الدولة الاستبدادية المعممة ومحنة التاريخ العربي الوسيط والحديث

لومــــــوند : نبيل ملحم
تسنم العرب المسلمون ذروة الحضارة الإنسانية في القرون الوسطى , وتحديداً في مرحلتي ازدهار كل من الدولة الأموية والعباسية , وها هم الآن وبعد حوالي 14 قرناً من الزمن ومن الحركة الدائرية التكرارية اللاتطورية نجدهم بإسلامهم السياسي (السني والشيعي ) وفي ظل دولة الاستبداد المعمم القديمة والحديثة والقائمة على عصبيات قبلية او طائفية في أسفل الدرك الحضاري وعند أقدام الحضارة البشرية المعاصرة . فقد سبقتهم شعوب أوروبا التي كانت حينها , أي عندما كان العرب في ذروة الحضارة يغطون في غياهب ظلمات القرون الوسطى . كما سبقتهم شعوب أمريكا اللاتينية التي كانت حينها خارج أسوار الحضارة البشرية كما سبقتهم شعوب افريقيا السمراء التي بنى الأوربيون على أكتافهم أمريكا الشمالية . كما سبقتهم شعوب الصين واليابان وكل من دب على وجه هذه المعمورة . والسؤال الذي يطرح نفسه والذي شغل بال مفكري عصر النهضة العربية بجيلهم الأول الليبرالي والثاني القومي . هو لماذا وكيف حدث هذا ؟؟؟ وحيث ان الجواب عن كيف حدث هذا يكمن باعتقادي في الشكل التاريخي لوجود الدولة الذي عرفه الواقع العربي في العصر الوسيط ثم الحديث , أي يكمن في الشكل التاريخي الذي قامت عليه الدولة بوصفها دولة الاستبداد المعمم حيث الدولة تقوم على القهر الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي في آن معاً , أي الدولة التي تقوم على امتلاك واحتلال واحتكار المجالات الثلاثة الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي المشكلة للبناء الاجتماعي الكلي وهو الامر الذي قاد الى استبطان نمط الانتاج والطبقات الاجتماعية وكل الوجود الاجتماعي في احشاء الدولة وهو الامر الذي ادى الى احداث عقم في رحم التاريخ العربي عبر عن نفسه في شلل وركود في مسار التطور التاريخي للمجتمعات العربية دام لقرون من الزمن . فمنذ أن عرف المجتمع العربي في العصر الوسيط ثم الحديث الدولة بوصفها دولة استبداد معمم , ومنذ أن أصبحت الطبقات الاجتماعية تولد وتتوالد في أحشاء الدولة بوصفها طبقات دولة , حيث نجد الطبقة العليا للدولة وهي الطبقة السائدة , والطبقة السفلى للدولة وهي الطبقة المسودة , نجد ان الاطار التاريخي لوحدة المجتمع وصراعه لا يشكله نمط الانتاج وانما الدولة هي من تشكل الاطار التاريخي لوحدة وصراع المجتمع ولهذا نجد ان الصراع كان يدور قديماً كما حديثاً داخل الدولة ومن اجل الدولة , اي ان الصراع لا يكون بين طبقات تحمل نمط انتاج قديم مع طبقات تحمل نمط انتاج جديد او لنقل ان الصراع لا يكون بالضرورة بين قوى طبقية مالكة للثروة وقوى طبقية لا تملك الثروة , ففي ظل نوع كهذا من وجود الدولة القائمة على العصبيات يصيب المجتمع نوعين من التشققات فنجد الانقسام الافقي والانقسام العمودي في ان معا وهو الامر الذي يجعل الصراعات في كثير من الاحيان ان لم نقل في اغلبها تحتدم بين الذين يستأثرون بالدولة ومغانمها المادية والمعنوية وبين المرميين في اسفل طبقات الدولة وعلى اطرافها وهامشها , أي هنا يكون الصراع بين عصبيات حاكمة وعصبيات محكومة او تسعى للحكم , لهذا نجد هنا ان اهداف المتصارعين يكون هو الاستحواذ على الدولة أو تدمير الدولة القديمة وبناء دولة جديدة ولكن من نفس طراز الدولة القديمة . أي من خلال اعادة انتاج نفس الطبقات الاجتماعية القديمة في اطار الدولة التي يستبطن في احشائها نمط الانتاج القديم ونمط الوجود الاجتماعي ولكن بعد استبدال العصبية الحاكمة القديمة بعصبية جديدة , فالحركة التاريخية هنا لا تكون حركة لولبية صاعدة في سلم التطور التاريخي , وانما حركة يمكن تسميتها بالحركة الدائرية التكرارية التي لا تقود إلى التقدم والتطور التاريخي فالحركة هنا كما رصدها واكتشف قوانينها المفكر العربي ابن خلدون تتم على شكل موجة مؤلفة من ثلاث مراحل اساسية حيث تبدأ بمرحلة الصعود وتأسيس الدولة ثم تأتي مرحلة ازدهارها ثم تأتي مرحلة انحطاطها وزوالها وهلم جرا . هكذا تم في الواقع العربي في العصور الوسطى - وما تلاها - بناء الدولة الاستبدادية المعممة في العصر الأموي التي مرت بالمراحل الثلاثة المذكورة ثم تم تدميرها وبناء الدولة الاستبدادية المعممة في العصر العباسي والتي مرت بدورها بالمراحل الثلاثة ومن ثم تم تدميرها وقد استمر الوضع على هذا الحال إلى أن تم بناء الدولة الاستبدادية المعممة العثمانية التي كانت آخر دول الاستبداد المعمم القديم والتي عاش في ظلها المجتمع العربي , فدائماً وعلى مدى أكثر من 14قرنا من الزمن , أي إلى مطلع العصور الحديثة لم يتغير جوهر وشكل وجود الدولة ولا نوع الطبقات الاجتماعية ولا نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج الحاكمة لوجود المجتمع أي دائما كان يتم الوقوف عند نفس الدرجة من التطور التاريخي دون القدرة على التقدم إلى الدرجة الأرقى , وهو الامر الذي قاد إلى ما عرف بركود المجتمع العربي لقرون من الزمن . وهو الامر ذاته الذي قاد الى ألا يعرف المجتمع العربي ومعه كل الشعوب التي انضوت تحت جناح الدولة الامبراطورية الاسلامية عبر عصورها كلها العلاقات الرأسمالية أو لنقل لم يعرف حالة المجتمع الرأسمالي إلا من خلال و بفعل التغلغل الرأسمالي الغربي في جسد الإمبراطورية العثمانية أولا ومن ثم بفعل الاحتلال الغربي المباشر لمجتمعاتنا العربية , اي بعد ان استطاعت المجتمعات الاوروبية كونها لم تعرف هذا النمط من وجود الدولة الخروج من ظلمات القرون الوسطى وتحقيق السبق بتوليد المجتمع الرأسمالي الحديث وفتح بوابة جديدة في التاريخ الانساني وبعد ان سيطرت صيرورة التطور الرأسمالي العالمي على كل الصيرورات المستقلة في العالم , أي إن المجتمع العربي ومعه كل المجتمعات التي انضوت تحت لواء الامبراطوريات الاسلامية المتعاقبة برغم كل الامكانيات المادية والحضارية التي توفرت عبر هذه العصور - ولا سيما في مراحل ازدهارها - لم يكن له ان يعرف الرأسمالية بفعل منطق تطوره الذاتي الداخلي - وهو ذاته منطق الشلل والركود الذي تسببه الدولة الاستبدادية المعممة - وإنما بفعل منطق تأثير التطور الخارجي الذي عرف بمنطق التطور الرأسمالي العالمي . وفي العصور الحديثة وبعد أن عرف المجتمع العربي الرأسمالية وبعد أن تم قطع صيرورة التطور الرأسمالي الطبيعي داخل اغلب المجتمعات العربية نتيجة صعود الدولة الاستبدادية المعممة ذات الأصول القومية البرجوازية الصغيرة في الستينيات من القرن الماضي في اغلب الساحات العربية , أي بعد صعود الدولة الاستبدادية المعممة الحديثة الرأسمالية . أقول بعد ذلك وبعد ان وصلت كل نظم دول الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي في العصر الحديث الى مرحلة الانحطاط والتفسخ فان السؤال الذي يطرح نفسه , هل سيعود المجتمع العربي إلى الحركة الدائرية التكرارية من جديد ؟؟؟؟ وهل سيعود الصراع داخل المجتمع ليتمحور داخل الدولة ومن اجل الدولة ؟؟؟؟ أي هل سنشهد سلسلة متكررة من تدمير الدولة ثم بنائها ثم تدميرها ثم بنائها ودائماً على نفس الشاكلة والطراز ؟؟؟؟ ام سيتم هذه المرة تدمير الدولة ومعها المجتمعات التي عاشت في ظلها او لنقل سيتم تفتيت هذه الدولة الى مجموعة من الدويلات الصغيرة بهويات طائفية او قبلية او قومية ...الخ أم ستستطيع الشعوب العربية العبور إلى شكل جديد من وجود الدولة , شكل لا تكون فيه الدولة مالكة ومحتلة لأي مجال من مجالات البناء الاجتماعي , أي هل نستطيع بناء نمط من وجود الدولة يفتح بوابات التاريخ بدل ان يغلقها ويقفلها بوجه التطور , أي هل سنستطيع بناء الدولة الحديثة الديمقراطية التعددية التداولية حيث كيان الدولة منفصل ومستقل عن كيان السلطة السياسية وأيديولوجيتها أي الدولة التي تمثل بشكل فعلي وحقيقي المصالح العامة للمجتمع ككل .
الدولة الاستبدادية المعممة ومحنة التاريخ العربي الوسيط والحديث journal lemonde 5 of 5
لومــــــوند : نبيل ملحم تسنم العرب المسلمون ذروة الحضارة الإنسانية في القرون الوسطى , وتحديداً في مرحلتي ازدهار كل من الدولة الأمو...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك