الهجوم على الكابتول

لومــــــوند : محمد وزين
كان الهجومُ على الكابتول حدثا استثنائيا في المشهد السياسي الامريكي . فعلى مر عقود كان الانقلابُ على صناديقِ الانتخابات أو حتى تزويرِها لصيقا بالديكتاتوريات العربيةِ وكذا الافريقيةِ والاسيويةْ بل أن البعضَ حوّل النظامَ من رئاسي إلى جُملكي وكلُّها تَدخلُ في نطاق النظمِ الشمولية عكسَ النُظم الديموقراطيةْ والتي لديها مؤسسات قويةْ لا تسمحُ بالتحرش بها وهي ما يمكنُ تسميتها بالحضارات الديموقراطيةْ .لكنَّ ما وقع في الكونجرسْ لم يكن ليخطرَ على بال أكثرِ المشككينَ في تماسكِ ديموقراطيةِ الولايات المتحدةْ بعدَ هجومِ متطرفينَ على مبنى الكونغرس خلال جلسةِ التصويتِ على فوز بايدن، التي جرت الأربعاء 6 يناير 2021 فيما اعْتُبِر محاولةً انقلابيّةً فاشلةْ، كان أبطالُها مزيجُُ من العصاباتِ المتطرّفةْ، بعضُها قديمُُ وبعضُها تَشكّل مع صعودِ ترامب للرئاسة.. كجماعةِ “براود بويز” و”النّازيون الجدد”، وكيو أنون وكلُّها جماعات ذاتُ أيديولوجيا يمينيّةٍ متطرّفةْ تُركّزُ على الهُويّة البيضاء .⁆.لم تكنِ الغارةُ على مبنى الكونغرسْ مفاجِئةً، بل كانت نتيجةً حتميّةً لسياساتِ إمبراطورِ الشّعبويّةِ والعنصريّةْ الذي لم يتوقّفْ عن التّشكيكِ في المسارِ الإنتخابِي وفي نزاهةِ الإنتخاباتِ و احتقارِ خصومهْ ⁆ وظلّ يُردّد حتى اللّحظاتِ الأخيرةْ قُبيلَ الهجومِ الكاسحْ بأنَّ “الإنتخاباتْ سُرقت منّا”.. وكلُّ كلامِه موجّهٌ للعصاباتِ اليمينيّةِ المتطرّفةِ والدّاعمةِ لهْ ،وهوَ ما مثّل صدمةً كُبرى، حتى لمن كانوا يُحاولون الاعتراضَ على التصديقْ، ومن بينهِمْ ممثلةُ ولاية جورجيا".ما أدى إلى وقف الجلسةْ وإجلاءِ الأعضاءِ، بَعدَ تدخل الأمنْ لينتهي الأمرُ بالسيطرة على الوضعْ و مقتلِ أربعةِ أشخاصٍ واعتقالِ عشراتٍ آخرينْ.وبعدَ تصديقِ الكونغرسْ على فوز بايدن ، و التفاصيلِ التي صاحبت اقتحامَهُ قد تكونُ مقدمةً لحصول مظاهراتٍ أكبرْ مستقبلاً وهي لا تُبشر بالخير⁆ فالقلقُ لم ينته بعدْ ،مع حجمِ، الفوضى العارمةْ التي تسيطرُ على المشهدِ السياسي ،خصوصا بعد العثور على طرود متفجرةٍ بالقرب من مَقرَّيْ الحزبينْ الديموقراطي والجمهوري حملت في طياتها رسائلَ بأن الأمورَ ربما لم تنتهِ بعدْ. وأعادت للذاكرةْ حادثةَ اغتيالِ ويليام ماكينلي الرئيسْ الخامسِ والعشرينْ للبلاد ، سنة 1901، على يدِ أحدِ المندسينَ، خلال حُضورهِ حفلاً موسيقياً في كليفلاند. فترامب لجأ إلى أنصارهِ البيضْ لممارسةِ ضغوطٍ غيرِ مسبوقةٍ على المشرعينْ لكي يعترضوا على نتائج الانتخاباتْ، وهي آخرُ محاولاته، مُنساقاً وراء حساباتٍ سياسيةٍ قصيرةِ النظرْ، لكنها عظيمةُ الأثرِ على المستقبلِ الأمريكي ؛ حيث أنها أفسحتِ المجالَ لحالةٍ شعبويةٍ؛ لا تعترفُ بالأروقةِ الكبرى المنظّمةِ لسير الديمقراطيّةِ الراسخة في ذلك البلد ؛ومحاولة تهميشها ، بالتحرّش بالدستورِ والانتخاباتِ والصناديقْ⁆ والسعيِ إلى البحث عن شرعيّةٍ بديلةٍ التفافيّةْ ؛من خارج الشرعيّةِ الشعبيّةْ التي تعتبرُ رصيدَ أيَّ ديمقراطيّةٍ في العالم.". فما حصل بالضرورة هو سابقةٌ خطيرةٌ في الحياة السياسيةِ الأمريكيةْ؛ بسبب مواقفِ ترامب؛ وتسلسلٌ لتداعيات خطابه الشعبوي ؛المنتج للفوضى والمشاكلْ، فقبلَ أشهرٍ حصلتْ مناوشاتٌ ، بَعدَ مقتلِ جورج فلويد ، فكان هناك ردٌّ عنيفٌ من الشرطةْ والأمنْ وانصارِ ترامبْ؛ذهب ضَحيتَه قتلى وجرحى في تناقضٍ صارخٍ مع كلِِّ ما تدعيهِ أمريكا من حريةٍ وديمقراطيةٍ وحقوق الإنسانِ وحريةِ الرأي والتعبيرْ،فقد أثبتتْ رغمَ الادعاءِ بالمثاليةْ أنها لا تختلفُ عنِ الدولِ التي شهدتْ أعمالَ عنفٍ بجميع أشكالها. وأنَّ هناكَ فجواتُُ كبيرةْ في النظامِ بأمريكا ، هي سببُ ما حصلْ، فلتفسير ما جرى في أربعاءِ الزحفْ ، لابد من العودة قليلا إلى الوراءْ .وتحديدا إلى الأزمةِ الماليةِ العالميةْ سنةَ 2008، وما ترتب عليها من بطالةٍ ومشاكلْ اجتماعيةْ واقتصاديةْ كارثيةٍ في الولايات المتحدةْ، أفرزت خطابا عنصريا عرقيا إقصائيا بشكلٍ غير مسبوقْ، و أرضيةً جاهزةً لتوجهٍ شعبويْ يتقاطعُ مع قناعات ترامبْ، فكان فرصتَه لركوب الموجةْ، فَهُوَ رئيسٌ لم يكن له ائتلافُُ أو فكرةٌ أو حتى قاعدةٌ جماهيريةْ، ، مجردُ رجلٍ متعصبْ، وتبِعَهُ في المحصلةِ من يؤمن بهذا الخطاب العنصري ⁆ فأطلق الجمهوريون العنانَ لمُتهوِِّرٍ جَموحٍ فأبخسوا الثقافةَ السياسيةْ من خلال التطبيعِ مع سلوكهْ، وسمحوا لهُ بالاجهازِ على الأعرافِ والمؤسساتِ الديمقراطيةِ والقيمْ، وتعاملوا مع انفلاتاتهِ وكذِبِهِ المُستمرْ على أنه نزوةٌ شخصيةْ، ومع مناكفاتهِ على أنها ملاحمُ للديمقراطيةْ مكَّنتِ الغوغاءْ من سُدة القرار.ْترامب مؤمنُُ تماماً بأنهُ خَسِرَ مُنذُ البدايةْ رغمَ كُلِّ تلك الهَمْروجةِ والجعجعةْ ، غيرَ أنهُ أراد إغراقَ الحزبِ الجمهوريْ، وكان واضحاً ذلك في خسارتهمْ لمقعديْ ولايةِ جورجيا، ثُم فقدانِهِمُ السيطرةَ على مجلس الشيوخْ؛ وهذا جزءٌ متوقعٌ بالنظرِ إلى نرجِسيةِ وأنانيةِ ترامبْ؛ وبالتالي من المتوقعِ أن يشهدَ الحزبُ الجمهوريْ انقساماتٍ حادةْ ستجعَلُهُ ضعيفاً في الفترة القادمة . مع استمرار نزعةِ أنصارِ ترامب لفرض خياراتهمْ بالقوةِ في مواجهةِ الليبراليينْ..⁆ أحداثُ الكونغرسْ أظهرتْ أمريكا منكشفةً أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مضى، إلى حدِّ يَصْعُبُ معه استعادةُ هَيْبَتِها خلال المرحلةِ المقبلةْ. أمامَ تحولاتٍ أخطرُها تَفجُّرُ الصراعِ والانقسامُ بينَ مكوناتِ المجتمعْ التي بدأت تُظهرُ أسوأَ ما في أمريكا.وبالتالي عدمُ الثقةِ بالمؤسساتِ والدستورِ والمواطنةِ وقوانينِ السلامِ الاجتماعي التي حكمتِ الولايات المتحدة خلال قرون". وهذا أمر بلا شكْ إستنفرَ مؤسساتِ الدولةْ التي تحركت لإلجامِ طيش البيسونِ وكبحِِِ هيجانهِ ووضع حدّ لجنوحه نحو الإستبداد. ومحاصرةِ أيِّ انهيارٍ للديمقراطيةْ بدءا باستخدامها التعديلْ الخامسِ والعشرين من الدستورْ. وتفعيل اجراءات العزلِ وتجميد حسابات ترامب على مواقع التواصلِ الاجتماعي لمحاصرةِ أيِّ عٌنفٍ كان يريد الدعوةَ لهْ. فالعقلانيةُ السياسيةْ باتتْ تسيّرُ العمليةَ السياسيةْ في الولايات المتحدة، فكافةُ مؤسساتِ الدولةِ الأمريكيةْ دفعتْ باتجاهِ تسليمٍ سلميٍّ للسلطةْ". فحتى إعلان ترامب ذلك، كان نتيجةً لنفضِ الكثيرينَ يدهمْ منهُ ، وفي مقدمتهمْ الحزبُ الجمهوري الذي خسر سمتهُ باعتماده على الشخصِ لا المشروعِ أو القيمْ. فانقلب على كلِّ الاعرافِ الديبلوماسيةْ مُحَولاً منصبَ الرئيسِ الى سمسارٍ، وداعمٍ علنيٍ لحراس الاستبدادْ.ليس في صمتهمُ الملتبسِ على دعم الأنظمة الإستبداديّة في العالم العربي سوى ازدراء للشّعوب العربيّة،التي يرونها غير جديرة مثلهم ومثل كلّ الشّعوب الحرّة بحياة سياسيّة سليمة وتلك أيضا قمّة العنصرية فماذا كانوا ينتظرونَ مِمَّن جعل السيسي ديكتاتورَهُ المفضل بعد أن عاث في مصر فسادا فحولها إلى معتقل كبير واتّخذ من القضاء ومن السّجون محارق، لكلّ من خالفه الرّأي ؟وأطلقَ يدَ ابنْ زايدْ في اليمنِ وليبيا لترويع الأمنين وإبادة البشر والحجر وإشاعة مشاهد الموت و الخراب بأسلحة أمريكية؟. ماذا كانوا يتوسمونَ في رئيسهِمُ الذي تستَّر بشكل مفضوحٍ على ابن سلمان بعد جريمته البشعة ِ في حق الكاتب الصحفي جمال خاشقجي ؟وباقي جرائمه داخل السعودية وخارجها فقايضه على الكرسي بالكاش دون خفَارَةٍ { لولا حمايتنا لكم ما استطاع أحدكم أن يبقى على كرسي الحكم أكثر من أسبوع.. لذا يجب أن تدفعوا”فَسغَّموهُ} فبعد أن استوفى كلَّ مسالكِ التّشكيكِ في الإنتخاباتِ التي أطاحت بهْ ،فلا محال أن يتبرّأ من الذين ملأهم حقدا وتحريضا وعنصريّةْ.. لأنّ الرّجل الخطيرْ أدرك أنه اصطدم بديموقراطيّةٍ أقوى منهُ فهي ذاتُ مخالبَ وذات مؤسّسات تحميها ،وبقانون نافذ يحرسها.وقد استنفرت في مواجهة أخرق قاد انقلابا كان سيعصف بوحدة الولايات المتّحدة الأمريكيّة ويجهز على ديمقراطيتها ثمّ يفتح الأبواب أمام انهيار الديمقراطيّة في العالم، لصالح توليفات ركيكة بين دكتاتوريّة الصين وديمقراطيّة الديكور الروسية.. أمريكا ستستخلصُ الدروسَ للتداركِ، وإعادةِ ترميمِ الجبهة الداخلية ، وإزالة آثار التصدع الكبير الذي أحدثه ترامب ،وبالتالي ستدقّق أكثر فيما وقع الأربعاء داخل الكونغرس الأمريكي والإرهاصات التي سبقته ،وهذا يقتضي أن ينصب الاهتمام على إعادة النظرفي مدى حصانة ديمقراطيّتها من العصابات اليمينيّة المتطرّفة ،التي تحوّلت إلي إرهاب محلّي هدّد أعتى الدّيموقراطيّات .والجزم بأنّه لن يكون بمقدور الديموقراطيّة أن تسنّ ضوابط تحميها من الشعبويّة طالما اكتفت بتفريغ شحنتها بعيدا عن استهداف جدران الديمقراطيّة الواقية، كما لا يمكن للديمقراطية سن قوانين تحميها من المزاجيّة ،ومن تدني الوعي الانتخابي و من الانتخاب الاحتجاجي و الانتخاب العقابي.. وان هي كابرت وألحت حتما ستجد نفسها تحوّلت تدريجيّا من ديمقراطيّة..إلى،ديموكتاتوريّة. وصولا إلى دكتاتوريّة.. ، قال برنارد شو “من عيوب الديموقراطيّة أنّها تجبرك على الاستماع إلى رأي الحمقى” لكنّه لا هو ولا غيره قالوا بأنّ الديمقراطيّة تجبرك على انتهاك الدستور وتجاوز الصناديق والصعود إلى السلطة بعيدا عن مصعد الانتخابات. على العموم انتهى زمن ترامب بكل حماقاته وبدأ عهد بايدن الذي ادى اليمين الدستورية في ظروف غير مألوفة وإجراءات أمنية استثنائية بسبب القيود التي يفرضها وباء كورونا وكذلك تحسبا لاي حماقات من انصار ترامب الذي أعلن مقاطعته لمراسم انتقال السلطة في البلاد وقد فعل . استهل بايدن خطابه الأول بعد أداء اليمين مشددا على أهمية الديمقراطية ثم القضايا والملفات الأهم بالنسبة له في الولايات المتحدة، بدءا بمشكلة فيروس كورونا الذي أودى بحياة 400 ألف أمريكي. ثم القضايا الأمريكية الداخلية الشائكة.كإعادة تأسيس الطبقة الوسطى، وتحقيق العدالة الاجتماعية ثم العدالة العرقية التي لم تقف عن النداء لمدة أربعةِ قرون، وكذلك ضرورة التحرك لمحاربة التغير المناخي والمشاكل البيئية.فيما سلم بصحة احتجاجات الصيف الماضي ضد العنصرية ووحشية الشرطة ثم تنامي ظاهرة التطرف السياسي والتطرف اليميني للبيض والإرهاب الداخلي الذي تعهد بمواجهته وهزيمته وبعدها تحدث بايدن عن عدد من الوعود والأهداف التي يسعى لتحقيقها كرئيس للبلاد، والتي تحتاج وحدة الشعب لتحقيقها. املنا الا تكون تصريحات جو بايدن دعاية أتت وليدة اللحظة و المستقبل سوف يكشف حقيقة ادارة الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الامريكية بشأن الكثير من القضايا.
الهجوم على الكابتول lemonde.in 5 of 5
لومــــــوند : محمد وزين كان الهجومُ على الكابتول حدثا استثنائيا في المشهد السياسي الامريكي . فعلى مر عقود كان الانقلابُ على صناديقِ الانتخا...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك