السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا 12

لومــــوند : نبيل ملحم
ثاني عشر : بربرية النظام السوري تشكل منصة انطلاق لاستراتيجية أمريكية قديمة جديدة في المنطقة :
كنت قد تناولت في مقالين سابقين على صفحات جريدة اللوموند الطابع الشمولي لقوى السوق في بنية وسلوك القوة القائدة للنظام الرأسمالي العالمي، وعمل هذه القوة تاريخياً على إغلاق صيرورات التطور في أطراف النظام الرأسمالي العالمي ما أمكنها ذلك، وقد كان عنوان المقال الأول " النظام الرأسمالي العالمي ومتوالية تفتت العالم سياسياً " وعنوان المقال الثاني " إغلاق صيرورات التطور وخطر خروجنا من التاريخ " حيث أن هذين المقالين يشكلان حلقتين من هذه السلسلة من المقالات التي تكشف عن السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا كما أعتبر ومن وجهة نظري أن ذلك يشكل السياق التاريخي العام الموضوعي والذاتي لفهم كل ما حدث ويحدث حتى الآن على وجه هذا الكوكب منذ أكثر من قرن من الزمن بما في ذلك ما يحدث من تغيرات طالت حتى الطبيعة والمناخ. فالرأسمالية منذ نشوئها وانطلاقها الموسع مع الثورة الصناعية الأولى وصولاً لثورة المعلوماتية والاتصالات مروراً بكل الثورات التي كانت بينهما وبكل أشكال إعادة هياكل وجودها وما فرض عليها من صفات مكتسبة في بعض المراحل إلا أنها احتفظت عبر كل تاريخها بما يمكن تسميته بجينات وراثية متأصلة في صبغياتها الأساسية وال DNAالمميز لها حيث نجد دائماً صفة التوسع وإحكام السيطرة والاحتكار في كل ساحة اشتغال فعلها، ونجد صفة التطور اللامتكافئ، وحيث تفرض هاتين الصفتين بالضرورة الصفة الثالثة المتمثلة بالعمل على تفتيت وتذرير البنى الرخوة والهشة في كيانها العالمي لصالح القوة القائدة لهذا النظام، وهو الأمر الذي يفسر باعتقادي كل الأعمال البربرية التي عرفتها العصور الحديثة، وحيث كانت ذروتها في النصف الأول من القرن العشرين، ثم تتالت بشكل ناعم تارة في المراكز، وخشن تارة أخرى في الأطراف حيث أصبحت تطول كل البنى الرخوة داخل النظام الرأسمالي العالمي، وسيبقى هذا سائداً باعتقادي حتى يقول التاريخ كلاماً مختلفاً عن ذلك سواء كان ذلك في إطار الرأسمالية أو في إطار تاريخي جديد. ولا أستبعد في سياق هذا الفهم نكوص وعودة القارة الأوروبية إلى مرحلة الدولة القومية ولكن بعد تجريدها من وظائفها السيادية التي ميزت نشأتها الأولى . وكون الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت بشكل أساسي وميداني هي القوة القائدة لهذا النظام بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين فإن الحديث عن أي استراتيجية لهذه القوة الأمريكية إن كان في ساحتنا السورية أو اتجاه شعوب المنطقة إن كانواً عرباً أو كرداً أو فرساً أو تركاً أو أياً من الشعوب الأخرى التي تقطن وتعيش بين هذه الشعوب ينطلق من هذا الفهم بما في ذلك استراتيجيتها تجاه البشر الذين تم استقدامهم من شتات العالم ليحتلوا ويقيموا على الأراضي الفلسطينية تحت مسمى شعب دولة إسرائيل، حيث أن ذلك الفهم يجنبنا الوقوع من جهة في مطب نظرية المؤامرة بشكل عام كما يبعدنا عن نظرية المؤامرة في شكلها المبتذل والتي غالباً ما تشكل منطق الكثير من النظم والقوى السياسية التي تستخدمها من باب الكلام الحق الذي يراد به الباطل. وحيث يمكن تلخيص وبإيجاز شديد ما كنت قد تناولته في المقالين السابقين بالقول أن القوة القائدة للنظام الرأسمالي العالمي بالدرجة الأولى ومعها النادي والأعضاء الرئيسيين في قيادة هذا النظام بالدرجة الثانية – ما يسمى قوى مركز هذا النظام – تعمل موضوعياً أي بفعل منطق بنية هذه القوة ومنطق ساحة اشتغال النظام الرأسمالي العالمي القائمة أساساً من جهة على التوسع وإحكام السيطرة على المناطق التي يتوسع إليها ومن جهة ثانية القائم على قانون التطور اللامتكافئ، وذاتياً بفعل وعي قيادة النظام الرأسمالي العالمي - ولا سيما بعد أن تعرض النظام الرأسمالي العالمي عبر تاريخ وجوده لأكثر من هزة وأزمة خانقة كادت ان تطيح به من أساسه - لمصلحته ومصلحة استمراره وكذلك مصلحة القوة القائدة له ومصلحتها في ديمومة القيادة والتربع على رأس هذا النظام العالمي وضرورة العمل على التفتيت العمودي للخواصر والحلقات الضعيفة الهشة في سلسلة النظام الرأسمالي وذلك ودائماً عندما تتوفر الشروط المناسبة للقيام بعملية التفتيت هذه. على هذا الأساس سأنطلق في مقالي هذا بتناول الاستراتيجية الأمريكية القديمة الجديدة في المنطقة العربية بشكل عام قبل أن أنتقل لتناول هذه الاستراتيجية تجاه الساحة السورية وكل ذلك في ضوء التداعيات السياسية التي ولدها الربيع العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص عند الشعوب والحكام والقوى الإقليمية والدولية. حيث أن كل هذه التداعيات شكلت مناخاً مناسباً لتفعل وتطلق القوة الدولية القائدة للنظام الرأسمالي العالمي كل المشاريع والخطط الاستراتيجية للقيام بفعل التفتيت في الساحات التي شكلت خواصر وحلقات ضعيفة وهشة بفعل وبسبب حكامها الذين يتحملون المسؤولية الأولى والأخيرة عما وصلت إليه الساحات التي يحكمونها منذ عقود وعقود من الزمن. فهذه النظم التي قامت على مدى عقود وعقود من نهب وسلب وقمع وحشي بربري لشعوبها لم توفر الشروط الموضوعية لانفجار شعوبها بوجهها فحسب بل وفرت الشرط اللازم والكافي لتدخل القوى الخارجية حيث يأخذ الفعل الخارجي أقصى درجاته ومداه في التأثير، أي حيث تستطيع قوى الخارج أن تفعل فعلها كيفما تشاء وحيثما تشاء. ففيما يتعلق بالاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة بشكل عام يمكن القول بأنه لطالما شكل الوجود والدعم الأمريكي العسكري والسياسي لدول الخليج العربي غطاء يحمي المصالح الأمريكية والخليجية من المخاطر التي كانت قائمة زمن الاستقطاب الإقليمي والدولي السياسي والإيديولوجي في الحرب الباردة, وفي الواقع فإن تلك المخاطر في ذلك الزمن والتي حول الغرب وعلى رأسهم الأمريكان دول الخليج إلى أشبه ما يكونوا بمحميات عسكرية وسياسية، لم تكن مخاطر محدقة ومباشرة تهدد أمن واستقرار وحتى كراسي الممالك والإمارات الخليجية، فلا المد الشيوعي ولا القومي وصل إلى الأراضي الخليجية إلى الحد الذي يمكن أن يبرر كل هذه الحماية الغربية والأمريكية, فحتى حرب الخليج الأولى التي اندلعت بداية الثمانينيات من القرن الماضي بين إيران والعراق – في بوابة الخليج العربي - لم يكن لها أن تكون خارج الإرادة والرغبة الغربية الأمريكية من أجل الاستفادة منها في أكثر من مجال، حيث يأتي في المقدمة تعزيز الحماية والعوائد المتأتية من هذه الحماية, وإذا ما استثنينا مخاطر حرب الخليج الأولى فإن الحماية كانت وعلى مدى عقود من الزمن نوعاً من درء المخاطر بشكل استباقي أو لنقل نوعاً من الاستعداد لمجابهة أي خطر قد ينشأ أو يحتمل أن ينشأ في المستقبل, وقد كانت إجراءات الحماية الاحتياطية تلك ذريعة كي تدفع دول الخليج ثمن هذا الغطاء العسكري والسياسي الذي تقدمه الإدارات الأمريكية المتعاقبة وحتى زمن قريب هو الحصول على الذهب الأسود, أي النفط وعائداته والاستثمار في هذا المجال من أوسع الأبواب, واليوم فإن الحسابات الأمريكية على ما يبدو قد تغيرت بدءاً من إدارة باراك أوباما والتي يكملها خلفه ترامب وربما من سيأتي بعد ترامب, فالأمريكان وبعد أن أفرغت خزانتهم من الدولارات وبعد أن تراكمت الديون بالتريليونات فإنهم لم يعد يهمهم ولم تعد حاجتهم للنفط الخليجي بالطريقة والكيفية والكمية التي كانت قائمة في الزمن الفائت لأسباب عديدة منها أن الأمريكان أصبح لديهم مصادر عديدة داخلية وخارجية من الذهب الأسود كما أصبح بإمكانهم الحصول عليه بأقل الأسعار متى شاؤوا, وعليه فإن الأمريكان وبدءاً من إدارة أوباما التي أتت بعد دورتين لبوش الابن الذي أفرغ الخزانة الأمريكية من الدولارات وأثقل ديونها نتيجة الاستراتيجية التي كانت مركزة على الخارج, أقول فإن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة تقوم على كشف ظهر محمياتها الخليجية سياسياً وبنفس الوقت ترك أو إفساح المجال للمشروع الإيراني كي يتمدد كقاطع طريق إقليمي ( في اليمن والعراق وسورية ولبنان والبحرين) إلى الحد الذي يضع دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية على حافة الهاوية ثم بعدها يتم أو سيتم التدخل الأمريكي في زمن ترامب وربما ما بعد ترامب مقابل أن تدفع السعودية ومعها دول الخليج اللازم من الدولارات ونقداً هذه المرة للخزانة الأمريكية مقابل الحماية والإنقاذ, إنها ما يمكن تسميته بسياسة الترفيق الأمريكي للمصالح الخليجية. والمقصود هنا بالترفيق هو الوجود والدعم والمساندة الأمريكية العسكرية والسياسية والدبلوماسية المباشرة واليومية وفي كل لحظة إلى جانب الحكومات وحيث هذا الترفيق ضروري ليس فقط من أجل مصالح الحكومات ولا من أجل قضايا - كما يتصور البعض - مصالح قومية أو قطرية أو من أجل مصالح اقتصادية أو من أجل نفوذ سياسي إقليمي فحسب بل من أجل ما هو أهم من كل ذلك بكثير فهذا الترفيق ضروري من أجل البقاء في السلطة أو لنقل العصيان بالسلطة والسطو عليها من هذا الحاكم أو ذاك كما من أجل التغطية على جرائمها وفضائحها اليومية فهذه تشكل أولوية أساسية لا تفوقها أولوية أخرى تستلزم الدعم الأمريكي المباشر وفي كل لحظة في مقابل الدفع الكاش من الدولارات للخزينة الأمريكية، وهنا أقول بأنه حتى عملية تولية ولاية العهد في المملكة العربية السعودية للابن بدل أحد الأخوة والذي يعد خروجاً عن تقاليد الأسرة الحاكمة في المملكة في توريث السلطة لم يكن لها أن تتم وتحصل لو لم تكن مدفوعة الثمن مالياً وسياسياُ للإدارة الأمريكية وحتى لروسيا البوتينية. وقد أصبح هذا الترفيق ضرورياً وملحاً بعد ترك قاطع الطريق الإيراني يتمدد في المنطقة إلى الحد الذي يشكل خطراً جدياً ومحدقاً لطريق وممرات ومناطق نفوذ ووجود المصالح الخليجية لا بل ترك هذه المخاطر تتمادى لتصل وتدق أبواب كل دول الخليج حيث لا تهدد المصالح الاقتصادية لهذه الدول فحسب بل تهددها في بقاء هويتها وكياناتها السياسية المعروفة الآن, إن هذا يعني أن الحروب والصراعات القائمة في المنطقة وبعد أن أخذت طابعاً دينياً وإقليمياً ستطول وستستمر إلى أجل غير معروف بأشكال وأدوات عديدة, كما أن هذا يفسر ويترجم تصريحات بعض الساسة الأمريكان في الفترة الأخيرة المطالبة لدول الخليج – ولا سيما المملكة السعودية - للدفع المالي الكاش مقابل الحماية المقدمة في الوقت الحاضر فكل النفط الخليجي الذي ينهبوه لم يعد كافياً بل يحتاجون الآن للدفع الكاش فوقه مع تجريدهم من حقهم في تحديد سعر برميل النفط حيث يبقى السعر مناسباً للاقتصاد الأمريكي، أو الدفع الكاش مقابل وجود وبقاء قواتها في شمال شرق سوريا بحجة مكافحة الإرهاب الداعشي أو بحجة حمايتهم من الميليشيات والقوى التي دخلت كلها على خط الصراع السوري والعراقي واليمني واللبناني ولا سيما بعد أن أفسح الأمريكان لكل قاطع طريق إقليمي ودولي أن يوجد ويسرح ويمرح في المنطقة, فإذا كانت المصالح الامريكية ومعها الخليجية قامت في شكلها القديم من خلال خلق استقرار جيوسياسي محدد ونسبي في المنطقة فإن تحقيق هذه المصالح وتحديداً الأمريكية الآن يقوم على أساس خلق عدم استقرار جيوسياسي (فوضى خلاقة) تجعل من كل الأطراف ولا سيما الخليجية بحاحة إلى ترفيق لمصالحها ووجودها من خلال الحماية الأمريكية والدفع كاش من الدولارات, وهنا أقول واهم من يعتقد أن أمريكا ستدعم دول الخليج وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية لاقتلاع المخلب الطائفي الإيراني من الجسد العربي, فأقصى ما ستقدمه أمريكا لهم مقابل ما دفعوه وما سيدفعونه في المستقبل من أموال للخزانة الأمريكية هو تقوية المخلب الطائفي السعودي في مواجهة المخلب الطائفي الإيراني أو لنقل إيجاد حد من التوازن بين المخلبين، توازن كفيل بإبقاء الصراع والاستقطاب الطائفي في المنطقة إلى أطول مدة ممكنة وحيث يقود في المستقبل إلى تفتيت شعوب المنطقة إلى مجموعة من الكيانات الطائفية وحيث الكيان الإسرائيلي سيكون أكبر وأقوى هذه الكيانات, فهنا لا يهم الأمريكان والاسرائيليون حجم النفوذ الإيراني في المنطقة إن كان في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن أو في أي ساحة عربية، لأن جلّ همهم هو مدى الأذى والضرر الذي يحدثه هذا النفوذ في النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية وبما يعني حجم التمزق والتفتت في هوية هذه المجتمعات, كما لا يهم الأمريكان والاسرائيليون حجم النفود الروسي في المنطقة كون هذا النفوذ جاء ليحمي ويتعيش على هذا التفتت، فأي قطعة من جسد المجتمع العربي إن وضعت في فم الدب ( الأصح الكلب) الروسي لن تضر بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية لأن المصلحة الامريكية الإسرائيلية في تفتيت المنطقة العربية تفوق ضرر إعطاء الكلب الروسي أو الإيراني أو أي كلب آخر عظمة أو قطعة من الجسد العربي, فسايكس بيكو الجديد يختلف جذرياً عن القديم في طريقة بنائه وتمريره، فالقديم تم بناؤه وتمريره من الأعلى إلى الأسفل في حين أن الجديد يتم بناؤه من الأسفل إلى الأعلى، وهنا تكمن خطورته, فالتقسيم القديم تم بإرادة دولية أو كان تعبيراً عن مصلحة إرادة دولية استعمارية فرضت بالحديد والنار على شعوب المنطقة فرضاً عبر الاحتلال العسكري المباشر في حين نجد أن التقسيم الجديد يتم بالحديد والنار ويعبر عن إرادة مصالح قوى طائفية محلية لها امتدادات إقليمية وبغطاء ورعاية وحماية الإرادة الدولية ومصالحها . لهذا كان طبيعياً أن تكون أمريكا شريكة للدول الإقليمية ( قطر والسعودية وتركيا ) وشريكة للمعارضة السورية التي تصدرت المشهد السياسي في أسلمة الثورة السورية فهذه الأسلمة العسكرية كانت ضرورية لأمريكا كي تخلق في وجه إيران فزاعة رعب دينية مذهبية, فالأمريكيين كانوا يعلمون كما يعلم الجميع أن إسقاط النظام السوري حتى على يد قوى علمانية ديمقراطية يشكل حالة رعب لإيران فكيف إذا أتى هذا السقوط على يد مجموعة فصائل عسكرية إسلامية سنية تملك مشروعاً نقيضاً لمشروع إيران المذهبي لا في سوريا فحسب بل في كل أرجاء المنطقة العربية والإسلامية, وقد استطاعت أمريكا أن تحقق من خلال استراتيجية خلق هذه الفزاعة ما يلي :
أولاً : تفريغ الربيع السوري من محتواه التحرري وتحويله إلى جحيم من الصراع الطائفي .
ثانياً : تأجيج الصراع الطائفي في المنطقة بعد أن شكلت الفصائل الإسلامية السورية السنية الجهة المقابلة للفصائل الإسلامية الشيعية في المنطقة. وهنا من المهم القول بأنه إذا كان هذا التقابل قد تم تصعيده سياسياً منذ اواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات في أكثر من محطة قبل أن يستشري في كامل الجسد العربي، فكانت المحطة الأولى مع انتصار الثورة الخمينية الدينية في إيران وما تبعه ذلك من وضع إيران لكل فصائل الإسلام السياسي الشيعي في المنطقة العربية خصوصاً والعالم الإسلامي عموماً ومعهم بعض النظم العربية – كالنظام السوري - تحت جناحها، وفي مقابل ذلك كان تشكل فصائل الإسلام السياسي الجهادي القاعدي وقبلها كان تشكل الإسلام السياسي الإخواني والتي زجت وهي تحت جناح ممولها السعودي وراعيها الأمريكي - بقيادة مستشار الأمن القومي للإدارة الأمريكية بريجنسكي في الثمانينيات من القرن الماضي - في إطار الحرب الباردة التي أخذت طابعاً عسكرياً على الأرض الأفغانية وحيث أخذ هذا التصعيد طابعاً إقليمياً اشترك فيه أكثر من نظام عربي وإقليمي. ثم كان التقابل العسكري بين الإسلام السياسي الشيعي والإسلام السياسي السني الجهادي القاعدي على الأرض العراقية بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 وما تبعه من إدخال الغول الطائفي الإيراني من أوسع الأبواب إلى المنطقة ومقابلته بالإسلام السياسي والجهادي القاعدي الذي تم تهجيره إلى العراق بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان بعد هجمات 11 ايلول 2001 على برجي التجارة العالمية في نيويورك. ثم كان التقابل العسكري والسياسي في لبنان بعد عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ومن ثم ما خلفته من تداعيات سياسية كان أبرزها حرب تموز 2006 في لبنان وهي الحرب التي حاول من خلالها حزب الله اللبناني وحلفائه الهروب للأمام لتصدير أزمة ومسألة وجوده المسلح من جهة وللتغطية على الشبهات التي حامت حوله في تورطه مع حليفه النظام السوري في عملية الاغتيال من خلال الهروب نحو الحرب. وأخيراً جاءت الثورة السورية ومقابلة النظام لها بالأعمال البربرية لتشكل أهم منصة انطلاق ملائمة للاستراتيجية الأمريكية للعب بورقة الصراع السني الشيعي على نطاق واسع لا على الأراضي السورية فحسب بل ليشتعل هذا الصراع في عموم المنطقة ليصل إلى اليمن شرقاً مروراً بالعراق ولبنان وليتحول الصراع مع هذا الانتشار إلى صراع وتنافس على المصالح والوجود حتى بين النظم ذاتها التي رعت سابقاً هذه الأنواع من الفصائل الإسلامية إن كانت شيعية أو سنية .
ثالثاً : تدمير المنطقة العربية وأهم حواضرها البشرية والسكانية والتاريخية من خلال هذا الصراع الذي أخذ منحىً دموياً وجودياً لكلا الطرفين .ولكي ندرك الدور الذي لعبه الخارج وتحديداً الدور الأمريكي ينبغي علينا أن نتذكر أهم الوقائع التي أدت لهذا الدمار.
أ – ففي اليمن تمت عملية إدارة الظهر أمريكياً لتطبيق المبادرة الخليجية حول الانتقال السياسي في اليمن والتي تم إقرارها بتاريخ 3 نيسان 2011 وحيث تقضي بإجراء انتخابات رئاسية جديدة في شباط 2012 وبالرغم من أن المبادرة تم دعمها بخمس قرارات من مجلس الأمن الدولي إحداها كان تحت الفصل السابع، والذي يعني توفر كل الفرص لتطبيقها وفرضها بالقوة عبر الإرادة الدولية على من يخالفها أو يقف في طريقها، ولكن إدارة الظهر الأمريكية هذه أعطت الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح الوقت والفرصة كي يتحالف مع الحوثيين ومن خلفهم إيران، وهو الأمر الذي سمح له ولشركائه الجدد الحوثيين الانقضاض على عملية الانتقال السياسي ومن ثم السطو بقوة السلاح على السلطة واليمن كلها، وهو الأمر الذي فجر صراعاً دموياً مدمراً في اليمن تحول إلى صراع إقليمي مكشوف وعسكري بين إيران والسعودية، وهو صراعاً ما زال مستمراً ويأكل الأخضر واليابس حتى هذه اللحظة.
ب – وفي ليبيا تمت عملية إدارة الظهر لحكومة الدكتور محمود جبريل التي تسلمت السلطة بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي، وهي السلطة المنتخبة والمحمية بالقرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع بتاريخ 18 أذار عام 2011 والذي تم بموجبه مساعدة الشعب الليبي للتخلص من نظام الطغيان، بل يمكن القول بأنه تمت عملية التآمر عليها وإسقاطها بمعرفة الحكومات الاوروبية ومعرفة الأمريكان ودرايتهم بالتعاون مع شركائهم في المنطقة وعلى رأسهم دولة قطر، حيث رفع الغطاء السياسي عن البرلمان الأول المنتخب وإحباط مشروع الدكتور محمود جبريل في حل الميليشيات وتشكيل جيش ليبي موحد بديل عن الميليشيات المتعددة الهويات والانتماءات، وهو الأمر الذي فجر صراعاً دموياً مدمراً متعدد المنابع والاتجاهات والهويات، وهو بدوره مستمر حتى هذه اللحظة بدون وجود بارقة أمل بإنهائه في الوقت القريب قبل أن يأكل الأخضر واليابس في ليبيا .
ج – وفي سوريا انتظر الأمريكان وهم يماطلون ويخدعون الشعب والمعارضة والثورة السورية من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن ضرورة تنحي الأسد عن السلطة. وهنا من المهم الإشارة والتذكير بالزيارة المشؤومة التي قام بها السفير الأمريكي فورد لساحة العاصي في مدينة حماة السورية الثائرة بتاريخ 8 تموز 2011 حيث كانت الهدف من هذه الزيارة أولاً : تمتين رواية النظام الكاذبة أمام مناصريه أن ما يحدث في سوريا ليس بثورة بل مؤامرة إمبريالية أمريكية وبما يعني إعطاء إشارة للنظام بالاندفاع في أعماله البربرية لقمع الثورة على مبدأ دع الكاذب يصدق كذبته. والهدف الثاني : إرسال رسالة مفتوحة وملغومة للقيادة الروسية والصينية بأن التغيير القادم في سوريا سيكون بنكهة ومذاق أمريكي وهو الأمر الذي دفع الروس والصينيين – ولا سيما بعد أن شعروا بالمقلب في الملف الليبي الذي سبق الملف السوري – وهو الأمر الذي دفعهم إلى الوقوف مع النظام للدفاع عن مصالحهم الجيوسياسية في المنطقة، وهو الأمر الذي تجلى في الفيتو المزدوج الروسي الصيني في مجلس الأمن لأكثر من مرة لصالح النظام وحمايته، وهو الأمر الذي كان ينتظره الأمريكان بفارغ الصبر – علينا أن نتذكر ما قالته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون حينها بأن الإدارة الأمريكية كانت تصلي كي تتخذ روسيا والصين الفيتو لصالح النظام - كي يبقى الجرح السوري مفتوحاً ونازفاً إلى آخر قطرة في وريد سوري وآخر شجرة أو حجر واقفين على الأرض السورية. وثالثاً : كان يرمي من هذه الزيارة إلى إيهام السوريين الثائرين ومعهم المعارضة السورية أن عليهم المضي قدماً في الثورة دون خوف باعتبار أن أمريكا تقف معهم وتحمي ظهرهم. وفي نفس الاتجاه علينا أن نتذكر كيف أن الأمريكان لم يشجعوا المعارضة السورية على الموافقة على اتفاق جنيف رقم " 1 " بتاريخ 30 حزيران 2012 والذي سمي بمبادرة النقاط الستة التي يأتي على رأسها بند تشكيل هيئة حكم انتقالي في سوريا ،وهو الأمر الذي دفع المبعوث الدولي وصاحب المبادرة حينها كوفي أنان لتقديم استقالته بعد إدراكه بغياب إرادة دولية وتحديدا إرادة أمريكية بحل وإنهاء الصراع في سوريا، كما علينا أن نتذكر أن ميزان القوى السياسي والعسكري والأخلاقي والانساني حينها كان راجحاً بشكل كاسح لصالح المعارضة والثورة، وعلينا أن نتذكر أن النظام ومن خلفة روسيا كانوا يصلون كي لا يقوم الأمريكان بتشجيع المعارضة السورية على الموافقة حينها على المبادرة، في حين وجدنا أن الأمريكان بعد سبع سنوات من الدمار الشامل الذي حل على سوريا بأنهم ضغطوا على المعارضة للدخول في مفاوضات مع النظام - بعد أن تغير ميزان القوى بشكل معكوس، بمعرفة ودراية وإشراف وتآمر الأمريكان مع الروس وغيرهم - للدخول في مفاوضات أقل ما يقال عنها أنها مفاوضات استسلام أمام النظام الذي كان سبباً في كل الخراب السوري. لقد كان يفعل الأمريكان منذ البداية – بداية الثورة السورية - كل ذلك بالتوازي مع ما كان يفعله النظام من قطع رأس الثورة والحراك السلمي المدني الثوري، إن كان من خلال زج الآلاف من قادة الحراك الثوري في السجون أو تصفيتهم في ساحات التظاهر، وبعد أن أدرك الأمريكان أن المعارضة السورية أصبحت داخل مؤخرتهم وبعد أن جردتهم من قرارهم الوطني المستقل قام الأمريكان بإطلاق العنان للقوى العمياء الإسلامية من داعش والنصرة وكل مشتقاتهم حيث اشترك الجميع وبدون استثناء بخلق هذه القوى العمياء بدءاً بالنظام وحلفائه مروراً بالدول التي مولت المعارضة بالمال والسلاح كقطر والسعودية مروراً بمن سهل دخول الإسلاميين من كل بقاع الأرض إلى الأراضي السورية كتركيا وبعض جهات المعارضة وصولاً للأمريكان الذين كانوا يشرفون ويديرون كل ذلك من خلال غرفتي المول والموك الشهيرتين. ومع قطع رأس الثورة والحراك في سوريا ومع تواطؤ معارضة رخيصة ومصابة بداء البهيمية السياسية، حدث في سوريا ما يحدث عادة في الطبيعة. إذ يحدث داخل أي مجتمع كما يحدث في الطبيعة في أن يكون هناك جسم يمتلك القوة ولكنه يفتقد للعقل وفي كلا الحالتين أي في الطبيعة والمجتمع، نقول أن ذلك الجسم هو نوع من القوة العمياء، وحيث أهم ما يميز القوة العمياء أنها لا تحدد مسارها وطريقها من تلقاء ذاتها وإنما من خلال الأيادي التي تتقاذفها يميناً وشمالاً. حيث يحدث ذلك في المجتمع عندما يتم قطع رأس حركة اجتماعية سياسية ذات طابع شعبي وجماهيري كاسح، فعندها تفقد الحركة القدرة الذاتية على تحديد اتجاه حركتها ومسارها الطبيعي فهنا يحدث أن يتحدد ويولد للحركة رأس جديد بديل وهزيل وأعمى، يسهل على قوى الخارج السيطرة عليه وقيادته وتحديد اتجاه حركته، وحيث يصبح هنا من أهم خصائص هذه القوة التي تصبح عمياء هو أنها تستطيع أن تجهض ثورة وتهدم المجتمع القديم ولكن دون القدرة على بناء المجتمع الجديد والبديل، وحيث يكون الدمار والخراب هو فقط حاصل الحركة، ولا سيما إذا كانت حركة هذه القوة العمياء في مواجهة نظام بربري لا يرى أمامه سوى كرسي السلطة، وهو الصدام والصراع الذي أنتج دماراً شاملاً في سوريا لم تتوقف فصوله النهائية حتى الآن .
د – وفي العراق فقد غزا الأمريكان العراق عام 2003 وتم تسليمها قبل انسحابهم وأثناء وجودهم فيها إلى مجموعة من لصوص الطوائف دمروا العراق وأوصلوه رغم كل ثرواته إلى حافة الهاوية والإفلاس ولا يزال العراق ينزف دماً ودماراً في اقتتال طائفي منذ حوالي العقدين من الزمن دون بارقة أمل في الخلاص .
رابعاً : إنهاك دول المنطقة حكومات وشعوب وجني الخوات والإتاوات من كل الأطراف المتصارعة إن كان على شكل دفوعات نقدية أو سياسية أو دفوعات كأثمان للأسلحة التي يتطلبها الصراع الذي سرعان ما امتد حتى اليمن شرقاً.
خامساً : إعادة تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ وكيانات تقوم على هويات ما دون وطنية على قاعدة من التحالف غير المعلن أو الموضوعي بين المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني حيث قايضت إيران في مرحلة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بقاء نفوذها في سوريا من خلال بقاء نظام الأسد على كرسي السلطة وتخلي الأمريكان عن معزوفة ضرورة تنحي الأسد مع الاحتفاظ بالحد الأدنى لبرنامجها النووي مقابل تقديم كل الخدمات اللازمة لضمان أمن إسرائيل لعقود وعقود قادمة وكذلك مقابل الاحتفاظ في دورها ومشروعها التخريبي الطائفي للنسج الاجتماعية لشعوب المنطقة، وبهذا المعنى فإن القيادة الإيرانية تعهدت موضوعياً بأن تقوم بنفس الدور الذي كان يلعبه شاه إيران سابقاً في المنطقة مع إضافة وظيفة جديدة لها متمثلة في أنها تحمل مشروعاً طائفياً يلعب دوراً مركزياً في تفتيت النسج الاجتماعية لشعوب المنطقة، وبما يعني دوراً مهماً يساعد في تفتيت هويات وكيانات المنطقة المفتتة أصلاً من قبل . وهنا من المهم القول بأنه إذا كان الاتفاق النووي مع إيران بصيغته الأولى في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد شكل المساومة الأولى مع إيران على حدود دورها في المنطقة عموماً وفي سوريا خصوصاً وهو الدور الذي يمكن إيجازه بالقول أن أمريكا استخدمت إيران كجلاد للشعب السوري واليمني والعراقي واللبناني وكأداة من الأدوات التي قضت على هذا الربيع فإن الأمريكان الآن يطلبون من إيران وبعد إنجاز المهمة المشار إليها أعلاه بإعادة تموضعها العسكري في المنطقة من جهة وبإعادة صياغة الاتفاق النووي من جديد حيث يتم تجريدها بشكل كلي ونهائي من مخلبها النووي وإبقاء وجودها في المنطقة مقتصراً فقط على وجودها السياسي الطائفي. وما السياسة الأمريكية الحالية في عهد ترامب اتجاه إيران المتمثلة بسلسلة العقوبات الاقتصادية التي تزداد يوماً بعد يوم والضربات الإسرائيلية لمواقعها العسكرية في سوريا سوى دعوة وضغط على إيران للمثول أمام الشروط الأمريكية والإسرائيلية الجديدة المشار إليها أعلاه وحيث إيران هنا أمام خيارين لا ثالث لهما. فإما الرضوخ للشروط الجديدة وإما الاستمرار في الضغط الاقتصادي الذي سيقود إذا استمر لفترة طويلة وإذا ما استمرت القيادة الإيرانية بالتعنت والإصرار على دور أكبر من دورها المرسوم أمريكياً وإسرائيلياً فإن الأمور ذاهبة في إيران إلى مواجهة بين شعب أنهكه الجوع من جهة والاستبداد الديني من جهة أخرى وحيث ستكون هذه المواجهة دموية على شاكلة المواجهة التي خاضها الشعب السوري مع نظام الأسد وحيث سيترك النظام المتوحش الديني في إيران ليقوم بما قام به من قبل نظام الأسد بتدمير إيران فوق رؤوس ساكنيها من الشعب الفقير وحيث لن تفعل أمريكا كما يظن البعض بأنها ستقوم هي أو غيرها بنجدة الشعب الإيراني وتخليصه من نظامه البربري بل سيترك كما ترك السوريون من قبل وستكون نتيجة المواجهة تدمير إيران وتفتيتها على الطريقة السورية كما ستكون هناك في النتيجة مساومة مع الأمريكان والإسرائيليين كما فعل الأسد تقود إلى بقاء الملالي على رأس الخربة الإيرانية مقابل رضوخهم للشروط الأمريكية والإسرائيلية المطروحة عليهم. وهنا من المهم القول والإشارة إلى أنه إذا ما انطلق سيناريو التقسيم والتفتيت لإيران فإن ذلك لن يقود إلى الاختلال في التوازنات الإقليمية ذات الطابع الطائفي في المنطقة لأن أمر التقسيم لن يقف عند الساحة الإيرانية بل سيطول المملكة العربية السعودية حيث الخلافات داخل الأسرة المالكة تشكل مدخلاً جاهزاً في أي لحظة تقرر فيها أي من الإدارات الأمريكية القيام بهذا التقسيم. وأمر التقسيم لن يقف عند ذلك بل سيمتد فيما بعد شرقاً وغرباً ليطول روسيا البوتينية وتركيا الأردوغانية عندما تسمح الفرصة المواتية لذلك، وهنا أقول أن كل من أشعل ناراً على الأراضي السورية فإنه سيحترق بها أو ستطوله النيران والوحيدان اللذان سينجوان من هذه النار هما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل اللتان ستستمتعان بالنشوة والمتعة وهم يرون شعوب المنطقة مع محيطها من المجتمعات البعيدة والقريبة وهم يشتعلون بنيران التقسيم. وهي النيران التي ستمتد غرباً لتصل الساحات الأوروبية في مرحلة لاحقة وأن كان على المدى البعيد وغير المنظور، فكل الشعوب التي تركت تحترق بنيران نظمها في الحلقات الهشة والضعيفة في النظام الرأسمالي العالمي ومعها الشعوب التي ستحترق تباعاً في المستقبل ستنقل معها النيران التي احترقت بها إلى أوروبا محطة هجرتها وموطن استقرارها وملاذها الذي سيكون نهائياً هناك .
سادساً : إن هذ الانقسام العمودي للمجتمعات العربية القائم على الاستقطاب الطائفي أو القومي أو الاثنين معاً يوفر الشروط اللازمة والكافية كي لا يتم تفتح واستنهاض موجة جديدة من الربيع في هذه الساحات، وهو الأمر الذي يعني إدخالها في دوامة الحركة الدائرية التكرارية المميتة. وقد كان المرور الباهت والخافت للربيع العربي إلى الساحتين اللبنانية والعراقية اللتين كانتا قد وقعتا منذ زمن في مستنقع الانقسام العمودي الطائفي الصريح والمكرس في التقاليد السياسية والثقافية والدستورية والأعراف مثالاً يدلل على صحة ما أقوله وحيث أن الانقسام العمودي الطائفي إذا ما تم تكريسه فإنه يؤدي إلى انقطاع الحوامل التاريخية للمجتمع وبما يعني خروجه من مسار التطور الصاعد الطبيعي ودخوله إلى خط ومسار الحركة الدائرية التكرارية المغلقة المميتة التي قد تقود إلى السقوط والنزول إلى قاع التاريخ البشري
سابعاً : وهو الأهم بالنسبة للسوريين أن الأسلمة سهلت على الأمريكان - بعد أن حققت من خلالها كل الأهداف المشار إليها أعلاه- بيع الشعب والثورة السورية في السوق العالمية بوصفها بضاعة فاسدة ومريضة ومصابة بالأسلمة والإرهاب. كما تم تصوير الشعب السوري ومعه كل الشعوب العربية بأنهم مجموعة من الهمج والبرابرة الطائفيين الذين يتوجب وضع الوصاية عليهم لترشيدهم ورسم مستقبلهم. لقد واجه الشعب السوري نظاماً استثنائياً لا في قوته العسكرية المعدة بشكل مسبق لمواجهة ثورة الشعب فحسب بل استثنائي في إصراره على البقاء في السلطة والحكم بشكل دائم عبر توريث السلطة من الأب إلى الأبن وإلى الأبد على رأس مجتمع رفض الملكية والحكم الملكي منذ أن تشكلت سوريا الحديثة ككيان سياسي قطري مستقل ( بفعل سايكس بيكو ) ومتميز عن الكيانات والدول القطرية العربية التي ولدت داخل المجتمع العربي بعد الاستقلال عن كيان الامبراطورية العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين. أي واجه السوريون نظاماً عمل على كسر إرادتهم المعاصرة والتاريخية الرافضة للملكية والحكم الملكي أياً يكن نوع العائلة أو الطائفة التي تعمل إلى جرهم إلى مستنقع السلالات العائلية المالكة والحاكمة. وقد عمل وأبدى النظام السوري قدراً غير مسبوق في إصراره على كسر إرادة السوريين إلى الحد الذي جعله يطرح شعاره الشهير والمشؤوم الأسد أو نحرق البلد لا للتخويف والترهيب فحسب بل طرحه كشعار للتنفيذ المباشر, وهو الأمر الذي يفسر سرعة تكشير النظام عن أنيابه البربرية من اليوم الأول لانطلاق الثورة السورية من أرض حوران السورية, وذلك من خلال استخدام العنف العاري من أي غطاء والمنفلت من أي ضابط ومتحرر ومفتوح على كل الحدود, فلم يكتف النظام باستخدام الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين السلميين من اليوم الأول فحسب بل تم استحضار إلى جانب العنف كل أشكال وأنواع العنف الأخلاقي والسياسي حتى في أشكاله الأكثر انحطاطاً, فعدا عن استخدام العنف ضد خصم متهم بالعمالة للخارج الرجعي ( كلنا يتذكر كذبته حول مؤامرة بندر بن سلطان السعودية التي كانت وراء تحرك أهل حوران) أو متهم بالعمالة للعدو التاريخي الإسرائيلي ( كلنا يتذكر قصة الشاب المصري الذي أجبر بعد تعذيبه على الظهور على التلفزيون السوري واعترافه بالعلاقة مع إسرائيل وأهل درعا الثائرة ) أقول عدا عن ذلك فقد استخدم النظام العنف المحمل بشحنة طائفية غرائزية منفلتة من عقالها, فقد أرسل إلى درعا من الأيام الأولى للثورة شبيحته ذوي القمصان السوداء في محاولة لتذكير أهل حوران بشكل خاص والسوريين بشكل عام باحتلال حزب الله في 7 أيار 2007 لمدينة بيروت بعد حرب تموز 2006 مع كل مدلولات ذلك من الناحية الطائفية والعسكرية والسياسية, وبما يعني أن القمع هنا سيكون محملاً لا بشحنة سياسية فحسب بل مضافاً إليها شحنة طائفية غرائزية بربرية بدائية, وهو الأمر الذي عكس نفسه ميدانياً بأن أرسل النظام وحدات منتقاة من القطعان العسكرية والمدنية من الشبيحة لسبي مدينة درعا مهد الثورة السورية, وهو ما ترجم عملياً، لا في حصار مدينة درعا وارتكاب هذه القطعان للمجازر ووضع الضحايا في مقابر جماعية فحسب بل في سبي المدينة بطريقة لم تعرفها مدينة عربية عبر التاريخ إلا في زمن الاحتلال والاجتياح والسبي الذي قام به هولاكو لمدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية والسبي الذي عرفته مدينة حماة في زمن الأسد الأب في بداية الثمانينيات من القرن العشرين, فالنظام لم يقم بالاعتداء على حياة البشر بل قام بالاعتداء على أملاك البشر وعلى كراماتهم وعلى أعراضهم , فلم يسلم من أذى النظام لا الحجر ولا البشر إن كانوا صغاراً أو كباراً ,أو نساءً أو رجالاً , وهنا أقول من المفارقات العجيبة في المأساة السورية هو أن سبي مدينة درعا الذي اعتبره السوريون حينها ( أي في الأشهر الأولى للثورة ) حدثاً غير مسبوق في تاريخهم السياسي سيبدو فيما بعد وعلى مدى ثماني سنوات حدثاً صغيراً أمام الأحداث أو لنقل السبي الذي تعرضت له بقية المدن السورية التي عانت من الحصار والتجويع والقصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ والطائرات والغازات السامة الكيمائية ومن ثم التهجير ثم سرقة لا الأساس المادي للبشر فحسب بل طال وجودهم وتاريخهم الجغرافي والمعنوي والتاريخي. وهنا علينا القول أن أهم ما ميز السبي الأسدي للشعب السوري:
أولاً : ليس كونه كان سبياً مكشوفاً ومقصوداً وكونه جاء في سياق الدفاع عن كرسي الحكم فحسب بل أن هذا السبي كان محملاً بشحنة طائفية مكشوفة ضد الطائفة السنية التي تشكل أكبر الطوائف الإسلامية في سوريا.
وثانياً : إن هذا السبي كان له تحالفاته وامتداداته الإقليمية وهو الأمر الذي عرفته الساحة العراقية بعد أن سلمت حكومة نور المالكي الشمال العراقي الذي تتمركز فيه 12 فرقة عسكرية مسلحة بأحدث الأسلحة عن سابق الإصرار والتخطيط لتنظيم الدولة الإسلامية - حيث عدد الدواعش لم يكن يتجاوز 2000 داعشي – لتجد في ذلك ذريعة لإيجاد إرهاب وخطر في المنطقة يغطي على إرهاب وخطر بقاء النظام السوري في السلطة من جهة ولإيجاد ذريعة للتنكيل وسبي الوسط والشمال العراقي السني، كما عرفت الساحة اللبنانية هذا السبي للطائفة السنية من خلال حزب الله اللبناني الذي حول الجمهورية اللبنانية وعلى المكشوف إلى محافظة إيرانية تابعة لولاية الفقيه الشيعي في قم، ثم امتد هذا السبي شرقاً ليصل إلى اليمن على يد أنصار الله ( الحوثيين ) الذراع الإيراني الشيعي أو المتشيع في اليمن .
وثالثاً : إن هذا السبي تم على مرأى ومسمع هذا النظام الرأسمالي الفاجر الذي تقوده أمريكا وحتى يمكنني القول بأنه تم بإشرافها بهدف تحقيق هزيمة تاريخية لمن يشكلون الغالبية السكانية داخل المجتمعات العربية عموماً وهو الأمر الذي يجعل من إمكانية نهوض شعوب المنطقة أمراً صعبا بعد هذه الهزيمة والسبي والتهجير ولا سيما أن هذه الهزيمة تتم ولو بشكل مخفي تارة ومكشوف تارة أخرى تحت اسم تحالف الأقليات الطائفية في المنطقة وحيث إسرائيل هي من ترعى سراً هذا التحالف، وهنا يمكن القول أن تحالف ممثلي الأقليات من الساسة ورجال الدين الطائفيين تحديداً في المنطقة وحيث وصلت امتدادات هذا التحالف حتى إلى داخل الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو هو تحالف تقوده وتدعمه إسرائيل في السر وفي العلن وهو بداية لتصهين كل المشاريع الطائفية في المنطقة العربية وبما يعني إقامة كيانات سياسية تقوم على أساس الدين والمذهب، إن سر تراخي أمريكا مع الوجود والنفوذ الإيراني في المنطقة حتى فترة قريبة هو أن إيران تشكل رأس حربة مشروع تحالف الأقليات كما أن سر الرضا الأمريكي والإسرائيلي على الدور الروسي في سوريا يأتي في إطار القبول الروسي بالسير في مشروع كهذا مقابل السماح للدب الروسي بالخروج من حظيرته واستعراض بعضاً من قوته وكرامته المهدورة في تصفيات الحرب الباردة.
ورابعاً : إن هذا السبي الأسدي تم من خلال الاستعانة بالخارج الإقليمي والدولي أقصد إيران وروسيا بشكل خاص وهو الامر الذي جعله سبياً على سبي أي إذا كان النظام قد قام بسبي الشعب السوري بنكهة طائفية، فإن القوى التي ساعدت على ذلك قامت بدورها بسبي الشعب السوري كله إلى الحد الذي لم يسلم من هذا السبي حتى سيادة النظام على ذاته ومعه انصاره ، إذ لم نقل أن سبي سيادة النظام كان أولى الخطوات التي تم من خلالها سبي الساحة السورية من حلفاء النظام – إيران وروسيا .
وخامساً : فقد تطور هذا السبي ليصبح سبياً دولياً وإقليمياً شاملاً للساحة السورية من خلال السعي المحموم الذي نشهده هذه الأيام لتقاسم الوجود السوري الجغرافي والبشري بين مجموعة الدول التي تدخلت بالساحة السورية والذين تحولوا مع الوقت إلى شركاء لتصبح سورية بعد ذلك مسبية من إيران وروسيا وأمريكا وتركيا وإسرائيل التي ستنال أكبر الحصص حيث ستكون إسرائيل شريكاً باطنياً للروس والإيرانيين في سوريا المفيدة لهم وللنظام الأسدي. لقد رأى الأمريكان بعد أن أدركوا أن الصراع بين السوريين والنظام قد وصل إلى مرحلة اللاعودة إلى ما قبل 18 آذار من عام 2011 إن تعنت النظام وهمجيته وبربريته التي ظهرت تجاه الثورة من يومها الأول والدعم الإيراني والروسي والصيني للنظام هو أفضل طريقة وفرصة لتحقيق هدفين استراتيجيين مترابطين في المنطقة:
الهدف الأول : ترك النظام والحلف الداعم له بتدمير سوريا فوق رؤوس أصحابها وسكانها, فبذلك يتحقق حلم أمريكي إسرائيلي لطالما حلموا به, فتدمير سوريا كشعب ( وليس كنظام ) هو أفضل طريقة لإخراج سوريا لا من مسرح التاريخ الحديث فحسب بل إخراجها من مسرح التاريخ والديموغرافيا الذي يعرّف سوريا التاريخية، كما يخرجها وربما لعقود وعقود من أي عمل يشاكس ويقاوم مخططات دولة إسرائيل في البقاء والأمن والتوسع على حساب لا الحقوق الفلسطينية فحسب بل حتى على حساب حقوق الشعوب العربية قاطبة. وقد رأى الأمريكان بأنه لكي يتم هذا التدمير لا بد من وجود قوة ( من نفس طبيعة النظام ) تقوم بمواجهة هذا النظام فبذلك يتم من خلال هذه المواجهة تحقيق حلم التدمير. وكان لا بد لإيجاد هذه القوة من العمل على إفراغ الثورة السورية والمقاومة السورية من مضمونها ومحتواها التحرري الديمقراطي, فكان لا بد من أسلمة الثورة السورية من خلال إحلال فصائل عسكرية إسلامية جهادية بديلة عن الجيش الحر الذي كان قد بدأ يتشكل مع بداية الانتفاضة والثورة السورية من خلال الضباط وصف الضباط المنشقين عن النظام والذين رفضوا إطلاق الرصاص على صدور الثوار المتظاهرين في المدن والقرى والبلدات السورية, أي كان لا بد من تحويل الصراع من حقله وميدانه الديمقراطي التحرري إلى ميدانه وحقله الديني الطائفي, حيث تنشأ حرب وصراع شيعي سني على الأرض السورية يشارك فيها كل فصائل الإسلام السياسي الشيعي والسني في الساحات العربية التي يتواجد في نسجها الوطنية شيعة وسنة, وقد كان لا بد لتحقيق كل ذلك من إطلاق يد الوكيل السعودي والقطري والتركي في المنطقة - مع مراقبة هذا الدور والإشراف عليه والتدخل في اللحظة المناسبة لشل فاعلية هذه الأيادي عندما تنتهي من القيام بالوظائف المناسبة للاستراتيجية الأمريكية بخطوطها العريضة تجاه شعوب المنطقة وحكوماتها حتى الحليفة - وهذا ما سأعود لدراسته في مقال قادم - كي يقوموا بهذه المهمة والوظيفة وبما يلزم ويتطلب من هؤلاء الوكلاء من دعم مالي وعسكري وسياسي لقوى الإسلام السياسي السني الجهادي إن كان في سوريا أو خارج سوريا.
الهدف الثاني : كان استخدام الثورة السورية " وحلفائها " الإقليميين الرئيسيين قطر والسعودية وتركيا كأدوات للضغط على إيران من أجل إجبارها على التخلي عن برنامجها النووي وبما يكفل المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة وحيث يتجنب الأمريكان والإسرائيليون ضرورة الخيار والعمل العسكري ضد إيران من أجل تحطيم برنامجها النووي وهو ما كانت تعمل عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ سنوات وسنوات، ولا يزال العمل عليه حتى الآن وبشكل حثيث ومتواصل . لقد شكل نقل ميدان الصراع في سوريا إلى ميدانه الطائفي وتفجر الصراع الشيعي السني والاستقطاب الإقليمي الطائفي ليشكل فرصة ذهبية للأمريكان لانتزاع التنازلات المطلوبة من إيران حول برنامجها النووي، وهي تنازلات تم الوصول إليها كمرحلة أولى في عهد باراك أوباما وتطلب المزيد منها إدارة الرئيس ترامب والتي لن تنتهي إلا بالتجريد الكامل لإيران من مخلبها النووي. فكلنا يعلم أن مسألة إسقاط النظام السوري حتى ولو تم ذلك على يد قوى علمانية ديمقراطية كانت تشكل خطراً استراتيجياً على المصالح الإيرانية في المنطقة العربية وعلى كل المكتسبات التي حققها مشروعها الشيعي الفارسي في المنطقة على مدار أكثر من ثلاثة عقود من الزمن, وقد جاء التهديد الأمريكي لإيران باستخدام الفصائل العسكرية الإسلامية السنية الجهادية كبديل عن النظام كورقة ضغط تولد لا خوفاً عند الإيرانيين فحسب بل هلعاً وجنوناً وهاجساً من نوع خاص, وهنا يمكن القول والجزم أن فكرة الأمريكيين الشيطانية القاضية بأسلمة الثورة السورية جاءت لتحقيق هذا الخوف وهذا الهلع غير العادي لا عند الإيرانيين فحسب بل حتى عند حلفائهم واستطالاتهم في المنطقة, ونقصد هنا بشكل أساسي الإسلام السياسي الشيعي في كل من العراق ( حكومة المالكي ) وفي لبنان ( حزب الله ) , ولهذا كله لم يتردد الإيرانيون وحلفاؤهم في الدفاع عن النظام بكل الوسائل والإمكانيات المتوفرة بما في ذلك المساومة على البرنامج النووي الإيراني, حيث تتم صفقة مع الأمريكان يبقى بموجبها رأس النظام السوري في أعلى هرم السلطة مقابل تخلي إيران عن برنامجها النووي.
الهدف الثالث : لم يهتم الأمريكان والغرب عموماً ومن خلفهم دولة إسرائيل للدم السوري الذي بدأ يسيل على مدار السنوات الماضية التي مارس فيها النظام السوري أشد الهجمات والأعمال البربرية بحق السوريين، فقد كان همهم أن يجعلوا العرب خصوصاً -ولا سيما السوريون - والمسلمون عموماً لا يترحمون على الحقبة الأمريكية بإدارة جورج بوش الابن فحسب بل في جعلهم يترحمون على الحقبة الاستعمارية الغربية السابقة، أن عملهم – وهنا أقصد أمريكا وإسرائيل – على استدراج واستجرار روسيا وإيران إلى المستنقع السوري الذي ساهموا في خلقه كان يهدف إلى إيجاد أعداء جدد للعرب والمسلمين السنة، وتحديداً بدل أعدائهم التقليديين، عدو إقليمي جديد يتمثل بإيران يحل مكان العداء لإسرائيل، وعدو عالمي يتمثل بروسيا حيث تحل مكان العداء التقليدي تجاه الغرب عموماً. لقد أداروا اللعبة والأحداث منذ البداية حيث تقود إلى جعل التغريبة السورية تغريبة تغطي على كل ما قبلها من التغريبات التي عرفتها شعوب المنطقة بما في ذلك التغريبة الفلسطينية، وفي جعلها تغريبة لم يعرفها التاريخ من قبل وربما لن يعرف مثيلاً لها في المستقبل فربما كان هدفهم من ذلك هو خلق عداوات لا تزول بين شعوب المنطقة وداخل نسيج كل شعب من شعوبها، وهي الشعوب التي عادت وواجهت وحاربت في التاريخ الحديث أمريكا والغرب عموماً وإسرائيل خصوصاً طيلة عقود من القرن العشرين. حتى أستطيع القول بأنهم بعملهم هذا يسعون إلى تبييض تاريخهم الاستعماري كما تبييض وجه حليفتهم إسرائيل كما تبيّض في العادة الأموال القذرة . إن موقف الغرب وخصوصاً أمريكا وإسرائيل المتفرج على المأساة السورية والدم السوري لسنوات وسنوات دون التدخل الجدي لوقف المجزرة السورية يجعلني أقول بكل ثقة إننا كنا أمام عملية غسيل للتاريخ بالدم السوري. وعلينا أن نعترف أن هذه العملية قد نجحت بجدارة وكما أريد لها أن تكون. فمن مفارقات التاريخ بأنه بعد حوالي الثماني سنوات من الأعمال البربرية للنظام السوري من قتل وتدمير وتهجير أصبح كل سوري يجد أن المرحلة الاستعمارية الغربية كانت أقل قساوة من قسوة نظامهم عليهم حتى أصبح المواطن العربي يحن للعودة إليها. لقد وصل الأمر إلى الحد الذي أصبحنا نجد بعض السوريين من النخب والعامة يرون في العدو الإسرائيلي عدواً رحيماً إذا ما قارنوا جرائمه بحق الشعب الفلسطيني بالجرائم التي ارتكبها النظام بحق الشعب السوري، حتى وصل الأمر عند بعض النخب السورية المعارضة- التي لم تدرك أن إسرائيل وأمريكا هم من يقوموا بإدارة لعبة القتل والفتك في سوريا - الحد الذي جعلها تقتنع أو تطلب من الإسرائيلي التدخل في الشأن السوري بوصفها مخلصاً للسوريين من بين أنياب نظام متوحش لا حدود لبربريته. فمع بداية الربيع العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص رمت النظم العربية والإقليمية والدولية الحاكمة في وجه شعوب المنطقة كتلة النار الإسلامية الشيعية والسنية الملتهبة بوصفها وصفة للتأخر والتخلف والثورة المضادة بوجه ثورات الحرية، فمنهم من أطفأها وداس عليها ومنهم من تلقفها واحترق بنارها ونار نظامه الحاكم البربري . فقد ولّد الربيع العربي استقطاباً دولياً وإقليمياً من نوع خاص أهم ما ميزه أن كل الأطراف المكونة والداخلة في هذا الاستقطاب بالرغم من حدة الصراع القائم بينها إلا أنها كانت بذات الوقت متفقة كلها على وأد الربيع العربي ومتفقة على جعل الشعوب العربية وشعوب المنطقة بشكل عام حطباً ووقوداً لحروب مصالحها الدنيئة. فلا الأقطاب الإقليمية التي ترتدي العباءة السنية ولا التي ترتدي العباءة الشيعية كان لها مصلحة بنيل الانسان العربي أو غيره للحرية، كما لم يكن للأقطاب الدولية المتصارعة مصلحة بذلك. لقد قرعت الدول الإقليمية والدولية طبول الحرب منذ انطلاق الربيع السوري في غير ساحة اشتعالها الأولى والأساسية وذلك للتغطية على حقيقة وجوهر الصراع الحقيقي بهدف إحداث الانزياح المطلوب في ميدان وساحة الصراع الذي بدأ داخل المجتمع السوري – كما حدث في أكثر من ساحة – كاليمن وليبيا والعراق – حيث يقود هذا إلى نقل هذا الصراع من ميدان الصراع من أجل الحرية والتحرر من استبداد وعبودية وإجرام هذه الأنظمة إلى ميدان الصراع الطائفي الشيعي السني أو الهوياتي أو الجهوي أو القومي، وهو الأمر الذي قاد إلى تفريغ الربيع السوري ومعه العربي من محتواه التحرري، وهو الهدف الذي سعت إليه كل القوى الإقليمية والدولية التي أدارت هذا الصراع منذ البداية مستغلة إجرام هذه النظم بحق شعوبها حيث دفع إجرامها لاستجارة هذه الشعوب بالذئاب الدولية والإقليمية. أشير إلى كل ذلك للقول أن أمريكا التي تشكل القوة القائدة للنظام الرأسمالي العالمي استطاعت أن تجند – موضوعياً وذاتياً - جميع الدول الإقليمية التي دخلت على خط الصراع في سوريا حيث يكونوا جميعاً في خدمة مصالحها الاقتصادية وفي خدمة مصالحها الاستراتيجية السياسية المتمثلة في مشروعها في تفتيت المنطقة سياسياً، فكان أن كانت الدول التي وقفت مع النظام ولا سيما إيران وروسيا والعراق وكذلك الدول التي سمت نفسها بمجموعة أصدقاء الشعب والثورة السورية ولا سيما السعودية وقطر وتركيا كلهم أدوات رخيصة استطاعت أمريكا أن تجعل كل سياساتهم وطريقة دخولهم وأهدافهم من الصراع الدائر في سورية يصب في المصلحة الأمريكية. إن هذه الإشارة ضرورية لا لفهم الدور الأمريكي والإقليمي في سورية وهو ما سأعود إليه في مقال قادم حيث سأتناول الدور الذي قامت به كل دولة من الدول الإقليمية المشار إليها أعلاه، بل لأقول لكل الذين دخلوا هذا الصراع بدوافع طائفية أو الذين انجروا إليه بدوافع طائفية، وحيث نتائج هذا الصراع أدت حتى الآن لا إلى التدمير الشامل لبنى هذه المجتمعات حجراً وبشراً وجغرافيا وتاريخاً ونسجاً اجتماعية وهويات وطنية فحسب، بل إنه ربما يقود إلى إخراج هذه المجتمعات إلى خارج بوابات التاريخ البشري. وهو الأمر الذي يفرض علينا القول والتساؤل هل يعلم هؤلاء الطائفيون أن الهجوم على نظام الملالي في إيران لا يعني الهجوم على الشيعة وأن الهجوم على النظام الذي يرتدي عباءة الدين في السعودية أو في تركيا لا يعني الهجوم على السنة. وهل يعلم هؤلاء أن النظامان في كل من إيران والسعودية عملا كلاهما كلاً من زاوية مصالحه على وأد الربيع السوري. فقد كان لإيران مصلحة بوأد الربيع السوري للحفاظ على المكتسبات التي راكمتها في المنطقة العربية خلال ثلاثة عقود من عمر مشروعها الطائفي وحيث كان النظام السوري يشكل إحدى حلقات هذا المشروع، كما كان للسعودية مصلحه في وأد الربيع السوري على أبواب دمشق لمنع انتشار هذا الربيع باتجاه دول الخليج العربي وهو الأمر الذي جعلها تسارع مع قطر إلى تغيير الطابع التحرري الثوري لانتفاضة الشعب السوري من خلال استبدال مشروع إنشاء جيش حر حقيقي بمشروع الفصائل الإسلامية التي سادت على الأرض بكل ألوانها وأشكالها على حساب وجثة مشروع الجيش الحر. وهل يعلم هؤلاء أن الفصائل الإسلامية الشيعية والسنية المتصارعة على الأرض السورية ما هي إلا أدوات طائفية تستخدمها إيران والسعودية وتركيا في صراعهما على النفوذ في المنطقة بعيداً عن مصلحة شعوب المنطقة سنة وشيعة. وهل يعلم هؤلاء أن فك الارتباط مع المحاور الطائفية في المنطقة ( المحور الإيراني والمحور السعودي أو التركي) هو السبيل الوحيد لخروج المنطقة من دوامة الصراع الطائفي الذي لن يأتي إلا بالخراب والدمار لشعوب المنطقة، وأن هذا الخروج سيشكل بداية الطريق لشعوب المنطقة لا لنيل الحرية فحسب بل للبقاء داخل التاريخ الإنساني الذي بدأ يلفظنا إلى خارج حدوده ومساره فهل نخرج؟؟؟؟؟؟؟؟ هل نخرج من الاستقطاب الطائفي إلى التاريخ أم نخرج من التاريخ إلى مزبلته مرة وإلى الأبد؟؟؟؟؟؟؟
السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا 12 lemonde.in 5 of 5
لومــــوند : نبيل ملحم ثاني عشر : بربرية النظام السوري تشكل منصة انطلاق لاستراتيجية أمريكية قديمة جديدة في المنطقة : كنت قد تناولت في ...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك