيرة في سوريا لن تكون بأحسن حال من الأوصاف التي وصف بها الشيعة والعلويين. إن المضحك المبكي في كلام جورج صبرا ليست في اعتبار هذا المجلس الديني الطائفي مظلة وطنية فحسب بل في كون هذا المجلس تحول إلى مظلة سياسية ومظلة شرعية دينية لتغطية الأطماع التركية العثمانية الجديدة في شمال وشمال شرق سوريا، كما تحول إلى مظلة تغطي عملية التغيير الديمغرافي في سوريا والتي تشارك فيها تركيا نظام الأسد وحليفته إيران وروسيا, إن المجلس الإسلامي السوري الذي تشكل في مدينة إسطنبول التركية في نيسان 2014، والذي ضم حوالي 40 هيئة ورابطة من أهل السنة والجماعة منها الهيئات الشرعية لأكبر الفصائل الإسلامية العسكرية، يذكرنا بالمجلس الإسلامي الأعلى للثورة الإسلامية الذي تشكل في إيران عام 1986 بقيادة محمد باقر الحكيم والذي ضم فصائل الإسلام السياسي الشيعي المعارضة لنظام صدام حسين في العراق والذي شكل المظلة التي دخل الغول الإيراني إلى العراق تحت عباءتها – ومن المؤكد أن الجميع أصبح يعرف بقية الحكاية التي نعيش آخر فصولها الآن مع الثائرين في الشوارع العراقية - وهنا نسأل جورج صبرا ومن يقف وراءه هل تعتقدون أنكم ستكونون يوما ما بمنأى عن الشتائم التي ستطال كل من أدخل محتلاً أجنبياً واستباح الوطن مهما كانت الذريعة كما يحصل الآن في أرض العراق. في الواقع إن ما لا يدركه جورج صبرا وغيره هو أن إجرام النظام ومسؤوليته عن كل ما حصل للسوريين من قتل واعتقال وتهجير ودمار للحجر والشجر والبشر وجلب للاحتلالات لا يعطي رخصة لأحد من موقع المعارضة في أن يفعل أو يقول ما يشاء، فالتاريخ القريب والبعيد لن يرحم أحداً، فكما يقال ليس مهماً النوايا، وليس مهماً ألا تكون عميلاً للعدو، فقط يكفي أن تكون غبياً حتى تخدم عدوك الداخلي أو الخارجي أو الاثنين معاً.
السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا – 21 – lemonde.in 5 of 5
لومـــــوند : نبيل ملحم الواحد والعشرون: لغم الأسلمة في إعلان دمشق 2005 لقوى التغيير الديمقراطي: لا يوجد في التاريخ المعاصر ما يشبه ال...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك