السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا – 16 –

لومـــــوند : نبيل ملحم
السادس عشرة : بداية ظهور الشهوة المعندة للأسلمة والوقوف على يسار الإسلاميين لدى التيار " الدينوقراطي ":
عرفت سوريا في عقد السبعينيات من القرن الماضي نوعان من الحراك السياسي المعارض:
الحراك الأول : كان حراكاً سياسياً وفكريا وثقافيا سلمياً قادته بشكل أساسي أحزاب اليسار " التحرري " بكل أنواعها وأشكالها وأحجامها التي أشرت إليها في الحلقة الخامسة عشر من هذه السلسلة، حيث كانت زيادة القشرة السياسية المتحركة التي كانت ترفد هذه الأحزاب بالنشطاء الذين كانوا يدخلون إلى جسد هذه الأحزاب والمناصرين والمتعاطفين من أهم معالم وتجليات هذا الحراك السياسي السلمي، كما تجلى في الحراك النقابي المعارض، والذي بدأ داخل اتحاد الكتاب والصحفيين السوريين، ثم انتقل إلى نقابات المهندسين والأطباء والمحامين ...الخ حيث وصلت ذروة هذا الحراك بدءاً من النصف الثاني من شباط وصولاً إلى آخر آذار 1980 حين نفذت نقابة المحامين السوريين إضرابا عاماً في كافة المدن السورية احتجاجا على السياسية القمعية والاعتقالات العشوائية التي انتهجها النظام حينها ثم تضامنت نقابتي الاطباء والمهندسين مع نقابة المحامين واصدرتا بيانا طالب برفع حالة الطوارئ ووقف القمع من قبل السلطة الأسدية، كما شهدت معظم المدن السورية إضراباً للأسواق التجارية لم تكسره إلا دمشق بتجارها وعلمائها الدينيين البراغماتيين حسب قول الباحث محمد جمال باروت، قبل أن تتمكن وتضع السلطة الأسدية يدها على المنظمات والاتحادات النقابية في سوريا بشكل كامل ومطلق، حين اصدر رأس النظام حافظ الأسد مرسوماً تشريعياً بتاريخ الثامن من شهر نيسان قضى بإعطاء رئيس مجلس الوزراء الحق بحل النقابات، وبنفس اليوم تم حل النقابات السورية، وتم اعتقال أهم القياديين في نقابة المحامين والمهندسين، وبعد أسابيع من ذلك الاجراء قام النظام بتعيين الموالين له في قيادة النقابات السورية لتتحول إلى يومنا هذا إلى منظمات تعمل تحت إدارة وإشراف وأمر النظام الأسدي الحاكم ، وحيث جاء هذا الحراك السياسي السلمي المعارض كرد فعل طبيعي من نخب المجتمع وقواه السياسية والنقابية نتيجة:
أولاً : عمل النظام وسعيه الدؤوب لإغلاق المجال السياسي بشكل كامل في وجه المجتمع بشكل عام وبوجه نوى المجتمع السياسية – أحزابه - بشكل خاص إن كان منها التي رفضت الدخول إلى حظيرة جبهته الوطنية التقدمية أو التي خرجت ولم تعد تحتمل البقاء في هذه الحظيرة الأسدية.
ثانياً : رداً على صعود طبقة اجتماعية إلى قمة هرم الدولة والسلطة والهرم الطبقي الاجتماعي العام داخل المجتمع السوري، طبقة تقوم بنهب وسلب الثروة الوطنية من خلال الفساد والإفساد الذي بدأ يستشري في مفاصل الدولة والمجتمع والاقتصاد، ولم تسلم منه حتى البنية الأخلاقية والطبقية للمجتمع السوري، وحيث استثار هذا النمط من النهب حتى البرجوازية السورية العاملة في السوق التي كانت قد صفقت ورحبت بالحركة التصحيحية وقائدها حافظ الأسد والتي بدأت تسعى للحصول على نصيبها من كعكة النهب.
ثالثاً : رداً على عملية عسكرة المجتمع وتطييف وترييف الدولة والسلطة، كما رداً على الإجراءات والممارسات القمعية التي بدا يمارسها النظام بحق كل أبناء المجتمع وقواه السياسية والاجتماعية، والتي توسعت وتمادت الى الحدود القصوى مع بدء انفجار الصراع المسلح بين النظام وتنظيم الأخوان المسلمين في سوريا، بدءاً من النصف الثاني من عقد السبعينيات.
رابعاً : رداً على انخراط النظام بالمشروع الأمريكي في المنطقة والذي تمثل حينها بموقف النظام من الحرب الأهلية التي انفجرت في لبنان بتاريخ 13 نيسان 1975 ودخول الجيش السوري إلى الساحة اللبنانية في حزيران 1976 بهدف إجهاض المشروع الوطني الديمقراطي للحركة الوطنية اللبنانية حليفة منظمة التحرير الفلسطينية، وحيث شكل موقف النظام من الصراع في لبنان دفعاً وزخماً جديداً في اتساع القشرة السياسية المتحركة المعارضة للنظام، فموقف النظام هذا شكل القشة التي قصمت ظهر علاقة الحزب الشيوعي السوري – جناح المكتب السياسي- وحزب الاتحاد الاشتراكي مع الجبهة الوطنية التقدمية التابعة للنظام.
الحراك الثاني : في نفس الفترة كان هناك الحراك العسكري لتنظيم الإخوان المسلمين في سوريا الذي استغل كل مفاعيل وأسباب الحراك السلمي السابقة الذكر مضافاً إليه.
أولاً: أنه أتى أولاً في إطار الجهاد العالمي للجماعات الإسلامية الإخوانية ، ثم بعد ذلك في إطار الوظيفة الجديدة للإسلام السياسي في العالم من خلال استخدامه أمريكياً كأداة في الاستقطابات الإقليمية والدولية القائمة في زمن الحرب الباردة، حيث يكفي هنا الإشارة إلى الإضاءة التي قدمها حول هذا الموضوع الباحث السوري طارق عزيزة في مقال بتاريخ 15 /10 / 2018 على موقع حفريات تحت عنوان " الاخوان المسلمون والجهاد العالمي بدايات الدم " يقول "...في ثمانينيات القرن الماضي تدفّق آلاف الإسلاميين على أفغانستان قادمين من شتى أصقاع الأرض للمشاركة في القتال ضد الغزو السوفييتي. لم يكن هدف هؤلاء دحر السوفييت فحسب، بل كانوا مدفوعين بأيديولوجيا تهدف إلى إقامة حكم إسلامي متخيّل، وثمّة أيضاً فئات أفغانية ناهضت الحكومة وتبنّت أيديولوجيا إسلامية منذ المرحلة التي سبقت الغزو السوفييتي. أقام الإخوان السلمون صلات وثيقة مع هؤلاء ، حتى أنّ المصادر الاخوانية تصفهم ب " قادة الثورة الأفغانية "، مثل مذكّرات سعيد حوّى ( 1953 – 1989 ) أحد منظري الجماعة البارزين ، والذي شغل مراكز قيادية في تنظيم سوريا كما التنظيم الدولي للإخوان، وسنركّز على إخوان سوريا كمثال عن دور الفروع الرئيسية للجماعة وتأثيرها في " الجهاد الأفغاني " في مذكراته كتب حوّى : " كانت زيارتنا الأولى لباكستان فرصة طيبة فقد زرنا الأستاذ المودودي ...ومن لاهور انطلقنا إلى بيشاور واجتمعنا ببعض قادة الثورة الأفغانية، استمعنا للجميع وتقدمنا بعد ذلك بمشروع مشترك نحن والجماعة الإسلامية ينص على إيجاد قيادة مشتركة عليا لحركة الجهاد الأفغاني فما اتفقوا عليه ينفذ وما اختلفوا فيه يحكمون فيه الجماعة الإسلامية والإخوان المسلمين، وقد قبلت الجهات كلها هذا المشروع ولكن كان علينا أن نكون بجانبهم بشكل دائم، ولقد وعدهم بعضنا أن نرجع خلال شهر ولكن لم يحدث ذلك مما أوقف المشروع، ولقد عاتبوا على ذلك يوم زرناهم مرة أخرى بمناسبة وفاة الأستاذ المودودي رحمه الله ، معنى ذلك أنّ المقصود من " الجهاد الأفغاني " و" الثورة الأفغانية " التي يتحدث عنها حوّى هو نشاط الجماعات الإسلامية ضد الحكومة الأفغانية ، لأن المشروع طرح في الزيارة أيلول سنة 1979 ) في حين لم يكن قد بدأ " الجهاد الأفغاني " ضد الاتحاد السوفييتي، لأن التدخل العسكري المباشر أو الغزو واسع النطاق نفسه بدأ بعد ذلك بأشهر، وتحديداً في الأيام الأخيرة من عام 1979 ...في كل الأحوال رغم توقف المشروع الذي أشار إليه حوّى إلا أنّ دور الجماعة في أفغانستان لم يتوقف، بل تعمق باضطراد وذلك على مستوى سياسات التنظيم الرسمية وكذلك الدور العملي للكوادر ومبادراتهم على الأرض. وما سهل على الإخوان تحريك الأشخاص والأموال بيسر وسهولة من مختلف البلدان إلى أفغانستان وبالعكس، أنّ الولايات المتحدة الامريكية أيضاً استثمرت في " الجهاد الأفغاني " إذ حشدت حلفاءها من دول الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي لدعمه حين رأت في أفغانستان ساحة معركة ستحسم الحرب الباردة الطويلة مع الاتحاد السوفييتي، وهو أمر أحسن الإسلاميون عموماً والإخوان على نحو خاص استغلاله ".
وثانيا ً : وهو الأهم أن تحرك الإخوان المسلمين في سوريا جاء بهدف تكوين عصبية طائفية مقابلة للعصبية الطائفية التي كان قد بدأ ينسجها النظام الأسدي حول سلطته وداخل الدولة من اليوم الأول لوصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في 16 تشرين ثاني 1970، فقد بدأ الإخوان المسلمين صراعهم مع النظام بروح دينية طائفية بحتة بدءاً من بداية السبعينيات عندما حركوا الشارع في مظاهرات في بعض المدن السورية وبشكل رئيسي في حلب وحماة وحمص عندما احتجوا على الدستور الذي وضعه نظام حافظ الأسد في 13 آذار عام 1973، لا كونه دستور أتى به نظام مستبد جاء من خلال الانقلاب العسكري، ولا كونه دستور أقر في مادته الثامنة احتكار حزب البعث الحاكم لقيادة الدولة والمجتمع، ولا كونه هذا الدستور لم يوضع من قبل جمعية تأسيسية منتخبة، ولا كونه أعطى رئيس الجمهورية من الصلاحيات ما لم يعطى لأكبر الطغاة في التاريخ، بل وهنا المفارقة المضحكة أن هذه التظاهرات التي دفع بها الإخوان جاءت اعتراضاً على مسودة الدستور الدائم الذي تم وضعه للبلاد، من حيث عدم تضمينه للمادة التي اشتمل عليها دستور 1950 تلك التي قضت بان يدين رئيس الجمهورية بدين الإسلام، وهو الأمر الذي قاد حافظ الأسد إلى القيام بالتفافه على هذه الاحتجاجات من خلال مجموعة من الفتاوى من هنا وهناك كلنا يعرفها، وهي الالتفافة التي من المؤكد أنها لن تقنع الإخوان ولا غيرهم، ولكن احتجاجات الإخوان المسلمين ذات الطابع الديني والطائفي التي ظلت كالنار تحت الرماد هي من ستؤسس في المستقبل وبعد حوالي ما يقارب النصف قرن من الزمن حين ستكبر بذرتها وتنمو في زمن الثورة على النظام الأسدي، سوف تتجلى في الشعار المخزي الذي تبنته الفصائل الإسلامية التي اختطفت الثورة السورية والقائل " وما جئنا إلا لنصر دين الإسلام " . ثم كانت المواجهة الثانية للإخوان المسلمين مع النظام الاسدي بدءاً من النصف الثاني من السبعينيات والتي بدأت بسلسلة من الاغتيالات الفردية التي أخذت طابعاً طائفياً بحتاً، حيث شملت عدداً من الشخصيات العسكرية والمدنية التي تنتمي للطائفة العلوية، ثم توجت هذه الاغتيالات بالمجزرة الطائفية التي قام بها الضابط الإخواني الهوى والعقيدة وبعثي التنظيم إبراهيم اليوسف في مدرسة المدفعية العسكرية في حلب، والتي كشف النظام على إثرها ولأول مرة عن صراعه مع الإخوان المسلمين بعد أن كان قد أخفاه لفترة – طيلة فترة الاغتيالات الفردية - حيث كانت خطة النظام استجرار الإخوان المسلمين إلى المستنقع الذي يشتهي معاركتهم وصراعهم بداخله. لقد كان جوهر الصراع الذي انفجر في الساحة السورية أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي بين النظام الاستبدادي الأسدي وتنظيم الإخوان المسلمين صراعاً طائفياً مكشوفاً، بالرغم من كل ما أخفاه في عمقه وتحت جلده من مصالح طبقية داخلية ومصالح سياسية إقليمية ودولية, لقد كان صراعاً بين نظام استبدادي بدأ يرتكز على عصبية طائفية علوية أو لنقل بدأ ينسج هذه العصبية حوله كقاعدة احتياطية لحكمه مضافة لقاعدته السياسية الطبقية، وبين جماعة الإخوان المسلمين التي اندفعت إلى مواجهته على شكل تمرد عسكري مسلح يطمح لبناء عصبية طائفية أخرى مقابلة على شكل وهيئة تنظيم سياسي عسكري حاول وعمل الإخوان المسلمون تحديداً على تشكيلها وتحريكها والنفخ فيها، أي في الجوهر كان صراعاً بين قطبين طائفيين داخل المجتمع السوري - والأصح القول : عصابتان طائفيتان كما وصفهما الشاعر السوري حسن الخّير الذي دفع حياته ثمناً لهذا القول عام 1980 عقاباً له على قصيدته " ماذا أقول " - قطب مثله نظام طائفي وقطب مثله الإخوان المسلمون وكل منهما سعى لابتلاع والتهام طائفة لصالحه للاستقواء بها وبما يعني أن الالتفاف والاصطفاف مع أي من القطبين كان يعني الانجرار إلى المستنقع والصراع والاستقطاب الطائفي داخل المجتمع السوري، لقد كانت المفاضلة بين هذين القطبين هو نوع من العبث السياسي، مفاضلة كانت تشبه في عبثيتها من يعمل دون طائل لفصل وجهي عملة عن بعضهما، وهو الفصل والعبث السياسي الذي وقع فيه أكبر قطبين داخل اليسار " التحرري " في السوري، حيث قام الحزب الشيوعي – المكتب السياسي – بزعامة رياض الترك بتفضيل الوجه الإخواني من خلال الدعوة للتحالف معهم في حين فضلت رابطة العمل الشيوعي وجه النظام - على الأقل من الناحية النظرية - حين قامت بتجميد شعار إسقاط النظام في تقرير آب 1980 على ما أعتقد، واستبدلته بشعار النضال من أجل دحر الديكتاتورية والظفر بالحريات السياسية ومحاربة الحلف الرجعي الأسود – رغم أن شعار إسقاط النظام ظل سائدا على صعيد التحريض السياسي والممارسة السياسية العملية للرابطة في تلك الفترة وما تلاها، ورغم صوابة طرحها بضرورة تشكيل القطب الثالث المستقل عن قطبي النظام والإخوان المتصارعان. إن ما زاد من خطورة الاصطفاف والالتفاف حول هذه الأقطاب الطائفية في سوريا هو في كونها كانت امتداداً لأقطاب طائفية بدأت تتشكل على المستوى الإقليمي, وتحديداً بعد انتصار الثورة الدينية الخمينية في إيران أواخر السبعينيات من القرن الماضي وما أطلقته في الواقع العربي والإسلامي من شرارة وفتيل الصراع والاستقطاب الديني الطائفي الشيعي السني, فكما شكل النظام الأسدي في سوريا قطباً طائفياً كونه يرتكز على العصبية الطائفية ( العلوية ) وتحالف مع إيران الخمينية الشيعية على هذا الأساس وشكل حاضنة للإسلام السياسي الشيعي في المنطقة ( العراق - ولبنان ), كذلك شكل النظام الصدامي في العراق زمن صدام حسين قطباً طائفياً كونه يرتكز على العصبية الطائفية ( السنية ), وشكل حاضنة للإسلام السياسي السني الإخواني في سوريا, كما شكل قطباً طائفياً يتمحور حوله ويعتمد عليه كل حكام دول الخليج العربي. وعلى هذا الأساس شكلت بالعمق حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران صداماً بين مشروعين طائفيين كل منهما يخفي في عمقه مصالح طبقية وسلطوية كانت هي أساس ولب الصراع, كما شكل الاصطفاف حول هذه الأقطاب المتحاربة والمتصارعة نوعاً من الانزلاق والاصطفاف الطائفي أو الانتماء إلى خندق الصراع الطائفي. في هذه اللحظة السياسية بدأت شهوة التحالف مع الإسلاميين تظهر داخل جناح من اليسار السوري " التحرري " وتحديداً داخل الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي – وبشكل خاص عند أمينه العام الأول رياض الترك ، كما هنا بدأت التجربة والمحاولة الأولى لخلط قطيع الذئاب، أقصد هنا الحراك العسكري للإخوان المسلمين مع قطيع الظباء، أقصد الحراك السلمي السياسي – الحزبي والنقابي والشعبي - الذي أشرت إليه في الأسطر السابقة. فمع تاريخ وقوع مجزرة المدفعية في تاريخ 16 حزيران 1979 والتي كان خلف ارتكابها الطليعة المقاتلة الاخوانية، لم ينكشف الصراع وبشكل سافر بين النظام الاسدي والطرف العسكري الذي يعاركه ويصارعه في المستنقع الطائفي فحسب، بل انكشف وتفجر مع هذا التاريخ الخلاف السياسي من أوسع أبوابه بين أحزاب اليسار " التحرري " المعارضة للنظام، وحيث كان الموقف من جماعة الإخوان المسلمين ومن والأعمال الإجرامية التي بدأت تمارسها طليعتها المقاتلة هي المحور الذي تركزت حوله الخلافات السياسية بين مختلف أحزاب اليسار المعارض، فهنا ظهرت للمرة الأولى عند زعيم الحزب الشيوعي – المكتب السياسي- رياض الترك شهوة التحالف مع الإسلاميين، حيث لم يكن حينها غير الإخوان المسلمين على الساحة السورية، كما هنا بدت للمرة الأولى أن هذه الشهوة كانت معندة منذ نعومة أظفارها، وهو الأمر الذي تجلى بشكل صارخ وفاضح لا من خلال طرح رياض الترك مسألة التحالف مع الإخوان المسلمين في تمردهم الطائفي فحسب، بل بوقوف الترك منفرداً ضد إدانة الأعمال الإجرامية التي كانت تقوم بها الطليعة المقاتلة الإخوانية، فالترك وقف بوجه كل أحزاب اليسار المعارض الداعية لإدانة الأعمال الإجرامية التي تقوم بها الطليعة المقاتلة الإخوانية، بما في ذلك أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي - المكون من تحالف الحزب الشيوعي – المكتب السياسي وحزب البعث الديمقراطي وحزب الاتحاد الاشتراكي الناصري بزعامة جمال الأتاسي وحزب العمال الثوري - وضد حتى غالبية أعضاء الحزب الشيوعي – المكتب السياسي – الذي يتزعمه الترك ذاته، ولكي نطلع على تفاصيل وحيثيات هذه الشهوة من المفيد العودة إلى ما كتبه الباحث السوري محمد جمال باروت عن تلك المرحلة في جريدة الحياة بتاريخ 10 نوفمبر 1998 في مقالة بعنوان : " الحركة الشيوعية السورية وأسئلة المصير . جناح "المكتب السياسي" وتفاصيل مساره الصعب من "التصعيد" إلى "المحنة" " يقول : "... وقعت مجزرة مدرسة المدفعية بحلب في 16 حزيران 1979، والتي أعلن تنظيم "الطليعة" للإخوان المسلمين مسؤوليته عن تنفيذها. وفي حين أدان التنظيم العام للإخوان المسلمين المجزرة، وتحدى أن يثبت أي تحقيق علاقته أو صلة بها، مؤكداً أن ضابطاً بعثياً هو الذي نفذ المجزرة، فإن اللجنة المركزية للحزب عممت رسالة داخلية في أواخر حزيران 1979 جاء فيها أن " الحادثة التي ارتكبها ضابط بعثي هي مدانة قومياً وإنسانياً وأخلاقياً ". إلا أن الرسالة اعتبرت أن "هناك أزمة عامة وشاملة " تعيشها سورية نتيجة غياب الديموقراطية " وأن "الديموقراطية" هي الطريق إلى "التغيير الجذري والجوهري". ليس الجديد هنا نقطة "الديموقراطية" بل السكوت وعدم تسمية الإخوان المسلمين أو طليعتهم المقاتلة بالمسؤولية عن المجزرة. وقد استمر هذا السكوت في مطبوعات الحزب ورسائله الداخلية طيلة 1979 - 1980. إلا أن الجديد في خط "التصعيد" هو ما نشره ملحق العدد 210 من "نضال الشعب" في أواخر أيلول سبتمبر 1979، في اعتبار الأحداث الطائفية التي شهدتها مدينة اللاذقية 30 آب/ اغسطس 1979 - 3 أيلول 1979 بأنها "تحرك شعبي" ضد السلطة ... ووصف اضطرابات آذار مارس 1980 وأحداثها، التي جرى وسطها إضراب النقابات، بـأنها " انتفاضة شعبية " وركز على إدانة عنف السلطة في حين تجنب إدانة عنف الإخوان، باستثناء إشارة محلية في صحيفة في اللاذقية تدين العنفين. وعلى رغم أن أطراف "التجمع الوطني الديموقراطي" الذي أعلن في آذار 1980 عن تشكيله من بعض الأحزاب اليسارية والقومية المعارضة، قد رغبت في أن تتم إدانة عنف الإخوان، فإنه تحت ضغط "المكتب" صدر البيان في آذار 1980 خالياً من أي ذكر لموقف من عنف الإخوان. (لاحظ كيف أن الشهوة معندة منذ نعومة أظفارها ) وفي حزيران 1980 عممت اللجنة المركزية رسالة داخلية تؤكد على أن أحد الخيارات المفتوحة أمام المعارضة السورية يتمثل في الدخول بـ " تحالف ديموقراطي - إسلامي – شعبي ". وربما كان "المكتب" متأثراً بذلك بحدث الثورة الإيرانية، الذي شارك فيه شيوعيون وإسلاميون، وهو ما عبرت عنه افتتاحية "نضال الشعب" في آذار 1979 تحت عنوان " وجاءت القارعة ". ( والذي كان محتواه بما يعني أن الحرية تشرق من إيران ويقول ميشيل كيلو بأنه عندما زار حينها المفكر الياس مرقص مع مجموعة من قيادات الحزب في بلدة صلنفة ليأخذوا رأيه بما جاء بافتتاحية نضال الشعب بأن الياس مرقص قال لهم بما معناه بأن الأفضل أن تقولوا أن البربرية والويل قادم من إيران ) غير أن ماهية القوى الإسلامية التي انخرطت في العنف لم تكن يومئذ قابلة لحمل أي نقطة من برنامج "المكتب" أو التلاقي معه، مع أن فصائلها الأكثر عنفية حرصت حين تهديدها عبر رسائل "الكاسيت" أن تستثني أعضاء "المكتب" من التهديد، ودعت في مرات أخرى أعضاء التجمع بمن فيهم المكتب العودة إلى "جحورهم". في آذار 1980 تم إيفاد عضو اللجنة المركزية أحمد محفل لحضور "المؤتمر الشعبي القومي" في بغداد، ولم يكن الهدف اللقاء مع منظمة البعث العراقية التي كان الحوار قد أخفق بشأن ضمها إلى "التجمع الوطني الديموقراطي" بقدر ما كان بهدف إيجاد صوت للحزب في الخارج في حال تعرضه لحملة. وأثار إيفاد محفل جدلاً داخلياً حاداً، وصلت حدته إلى درجة، أن المكتب السياسي اعتبر أن محفل ذهب إلى بغداد على مسؤوليته الشخصية ومن دون استشارة القيادة الحزبية، مما عكس نشوء الخلاف داخل قيادة الحزب حول الموقف من الأحداث. إلى أواخر حزيران 1979 لم يكن هناك خلاف بين أعضاء اللجنة المركزية حول موقف الحزب، بل كان الترك على يمينهم إلا أنه ملتزم كأمين أول بسياسة الحزب. وساهمت مطالبة بعض أطراف التجمع بإدانة الإخوان في إثارة الخلاف حول موقف الحزب وسياسته. وفي تموز يوليو 1980 كان موقف الحزب تصعيدياً تجاه تصفيات طاولت بعض أطراف الحزب في ضوء مفاجآت التوتر ووصوله إلى حد أقصى باتخاذ تدابير وقائية من بينها نقد الإخوان أو إدانة ممارساتهم. وقد عارض الترك ذلك انطلاقاً من أن هذا الموقف لن يقي الحزب من الضربة. في آب 1980 كان اتجاه قيادة "التجمع" هو لإدانة الإخوان، وعارض ممثلا الحزب ذلك. إلا أن ذلك أنشأ انقساماً ما بين طرفين في قيادة الحزب، يقود الدكتور احمد فايز الفواز التيار الأول الذي يقول بالإدانة في ضوء تغير الوضع وسحق الإسلاميين، في حين يقود الترك التيار الثاني الذي يرفض الإدانة انطلاقاً من أنها مشاركة متأخرة في سلخ البقرة ولن تقي الحزب من الضربة. أما الصوت الثالث فكان شيوعياً تقليدياً طبقوياً يرى إدانة الإخوان دون قيد أو شرط بوصفهم قوة معادية بنيوياً للتقدم، ومثل النقابي البارز والشيوعي القديم وعضو المكتب السياسي عمر قشاش ذلك. ظهرت المواقف الثلاثة في اجتماع المكتب السياسي للحزب كتداول للآراء وليس كتصويت. وقد رفض الترك إجراءات التصويت، ربما لوجود أغلبية نسبية مع خط الإدانة، وأحال ذلك إلى اللجنة المركزية التي اتضح فيها استقطاب شبه متعادل عدديا تجاه موقفي السكوت والإدانة، فأحال الترك باسم اللجنة المركزية موضوعات الخلاف إلى القواعد. وعبر ذلك عن نوع من حل وسط بين المواقف الثلاثة. واتفق في القرار نفسه على أن تعقد اللجنة المركزية اجتماعاً يبت باقتراحات الاجتماعات الموسعة لمنظمات الحزب. وقد تمت هذه الاجتماعات المؤتمرية القاعدية فعلاً، إلا أنه تم بالصدفة اعتقال عضوي المكتب السياسي الفواز والقشاش اللذين يحملان تقاريرها فانقطع الاتصال. ولم يعقد اجتماع اللجنة المركزية إلا بأعضائه المتواجدين في دمشق، وكانت الأولوية في هذا الظرف لدى الترك هي موضوع الحملة مع بقاء موضوع رأي القواعد في المواقف الثلاثة أساسياً. وقد منعت الحملة الشاملة انعقاد الاجتماع الموسع مع اللجنة المركزية ومندوبي المنطقيات. وكلفت الحزب آلاماً باهظة بقدر ما أخرجته من استقطاب أو ربما تفكك داخلي. ولم يكن بيان ميشيل عيسى الذي يتهم فيه الترك بمسؤولية "تعاون" الحزب مع الإخوان سوى محاولة لتلبيس الترك المشكلة، لا سيما أنه تم بعد اعتقاله. وفي كل ذلك لم يحدث أي لقاء عملي ما بين "المكتب" و"الإخوان"، مع أن "الطليعة المقاتلة" دأبت على نشر بيانات المكتب والتجمع في "النذير". بل كان تصور اللقاء مع الإسلاميين نظرياً سياسياً وليس إجرائياً أي لم يتم ترجمته فعلياً إلى عمل، أما العلاقة مع العراقيين فقد أخفقت بشكل تام منذ اواخر 1979، وتم استبعاد فكرة ضم منظمتهم إلى "التجمع" نهائياً....." ان المضحك المبكي في الموقف الايجابي لرياض الترك من اعمال الطليعة المقاتلة الاخوانية، والذي تجلى في عناده في رفض إدانته أعمالها العسكرية الطائفية، هو أنه في الوقت الذي تبرأ تنظيم الاخوان المسلمين ولو كذباً وربما خجلا من فجاجة وشناعة المجزرة الطائفية التي ارتكبت في مدرسة المدفعية في حلب، نجد أن السيد رياض الترك لم يخجل من رفضه إدانة أعمالها العسكرية التي أخذت في مجملها طابعاً طائفياً بحتا، كما نجد من عجائب الدنيا السبعة في " ديمقراطية " رياض الترك، أنه في هذا الوقت أخذ قرار الفييتو ضد دخول وانضمام رابطة العمل الشيوعي في سوريا إلى التجمع الوطني الديمقراطي، الذي أعلن عن تشكيله في آذار 1980، كما نجد في مقابل شهوة رياض الترك للتحالف مع الإخوان المسلمين، رد الطليعة الإخوانية التي قادت الصراع المسلح إن كان ردها على موقف رياض الترك الإيجابي من الإخوان أو ردها على الحراك السلمي ككل بما في ذلك تحرك النقابات وتحرك " التجمع الوطني الديمقراطي " 1980، يقول محمد فاروق الإمام في سلسلة مقالات بعنوان " ليل آذار الطويل "- 8 – أورينت – نت- 7 / 3 / 2015 ، بأن الطليعة المقاتلة الإخوانية " أصدرت بياناً في حلب سخرت فيه من المطالب الديمقراطية الليبرالية للنقابات ودعت إلى مواصلة المجابهة المسلحة حتى إسقاط النظام ، فقد رأت ( الطليعة ) في برنامج النقابات وتبني ( التجمع الوطني الديمقراطي ) له محاولة قومية يسارية لاستثمار ما قامت به وأدت أعمالها إليه ، والاستيلاء السياسي عليه ، ولم تفلح محاولة بعض الإخوان النقابيين من إقناع ( الطليعة ) بتأييد برنامج الإضراب " . لقد كان من أولى نتائج هذه الشهوة السياسية لرياض الترك التشظي التنظيمي في أوصال حزبه حيث غادر الحزب منطقيات وفرعيات بالجملة والمفرق، أما النتيجة التي حصدها السوريون كلهم شعباً وأحزاباً ومعارضة ونقابات نتيجة الصراع المسلح بين الإخوان المسلمين والنظام فنجد:
أولاً : إن النظام استغل صراعه مع الإخوان المسلمين فكانت فرصة له لتسريع وتمتين العصبية الطائفية التي كان قد بدأ بإنشائها في الوقت الذي فشل فيه الإخوان في التهام وابتلاع وجر الشارع السني بشكل خاص إلى ما كانوا يطمحون إليه والشارع السوري بشكل عام، وذلك يعود لا كونهم لم يخوضوا هذه المواجهة على أرضية برنامج وطني ديمقراطي فحسب بل كون أنيابهم الطائفية كما أنياب النظام كانت مكشوفة في هذه المواجهة لكل السوريين.
ثانياً : استغل النظام هذا الصراع مع تنظيم الإخوان المسلمين المسلحين فقام بممارسة المجازر المروعة وبطابع طائفي بحق المدنيين الأبرياء في المناطق التي مارس فيها الإخوان أعمالهم المسلحة كما حدث في مدينة حماة وبعض أحياء مدينة حلب ومدينة جسر الشغور، فالصراع مع الإخوان كان فرصة للنظام كي يوجه رسائل للمجتمع السوري بأن الدمار الشامل سيكون هو مصير أي معارضة أو ثورة أو تمرد على النظام، وحيث كان ما فعله النظام بمدينة حماة من دمار ومجازر بتاريخ 2 فبراير 1982 نموذجاً ودرساً ينبغي من وجهة نظر النظام على السوريين أن لا ينسوه بوقت قريب.
ثالثاً : صحيح أن الإخوان فشلوا في جر الشارع السني كما كانوا يطمحون إلا أن هذه المواجهة التي استخدم فيها النظام القمع البربري بمذاق ونكهة طائفية مكشوفة وصلت إلى حدود نزول قوات سرايا الدفاع إلى وسط مدينة دمشق وقيامهم بنزع الحجاب عن رؤوس النساء في الشوارع، ولد ردة فعل في شروط إحكام النظام من سيطرته على المجال العام السياسي إلى اندفاع الشارع السني إلى الدين والتدين كنوع من المقاومة السلبية أو إلى ممارسة السياسة من خلال الإيديولوجيا الدينية وهو ما أطلقت عليه في مقال سابق استبطان السياسي في الإيديولوجي، وهو الأمر الذي لاحظه النظام وبنى على أساسه وعلى أساس كل نتائج المواجهة مع الإخوان استراتيجيته التي أشرت إليها في حلقة سابقة من هذه السلسلة والقائمة على اعتماد الدين كصديق وعدو مفيد للمستقبل.
رابعاً : لقد استغل النظام هذا الصراع فقام بالقضاء الكامل على الحراك السلمي الذي شهدته فترة السبعينيات وأوائل الثمانينيات، الأمر الذي وفر فرصة وذريعة كي يسيطر النظام على النقابات بعد أن تم حلها وإعادة تشكيلها وفق إرادة النظام، كما قام بحملة اعتقالات شعواء طالت صفوف كل الأحزاب المعارضة دون استثناء ولم تأت نهاية الثمانينيات إلا وكان النظام قد أوغل في ضرب الأحزاب المعارضة إلى الحد الذي جعل الساحة السورية خالية إلا من بقية باقية صغيرة ممن تبقى من هذا الحزب أو ذاك ممن نجوا من حملات الاعتقالات المتواصلة والاستئصالية. 
خامساً : ومن نتائج هذه المواجهة أن البرجوازية السورية التي صعدت على ظهر الحصان الإخواني المقاتل استطاعت من فوق ظهره عقد زواج كاثوليكي مع النظام فنشأت طبقة تحالف كبار رجال السلطة والمال والدين الذين شكلوا الثالوث المدنس والطبقة العليا لدولة الاستبداد المعمم الأسدية وهنا اكتملت بعد مسار طويل – من حياتها في كنف سلطة البعث بدءاً من انقلاب 8 آذار 1963 كل ملامح برجوازية جديدة في سوريا أطلقت عليها في مقال سابق برجوازية الحركة التصحيحية وهي سلالة طبقية قطعت بشكل كلي ونهائي ثقافياً وسياسياً وأخلاقياً واقتصادياً مع البرجوازية السورية التي عرفها المجتمع السوري قبل صعود البعث إلى السلطة.
السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا – 16 – lemonde.in 5 of 5
لومـــــوند : نبيل ملحم السادس عشرة : بداية ظهور الشهوة المعندة للأسلمة والوقوف على يسار الإسلاميين لدى التيار " الدينوقراطي "...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك