الاستبداد المعمم في سوريا مقدماته ومراحله- 9-

 لومـــــوند : نبيل ملحم
تاسعاً: في أسباب إجهاض عصر النهضة: 
بدأت تظهر الملامح الأولى للنهضة الفكرية الحديثة في الواقع العربي انطلاقاً من القرن التاسع عشر على يد كوكبة من المفكرين العرب بدءاً ببطرس البستاني ورفاعة رافع الطهطاوي مروراً بالكواكبي وخير الدين الأفغاني ومحمد عبده وفرح أنطون وصولاً إلى طه حسين وسليم خياطة ...الخ المتأثرين بالفكر النهضوي الأوروبي وقيم ومنجزات الحضارة الغربية الرأسمالية، وتحديداً تأثرهم بفكر وقيم وثقافة عصر الأنوار الذي عرفته أوروبا الغربية، وحيث يأتي في مقدمة ذلك فكر وثقافة الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر, وهو التأثير الذي جاء نتيجة للانفتاح والانكشاف العالمي الذي أحدثته إشعاعات الثورة البرجوازية الفرنسية من جهة ونتيجة للتوسع الرأسمالي العالمي الذي طال كل أصقاع العالم بعد خروج أوروبا من ظلمات القرون الوسطى نتيجة لظهور الرأسمالية في الواقع الأوروبي وبدء توسعها على الصعيد العالمي من جهة ثانية, وحيث أن الحضارة الرأسمالية الغربية التي نهضت من ظلمات القرون الوسطى الأوروبية شكلت نموذجاً لنهوض الحضارات الراكدة والحارنة على طريق التطور - على حد قول بوعلي ياسين في كتابه العرب في مرآة التاريخ - أو القابعة في ظلمات وسكون الإقطاع إلى نور الحضارة الرأسمالية وحركيتها، ونموذجاً للخروج والعبور والانتقال من الاقتصاد الزراعي الإقطاعي الواقع تحت رحمة قوى الطبيعة إلى الاقتصاد الصناعي الرأسمالي القائم على العلم ونور العقل، والخروج من الاستبداد السياسي الإقطاعي إلى دولة القانون والعقد الاجتماعي والمواطنة والديمقراطية الرأسمالية، والخروج والعبور من ظلمات الفكر اللاهوتي الديني إلى رحاب نور العقل والعلم الإنساني, وبالرغم من أن هذه النخبة النواة من المفكرين النهضويين العرب استطاعت أن تقدم نسقاً فكرياً نهضوياً يحاكي الفكر النهضوي الأوروبي ويتلمس في الآن ذاته أسئلة الواقع العربي وحاجاته الأساسية، وتحديداً تلمس أسباب وعوامل أزمة تأخر المجتمع العربي والأسباب الكامنة خلف هذا التأخر في مسار تطوره التاريخي وبالتالي تلمس عوامل النهوض والخروج من التأخر والركود باتجاه الحركة في الأفق الرأسمالي والحضارة الرأسمالية، وبالتالي بناء التجربة الحضارية الرأسمالية العربية على ضوء الاستفادة من قيم ودروس ومحتوى التجربة الحضارية الرأسمالية الغربية الأوروبية. وبالرغم من أن النسق الفكري النهضوي الذي قدمته الكوكبة الأولى من المفكرين النهضويين العرب ترافق وتزامن وتساوق مع ظهور البرجوازية في الواقع العربي إلا أنه لم يتم تعميمه في الواقع العربي حيث يصبح فكراً سائداً يسم بسماته كل أوجه الحياة الفكرية والاجتماعية للمجتمع العربي وعلى حساب كل الأفكار والقيم البالية الإقطاعية التي كانت سائدة والتي طالما اعتنقها المجتمع العربي لقرون وقرون من الزمن، وهي الأفكار البالية التي لطالما شكلت عقبة أمام إمكانية تطور المجتمع العربي باتجاه مستويات حضارية أكثر رقياً وتقدماً بعد أن استنفذ الفكر الديني السند الروحي والفكري للإقطاع أي إمكانية للدفع بهذا الاتجاه. ويعود السبب في عدم تعميم وانتشار الفكر النهضوي هذا إلى عدم قدرة البرجوازية العربية على أن تشكل الحاضن والحامل الاجتماعي القادر على تعميم هذا الفكر، وحيث أن عجزها هذا سببه:
أولاً: المساومة التاريخية التي تمت داخل الطبقة المالكة للثروة في الواقع العربي بين أجنحتها المختلفة فيما بينها حد التناقض في بعض النقاط، وأقصد هنا المساومة التاريخية التي تمت بين تيار الصيرورة الصاعدة وتيار الصيرورة الهابطة. فالبرجوازية السورية كشقيقاتها العربيات كانت مزيجاً مركباً من الإقطاع والبرجوازية وبالرغم من كونها كانت تبدو في ظاهرها وكأنها طبقة متماسكة وموحدة إلا أنها في الواقع كانت مقسومة إلى تيارين، تيار سأطلق عليه اسم تيار الصيرورة الصاعدة أو تيار الجدل الصاعد، وقد ضم هذا التيار الشرائح البرجوازية الصناعية والتجارية والعقارية والسياسية والثقافية والفكرية التي تبنت نمط ومنجزات الحضارة الرأسمالية الغربية، تلك المنجزات التي لم تكن في النهاية سوى التحديث والحداثة التي تعني في حدها الأقصى وبتكثيف شديد تغيير نظرة المجتمع لكل ما يحيط به من ظواهر في هذا الكون إن كان داخل المجتمع أو في الطبيعة من خلال العقل البشري الأرضي بعد أن كانت هذه النظرة تتم على مدى قرون من الزمن من خلال العقل الديني السماوي. وتعني الحداثة في حدها الأدنى أولاً: تغيير موقع ومكانة الطبقة القديمة التي تنتج وتحرس ثقافة المجتمع القديم وثانياً: إبعاد هذه الثقافة عن توظيفها في المجال العام وبما يعني تخليص الدولة بوصفها أهم حيز ومساحة وميدان للمجال العام من الهوية الدينية أو أي هوية إيديولوجية، الأمر الذي يقتضي بالضرورة عدم ربط الدولة بدين محدد أو إيديولوجيا محددة، فأي حديث عن التحديث مع بقاء مولدات الانقسام العمودي داخل المجتمع هو هراء وضحك على الذات والذقون والمجتمع. وإلى جانب هذا التيار كان يوجد تيار آخر سأسميه تيار الصيرورة الهابطة. وهو تيار نشأ وترعرع أساساً في أحضان الإمبراطورية العثمانية اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وقد ضم هذا التيار إضافة إلى طبقة الإقطاع الشرائح التي تشكلت من كبار رجال الدين وتجار السوق المحافظين وهو التيار الذي كان من أكثر التيارات التي كانت تقاوم وتمانع انتشار الفكر النهضوي، كون الفكر النهضوي يشكل النقيض لفكرها وثقافتها. فالبرجوازية السورية تشكلت بالأساس في الواقع السوري من ثلاثة أجنحة، وحيث أن بعض هذه الأجنحة كانت استمراراً للأجنحة التي كانت تتشكل منها ما أطلق عليه بعض " الدارسين المهتمين بالتاريخ السوري خلال فترة الحكم العثماني بطبقة الأعيان(1)، فقد ضمت البرجوازية السورية التقليدية في صفوفها جناحاً تشكل من كبار رجال الدين، وجناح آخر تشكل من كبار تجار السوق المحافظين، وهما الجناحان اللذان شكلا تيار الصيرورة الهابطة مع طبقة الإقطاع، وجناح ثالث تشكل من النخب العلمانية والحداثية البرجوازية الصناعية والتجارية والعقارية من أبناء كبار مالكي الأراضي ومن أبناء كبار بيروقراطية الدولة زمن الدولة العثمانية وبعدها زمن الانتداب الفرنسي أو من أبناء كبار التجار أو حتى في بعض الحالات من أبناء كبار رجال الدين. وهذا الجناح هو الذي شكل تيار الصيرورة الصاعدة. على هذا الأساس كانت البرجوازية السورية عشية دخول قوات الأمير فيصل إلى دمشق بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى مقسومة إلى هذين التيارين اللذين أطلق عليهما نشوان الأتاسي في كتابه تطور المجتمع السوري ( 1831 – 2011 )، " العثمانويين "و " العروبيين "(2). حيث شكل العثمانويون تيار الصيرورة الهابطة، وشكل العروبيون تيار الصيرورة الصاعدة، فالخصومة بين هذين التيارين كانت حول الهوية الثقافية للمجتمع " ولذلك لا يمكن القول بأن الصراع الطبقي كان أساساً للخصومة السياسية في سورية، بل كان صراعاً محصوراً ضمن العناصر الناشطة سياسياً في طبقة واحدة محددة وموجودة في قمة التراتبية الاجتماعية في المدن السورية وتحديداً في دمشق "( 3). وفي تلك المرحلة حصلت المرحلة الأولى من المساومة التاريخية بين هذين التيارين، فاحتلال " القوات الأوروبية والشريفية ( نسبة إلى الشريف حسين) للولايات السورية في الإمبراطورية العثمانية عام 1918 كان عاملاً حاسماً في الانحياز النهائي لقسم من أفراد النخبة السياسية السورية " العثمانويين " إلى فكرة العروبة، بعد أن تيقنوا من الهزيمة النهائية للإمبراطورية ولإيديولوجيتها العثمانوية، ولذا يمكن القول بأن تحولهم هذا كان تحولاً مصلحياً يهدف إلى سد الفراغ الإيديولوجي الناجم عن انهيار العثمانوية من ناحية، وإلى حماية مواقعهم في المجتمع المحلي من ناحية ثانية، وبالتالي فقد كان اعتناقهم للعروبة طريقاً للمساهمة في تكوينها على صورتهم، وصولاً إلى الاستمرار في ممارسة السياسة من موقع القوة، مع أن إسهامهم في الثورة العربية الكبرى هامشياً، وفي المقابل، حافظ القسم الآخر، من الجيل الأكبر سناً الذي كان تعاونه وثيقاً مع الاتحاديين، على ولائه للعثمانوية لعدة أسباب، منها أن العروبيين كانوا متهمين بالتآمر مع أعداء الإمبراطورية والإسلام ( فرنسا وبريطانيا ) أيام الحرب"(4). لكل هذه الأسباب قام تيار الصيرورة الهابطة بعقد تسوية غير مكتوبة مع الأمير فيصل المدعوم من التيار العروبي وتيار الصيرورة الصاعدة يتم بمحتواه تقديم الدعم السياسي للأمير فيصل ومن معه وخلفه مقابل حفاظ أفراد هذا التيار الهابط على مواقعهم ومكانتهم الاجتماعية، ف " نظراً لحالة الغليان الاجتماعي الذي كانت تعيشه دمشق مترافقاً بانهيار شبه كامل للاقتصاد الذي دمرته الحرب"(5). فقد قدم أفراد هذا التيار " أنفسهم على أنهم القوة السياسية الوحيدة التي يمكن للمحتلين الأجانب الاعتماد عليها لإعادة النظام"(6). ثم جاءت المرحلة الثانية من المساومة التاريخية بعد خروج الملك فيصل من سوريا وبدء خوض البرجوازية السورية صراعها من أجل انتزاع الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، فقد استطاع تيار الصيرورة الصاعدة أن يشق طريقه ويتقدم بخطوات سريعة ونوعية في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، الأمر الذي أتاح لهذا التيار لأن يشكل الرأس القائد للبرجوازية السورية، وقد ساعده في تسنم هذا الموقع داخل صفوف البرجوازية عدا عن تملكه لقدرات علمية وثقافية وعقلية حديثة ومتطورة كانت مسألة تربع هذا التيار على مقعد قيادة النضال الوطني ومن ثم الاستقلال الوطني والدولة الوطنية المستقلة. على هذا الأساس تمت عملية تجديد المساومة التاريخية بين التيارين على الشكل التالي: سيادة تيار الصيرورة الصاعدة في الحقل السياسي على ألا تتجاوز هذه السيادة التمادي في التحديث حدود التحديث السياسي والاقتصادي، وعلى ألا يتجاوز التحديث السياسي والاقتصادي الحدود التي تمس طبقة الإقطاع والثقافة التي تسهر عليها طبقة الإقطاع القديمة ومعها طبقة كبار رجال الدين ومعهم الشرائح المحافظة من تجار السوق الذين يحملون صفة تاجر من جهة، و صفة رجل الدين من الجهة الثانية، فهذه الثقافة التي يحرصون على عدم المساس بها هي من تعطيهم المكتسبات والموقع والمكانة الاجتماعية داخل المجتمع من جهة، وهي من تحمي كل أملاكهم من جهة ثانية، تحت شعارهم المفضل " هذا من فضل ربي ". فمقابل سيادة تيار الصيرورة الصاعدة في الحقل السياسي في هذه التسوية التاريخية حافظ المنتمون إلى تيار الصيرورة الهابطة على مواقعهم الاجتماعية والطبقية، فبقاء طبقة الإقطاع وعلاقاته الاستغلالية كانت تعني بقاء الاستغلال الشفاف العاري الذي لا يمكن تغطيته وحجبه بأي قانون أرضي كما يقول كارل ماركس، الأمر الذي يستدعي تبريره ميتافيزيقياً في شروط عدم جواز استخدام العصا السياسية القمعية ( عصا الجلاد ) لتغطية هذا الاستغلال في ظل الدولة الحديثة الديمقراطية التي بناها تيار الصيرورة الصاعدة، أي يستدعي بقاء الكاهن – تيار الصيرورة الهابطة - كي يقول للبشر أن مسألة الفوارق الطبقية والظلم وغيره مسألة قسمة ونصيب آتية من السماء وبذلك يتحقق الحد المطلوب من الاستقرار السياسي اللازم لاستمرار سيادة كل المنتمين إلى الطبقة المالكة للثروة(7). لقد لعب " رجال الدين وبينهم كثير من ملاك الأرض والتجار في السعي الدائم لتلطيف الصراعات الاجتماعية كونهم وسطاء اجتماعيين مرتبطين بين الفلاحين والملّاك الذين كانوا مرتبطين إلى حد بعيد بعلاقات أبوية متوارثة "(8). لقد كان تيار الصيرورة الهابطة كتلة صماء ثقيلة معلقة برقبة تيار الصيرورة الصاعدة، كتلة تشده إلى الخلف وتمنعه من الاندفاع لفتح ثغرة في جدار التاريخ للولوج بالمجتمع إلى ثقافة وفكر الحداثة ونور العقل مرة واحدة وإلى الأبد. كما ويمنعه من الانتقال بمضمون دولة المواطنة من مضمونها السياسي إلى مضمونها الثقافي العلماني حيث الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع على المستوى الثقافي الديني أو القومي وبما يعني عدم إلباس الدولة لهوية دينية بعينها أو هوية قومية بعينها. ينقل لنا المؤرخ السوري سامي مروان المبيض عن مقاومة هذا التيار الهابط لأي محاولة للإصلاح أو العلمانية - والمؤسف أنه يبدو من العبارات التي اختارها تشي وكأنه يفتخر بإنجازات وأفعال هذا التيار الذي أخفاه تحت مسمى المجتمع السوري المحافظ. يقول في مقال تحت عنوان( تجربة سورية منسية في تاريخ العلمانية) : " في عام 1938، حدثت مواجهة بين المجتمع السوري المُحافظ وسلطة الانتداب الفرنسي الحاكمة في حينها، التي حاولت فرض العلمانية الغربية عليه عبر قانون جديد لتنظيم الأحوال الشخصية، وقد ورد ذكره في كتب التاريخ، دون الدخول في تفاصيله، ولكنه ذهب أدراج الرياح بسبب شدة معارضة قادة المجتمع له... نص القانون الذي حمل الرقم 60 وجاء بتوقيع المندوب السامي هنري دي مارتيل، على السماح لأي مواطن سوري بلغ سن الرشد أن يختار دينه وأن يتنقل بحرية من طائفة إلى أخرى، أو من دين إلى دين، دون إعلام مجلس الملّة، الكنيسة أو دار الإفتاء، وحدها الدولة أصبحت مخوّلة بالموافقة على هذه التنقلات وحماية من يقوم بها. وسمح القانون لأي امرأة مُسلمة أن تتزوج من مسيحي، كما وضع "الطائفة السنّية" في تساوٍ مع المسيحيين والدروز والمسلمين الشيعة، في كافة الحقوق والواجبات.
الموضوع لم يكن جديداً على فرنسا في سورية، فقد حاولت ومنذ منتصف العشرينيات، تحجيم سطوة رجال الدين، وقامت بسحب معظم صلاحيات القضاة الشرعيين، أملاً بإقصائهم عن قيادة المجتمع. جاء ذلك يوم 28 نيسان 1926، ونص القرار على تحويل كافة قضايا الأحوال الشخصية، من المحاكم الشرعية إلى المحاكم المدنية، إلّا فيما يتعلق بأمور الزواج والطلاق...ظلّ الموضوع معلقاً حتى وصول جميل مردم بك إلى الحكم، وهو علماني الهوى، درس العلمانية الأوروبية وتبناها عن قناعة منذ أن كان طالباً جامعياً في مدرسة العلوم السياسية العليا في باريس، وقد وصل إلى سدة الحكم قبل سنتين، بعد إبرام اتفاقية مع الفرنسيين تضمن حصول البلاد على استقلالها التدريجي... حصل مردم بك على الموافقة على قانون الأحوال الشخصية من زميله في الحكومة وزير العدل، عبد الرحمن الكيّالي، خريج جامعة بيروت الأميركية، المتأثر أيضاً بالفكر العلماني الغربي. ظنّ رئيس الحكومة أنه قادر على فرض الأفكار العلمانية على المجتمع، ولكنه أدرك سريعاً استحالة هذا الأمر، تحت إلحاح وضغط من العلماء والجمعيات الدينية والعلماء، وعلى رأسهم الشيخ كامل القصاب، الذي هدد بعصيان مُسلح في طول البلاد وعرضها لو أكمل مردم بك مشروعه... وعند انفجار قنبلة في سيارته على أبواب السراي الحكومي، أدرك جميل مردم بك مدى جدّية كامل القصاب في تهديداته. وبعد إعطاء موافقته الأولية على القرار الفرنسي، تنصل رئيس الحكومة منه وأعطى أمراً معاكساً لكافة المحاكم السورية بعدم تطبيقه، بحجة أنه لم يحصل على موافقة مجلس النواب... ثم قدم مردم بك استقالته من منصبه احتجاجاً عليه وإرضاء للشارع المحافظ...قبل مغادرته مكتبه في السراي الكبير، شكّل لجنة لإعادة دراسة القانون، مؤلفة من أمين فتوى دمشق الشيخ عبد المحسن الأسطواني، الشيخ كامل القصاب، رئيس محكمة التمييز مصطفى برمدا والقاضي المسيحي حنّا مالك، وقرروا مجتمعين طي القرار إلى أجل غير مسمى "(9). ثم استغل تيار الصيرورة الهابطة أيام حكم الشيشكلي تمتعه بالأغلبية في الجمعية التأسيسية وأصر على وضع دين محدد للدولة فوضع في مسودة الدستور أن الإسلام هو دين الدولة(10). رغم أن تيار الصيرورة الصاعدة الذي بنى الدولة الحديثة في سوريا في الفترة الممتدة بين 1920 – 1958 كان يعمل على أرض الواقع بالعرف لا بالقانون " بشعار الدين لله والوطن للجميع". إن أهم صفة ميزت تيار الصيرورة الهابطة المكون من كبار رجال الدين والشرائح المحافظة من كبار تجار السوق هو ان هذا التيار كان مدعوماً تاريخياً من طبقة تجار السوق وهي الطبقة الوسطى التي وجدت داخل الهرم الطبقي لمدة قرون من التاريخ العربي الوسيط بين طبقة كبار رجال الدولة والسلطة ومعهم كبار ملاكي الأراضي ورجال الدين وبين طبقة عامة المجتمع من فقراء المدن والفلاحين. وقد تميزت هذا الطبقة تاريخياً - وما زالت تحمل في عروقها نفس المميزات والخصائص حتى يومنا هذا- عن مثيلتها في الواقع الأوروبي بأكثر من ميزة وخاصية. لقد " كانت المدينة الأوروبية التي ظهرت فيها بشائر الديمقراطية الحديثة هي مدينة الطبقة الثالثة ( البرجوازية )، أي مدينة التجار الذين حولوا التبادل إلى علم، وفيها ظهرت مفاهيم الادخار والاستثمار والإنتاج"(11). في حين كان سيد المدن العربية مشكّلاً من طبقة كبار رجال الدولة والسلطة ومعهم كبار ملاكي الأراضي ورجال الدين بينما تقبع طبقة التجار في الأسفل منهم وفي الوسط بين الطبقة العليا وعامة أبناء المدن " وبينما كان أعيان المدن العربية يرسخون مفاهيم الاستهلاك والتبذير في الوقت الذي كان فيه التجار والحرفيون يلجؤون إلى الاكتناز خوفاً من المصادرة وبطش السلطان المستبد"(12). إن خوف التجار في المدن العربية من مصادرة أملاكهم من قبل السلطان المستبد دفعهم " إلى ما هو أسوأ من إعادة التوظيف في الأرض: إلى الاكتناز . فبدلاً من المراكمة البدائية لرأس المال التي تميزت بها البورجوازية الأوروبية عن النبالة الاستهلاكية، لجأت البورجوازية الخاصة والبيروقراطية إلى الاكتناز. فالتاجر لم يكن قادراً في ظل غياب الأمن عن النفس والممتلكات، أن يراكم رأس المال، الذي لم تعرفه إلا البورجوازية الغربية، بل كان يكتنز: أي يعقم نقوده بحرمانها من النمو عبر التداول. فكبار التجار والموظفين كانوا دائماً، منذ العهد العباسي إلى دخول الاستعمار الأوروبي مرغمين على دفن ثرواتهم النقدية أو إخفائها عند الأصدقاء الذين كانوا بدورهم يودعونها التراب كما أشار لذلك ابن مسكويه وابن خلدون. وهكذا حكم الاستبداد السياسي على الثروات النقدية بأن تصبح عدماً اقتصادياً...اقتضت خصوصية البورجوازية العربية أن تلعب الأحداث الاقتصادية، التي لعبت في أوروبا دور الحافز، عندنا دور الكابح: فرأس المال التجاري كان شرطاً ضرورياً للانتقال إلى الرأسمالية الصناعية في نمط ديناميكي، أما في نمط ستاتيكي فوجود رأس المال التجاري لا يوجد – بكسر الجيم - بالضرورة رأس مال صناعي، الذي هو وحده علامة التقدم الرأسمالي الحديث. والسوق لا يكون مكاناً لمراكمة رأس المال وحافزاً للإنتاج من أجل الربح ومطوراً بالتالي للقوى المنتجة، إلا إذا عاد بعد غياب وفي سياق إنتاج بورجوازي حر من العوائق الأكسترا - اقتصادية حيث لا يمكن لوجود أي من طرفي المعادلة: السوق والإنتاج من أجل الربح أن ينفصل عن إيجاد تطوير الآخر. أما السوق الدائمة الحضور، كما في حالنا، فإنها توجد وتنعدم وظيفتها نظراً لركود القوى المنتجة. والمدينة التجارية التي اعتبر ظهورها في أوروبا بعد غياب طويل عاملاً جوهرياً لتطور الحضارة الحديثة، لم يكن حضورها الدائم عندنا، مع غياب إمكانية تطورها الذاتي، إلا عامل تخليف، ومدينة تعادي كل ما هو فعّال وفعلاً حديث في الرأسمالية الحديثة، تذكروا: إن شجب السفور، الاختلاط، لبس البدلة الإفرنجية والبرنيطة، العلمانية، العلم التجريبي، حرية الصحافة والأحزاب إلى آخر قائمة الأشياء والأفكار المستوردة التي اعتبرتها البورجوازية العربية منذ حملة نابليون على مصر إلى اليوم مؤامرة على نقاوة دينها وأصالتها القومية العريقة "(13). لهذا لم يكن مستغرباً أن لا يجد شيخ الأزهر أمام حملة نابليون على مصر إلا خطر السفور الإفرنجي على المرأة المسلمة. ولهذا لم ير هذا التيار الهابط في الفكر القومي ومعه الفكر الشيوعي غير كونهما يشكلان خطراً على الإسلام، ولهذا أيضاً كان منطقياً أن يكون " بعض المسيحيين السوريين المنخرطين في النهضة الأدبية العربية خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر أول من زرع فكرة العروبة العلمانية"(14). ولهذا أيضاً كان طبيعياً أن يغلب الطابع الريفي بشكل عام على المنخرطين مع الجيل الثاني للنهضة. كما كان منطقياً فيما بعد أن تغلق المدن العربية الكبرى أبوابها بدءاً من أوائل الثمانينيات من القرن العشرين في وجه القوميين والشيوعيين. ليتسيد داخل المدن العربية بدءاً من هذا التاريخ فكر وثقافة تلاميذ عبد الستار السيد وكفتارو والبوطي وأميرة القبيسي ...الخ وكل من هب ودب من الاتجاهات الإسلامية القادمة من مشارق الأرض ومغاربها، وكل ذلك بدعم ورعاية وحماية سيف نظم الاستبداد المعمم التي سادت في الواقع العربي. وإذا ما أضفنا خاصية أخرى اتصفت بها طبقة تجار المدن العربية، في كونها طبقة عاشت تاريخياً بالمقربة من سيف السلطة والدولة التي كانت تتمركز قوتها في المدن، الأمر الذي جعل عندها فكرة التمرد سياسياً وثقافياً على السلطة السائدة وإيديولوجيتها هو أقل من غيرها من شرائح المجتمع ولا سيما الريف والأطراف البعيدة عن مراكز المدن والدولة ويد السلطة، وهو الأمر الذي جعل طبقة تجار المدن تشكل تاريخياً سنداً للنظم الحاكمة وسنداً لطبقة كبار رجال الدين، كما تشكل معقلاً وحصناً للأرثوذكسية الإسلامية السائدة داخل المدن العربية الكبرى بدل أن تشكل رأس حربة في عملية الإصلاح الديني والثقافي كما كان عليه الحال في المجتمعات والمدن الأوروبية. ولهذا نجد أنها عبر التاريخ كان سهلاً أن تعطي ظهرها كي يمتطيها أي حاكم حتى لو كان هذا الحاكم هو حافظ الأسد الذي استقبلته يوم صعوده إلى سدة السلطة عام 1970 بشعارها المعروف الذي كتبته وعلقته على مدخل سوق الحميدية في دمشق " طلبنا من الله المدد فأرسل حافظ الأسد ". لقد شكل تيار الصيرورة الصاعدة من البرجوازية الرأس القائد والمفكر للبرجوازية التقليدية السورية وهو التيار الذي تعود إليه كل منجزات التطور البرجوازي في سورية الحديثة، ولهذا عندما تم قطع هذا الرأس واستئصال هذا التيار بحملات التأميم ابتداءً بحملة التأميم التي تمت أيام الوحدة مع مصر 1958، مروراً بالانقلاب البعثي في 8 آذار 1963، وصولاً إلى حملة التأميم الكبرى عام 1965، فإنه ابتداءً من هذا التاريخ لم يبق في الواقع السوري وفي الميدان " غير حديدان النشح " من تيار الصيرورة الهابطة الذي سيتحالف مع تيار الصيرورة الهابطة الجديد الذي مثله نظام الاستبداد المعمم الأسدي، حيث ستطوى بعد ذلك صفحة وجود البرجوازية التقليدية من الواقع السوري، فبعد مخاض من التقارب والصراع في زمن نظام الاستبداد المعمم الأسدي ستشهد الساحة السورية اندماج هذين التيارين الهابطين حيث سيتم تشكيل عبر هندسة طبقية وسياسية ما سأطلق عليه تسمية " برجوازية الحركة التصحيحية ".
ثانياً: ومن الأسباب التي جعلت البرجوازية التقليدية غير قادرة على تعميم فكر النهضة كانت مسألة عدم قدرة البرجوازية التقليدية على لعب دور قيادي وتحرري داخل المجتمع, فالبرجوازية التقليدية لم تستطع أن تشكل طبقة قيادية تحررية على صعيدين أساسيين هما:
أولاً: قيادة وتحرير المجتمع من الإقطاع والاضطهاد والتعسف الإقطاعي، فالبرجوازية في الواقع السوري كان يفترض كي تغدو طبقة قائدة وتحررية وكأي طبقة اجتماعية تتنطح لقيادة المجتمع والسيادة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية كان عليها كما يقول كارل ماركس في مقالة مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل: " أن تستثير لبعض الوقت حماساً بين صفوفها وبين الجماهير فإنها خلال هذا الوقت تتآخى مع المجتمع كله, ويعترفون بها ممثلاً عاماً ويعطفون عليها بوصفها طبقة (وتصبح)حقوق هذه الطبقة ومطالبها خلال هذا الوقت هي بالفعل مطالب المجتمع كله, وهذه الطبقة هي رأس المجتمع وقلبه ولا تستطيع طبقة أن تطالب لنفسها بالسيادة على كل الطبقات الأخرى إلا باسم الحقوق العامة للمجتمع. فمركز المحرّر لا يمكن أن يحتل بالقوة بمجرد النشاط الثوري والثقة العقلية بالنفس ولو تطابق تحرر طبقة ما مع ثورة الشعب, إذا عوملت طبقة ما كنظام اجتماعي بأسره, عندئذ لا بد من الناحية الأخرى أن تتركز كل نقائص المجتمع في طبقة أخرى لا بد أن تكون طبقة محددة هي العقبة الكلية وتجسيد القيود الكلية....لا بد أن تكون طبقة أخرى هي طبقة تثير نفور الجميع لا بد أن تكون تجسيداً لما هو يقيد الجميع...ولكي تكون طبقة واحدة هي الطبقة المحررة لا بد أن تكون طبقة أخرى بالعكس هي الطبقة المستعبدة للجميع(15).
وبالرغم من كون طبقة الإقطاع في الواقع السوري كانت تشكل الطبقة التي تثير نفور الجميع وتشكل بنظر غالبية المجتمع الطبقة التي تقوم بممارسة الاستغلال والاستعباد فإن البرجوازية السورية لم تستطع أن تشكل الطبقة التحررية المفترضة أي الطبقة التي تقوم بتعبئة المجتمع كله خلف مصالحها وحقوقها التي من المفترض (من الناحية النظرية) أن تشكل مطالب ومصالح وحقوق كل المجتمع أو غالبيته وبالتالي خوض نضال وصراع ضد طبقة الإقطاع أي ضد الطبقة التي تتركز فيها كل نقائص المجتمع وتقيد حريته وحركته وتطوره وتثير نفوره وتقوم باستعباده واستغلاله. إن البرجوازية السورية بحكم خصائصها التاريخية التي أشرت إليها في فصول سابقة لم يكن باستطاعتها أن تلعب وتشكل طبقة تحررية وبما يعني تحرير المجتمع من الإقطاع وبشكل حاسم وجذري ووضع حد نهائي للسيطرة والاضطهاد والاستعباد الإقطاعي الذي كان يمارس بحق غالبية أبناء المجتمع السوري في تلك المرحلة التاريخية, ويكفي أن نعلم أن 75%من سكان المجتمع العربي كانوا يعيشون في الأرياف وتحت نير العلاقات الإقطاعية حتى ندرك كم حرمت البرجوازية السورية من قاعدة اجتماعية كان من المفترض أن تكون لها لمرحلة من تاريخ تطور المجتمع لو استطاعت تحرير الفلاحين من الإقطاع (عبر إصلاح زراعي حقيقي)، وهنا نعلم لماذا لم تستطع البرجوازية السورية أن تشكل طبقة قيادية تحررية وبالتالي لماذا لم تستطع أن تعمم ثقافة وفكر الجيل الأول من النهضة والذي هو ثقافتها وفكرها المفترضين, فأي طبقة في التاريخ لا يمكن أن تستطيع أن تعمم ثقافتها وفكرها وقيمها إلا إذا استحوذت على تأييد غالبية المجتمع أي إلا إذا أصبحت ممثلة وقائدة للمصالح العامة العليا للمجتمع، ففي هذه الحالة فقط تصبح غالبية المجتمع حوامل وأدوات اجتماعية لنشر فكر وقيم وثقافة هذه الطبقة. فالانتلجنيسيا المعبرة عن فكر أي طبقة اجتماعية لا يمكن أن تصل في فكرها وتأثيرها ووجودها إلى أبعد مما تصل إليه الممارسة السياسية للطبقة التي تمثلها هذه الانتلجنيسيا. فإذا بقي الممثلون الفكريون لطبقة ما في وادي والطبقة في وادي آخر كانت النتيجة انحسار تأثير ووجود ممثلي هذه الطبقة عن مسرح الواقع والوجود والعكس صحيح فإذا تناغمت وتساوقت أعمال وسلوك وممارسة الطبقة مع الإنتاج الفكري لممثليها على المستوى الفكري والثقافي فإن تأثير ووجود واستمرار الإنتاج والإبداع الفكري والثقافي لهؤلاء الممثلين يبقى حياً ومستمراً وفعالاً على مسرح الحياة والواقع ويغدو فكراً متجدداً ومنتشراً وفي صيرورة صاعدة وناهضة, فقد " كان الفلاسفة الفرنسيون (النهضويون)معجبين أشد الإعجاب بالفيلسوف البريطاني لوك عندما كانت الرأسمالية البريطانية سباقة عن الفرنسية في محاربة ومحاصرة الإقطاع إلا أن الفلاسفة الفرنسيين تجاوزوا فيما بعد معلمهم لوك وذلك لأن الطبقة التي كانوا يمثلونها في فرنسا كانت قد وصلت في نضالها ضد النظام القديم الإقطاعي إلى أبعد مما وصلت إليه تلك الطبقة التي كانت تعبر عن مطامحها في مؤلفات لوك الفلسفية "(16).
ثانياً: لم تستطع أن تشكل طبقة تحررية على صعيد تحرير الأراضي العربية المغتصبة من السيطرة الاستعمارية، ولا سيما بعد أن تم زرع الكيان الصهيوني في قلب الواقع العربي على أرض فلسطين بدعم من المراكز الرأسمالية، وهنا علينا أن نلاحظ أن المراكز الرأسمالية وقبل غيرها هي من أفشلت المشروع الوطني للبرجوازية التقليدية، فدعم هذه المراكز لمشروع قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين حمّل البرجوازية التقليدية ما لا طاقة لها عليه، كما حرمها من امتياز كونها طبقة تحررية على الصعيد الوطني، فما حققته البرجوازية التقليدية من انتصار في طردها المستعمر الغربي من الباب عاد للهروب والضياع من شباك الهزيمة في حرب النكبة في فلسطين عام 1948، إن فشل البرجوازية التقليدية في حرب النكبة في فلسطين عام 1948، مضافاً إليه فشلها في أن تكون طبقة تحررية ضد الإقطاع أفقد البرجوازية العربية التقليدية ومنها السورية إمكانية أن تكون طبقة لها قاعدتها الاجتماعية الواسعة والعريضة التي من خلالها كان يمكن أن تنشر وتعمم ثقافتها وفكرها وتحديداً فقدت إمكانية القدرة على نشر وتعميم فكر الجيل الأول من مفكري النهضة, إن فشلها في أن تكون طبقة تحررية جعلها تخسر تأييد وتعاطف غالبية المجتمع من فلاحين وعمال وبرجوازية صغيرة ناشئة, ولهذا بقيت البرجوازية العربية التقليدية في تلك المرحلة التاريخية طبقة معزولة ومنبوذة في الآن ذاته, وبالتالي كان من الطبيعي والبديهي أن تكون طبقة غير مؤثرة في المجتمع من الناحية الثقافية والفكرية أي كان طبيعياً أن لا يتم الإصغاء إلى خطابها وفكرها وثقافتها حتى عندما كانت هذه الثقافة هي ثقافة الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية والمجتمع المدني والمواطنة، وكان من الطبيعي أن ينحسر تأثير ووجود الفكر النهضوي الذي بدأه الجيل الأول من مفكري النهضة. ومع إجهاض فكر الجيل الأول توفرت الشروط والبيئة والمناخ لظهور وعبور الجيل الثاني للنهضة فكرياً وسياسياً وطبقياً ونعني القوى القومية البرجوازية الصغيرة والقوى اليسارية الشيوعية العمالية والفلاحية التي حملت راية النهضة بعد إفلاس وعجز البرجوازية التقليدية عن تعميم فكر الجيل الأول من مفكري النهضة, وقد تسنم الجيل الثاني قيادة النهضة وحمل راية النهضة لأن القوى السياسية القومية والشيوعية التي تنطحت لهذه المهمة طرحت شعارات وقدمت ممارسة سياسية بمحتوى معاداة ومحاربة الإقطاع ومحاربة الاستعمار الأمر الذي أعطاها صفة ما تم تسميته في تلك المرحلة حركة التحرر الوطني وأعطاها مركز قيادة هذه الحركة, إن القوى السياسية والطبقية من قومية وشيوعية كان خطابها السياسي والثقافي والفكري مسموعاً لدى غالبية المجتمع, لهذا استطاعت استنهاض غالبية أبناء المجتمع من عمال وفلاحين وبرجوازية صغيرة إلى مسرح الحياة العامة ولكن للأسف كانت نهضة ونهوضاً أقرب إلى القفز في الفراغ أو الارتجال أكثر مما كان نهوضاً ووقوفاً على أرض صلبة . فبالرغم من كل النوايا الطيبة التي ملأت قلوب وعقول مؤسسي هذه النهضة والكثيرون ممن انخرطوا فيها – والأمر بطبيعة الحال لم يكن هو ذاته عند كل المنخرطين بتيارها كما يحدث في كل حركة سياسية أو اجتماعية عرفها التاريخ – أقول بالرغم من ذلك فإن الفشل الذريع والمخجل كان نصيبها كونها كانت تشكو من ثلاثة عيوب قاتلة. فإذا كان عيب النهضة الأولى تمثل في عدم قدرة حاملها الطبقي البرجوازي التقليدي في تعميم فكر وثقافة النهضة فإن النهضة الثانية كان يعيبها ثلاثة عيوب هي:
أولها: حاملها الاجتماعي الطبقي الذي كانت الغلبة فيه حد الطغيان للعنصر الفلاحي على العنصر المدني في قاعدته، وللعنصر البرجوازي الصغير العسكري والمدني ذي الأصول الريفية في قيادته، ولا سيما أن الفصائل القومية البرجوازية الصغيرة ومعها الشيوعية داخل ما سمي بحركة التحرر الوطني لم تأل جهداً من أجل وضع يدها على المؤسسة العسكرية إلى الحد الذي تحولت فيه بعض الجيوش العربية كالجيش السوري والعراقي إلى ما يمكن تسميته بحزب أبناء الفلاحين، فكان في داخل كل حزب من الأحزاب القومية والشيوعية حزب عسكري مواز ومنافس لقيادته المدنية والمدينية.
وثاني هذه العيوب: كان في فكرها وثقافتها التي افتقدت للبعد الديمقراطي بعد أن طغى البعد الاجتماعي والوطني على أي ثقافة أو بعد آخر، وهو الأمر الذي سأتناوله بالتفصيل فيما سيتقدم من هذا البحث.
وثالث هذه العيوب: كان اقتباس كل فصائل حركة التحرر الشيوعية والقومية البرجوازية الصغيرة للنموذج الستاليني في بناء الدولة والمجتمع، فإذا كان الجيل الأول من مفكري النهضة وقع تحت تأثير أفكار ومبادئ وقيم الثورة البرجوازية الفرنسية فإن الجيل الثاني وقع تحت تأثير مبادئ وأفكار وقيم الثورة البلشفية الروسية ولكن بنسختها الستالينية, فيكفي أن نعلم أن كل فصائل حركات التحرر الوطني تأسست وعرفت السياسة والثقافة والفكر في زمن سيطرة الستالينية على الأممية الشيوعية وعلى قيادة الصراع مع القوى الاستعمارية التقليدية الإمبريالية, وقد وصل حدود التأثير الستاليني على هذه الحركات إلى درجة أن الحياة الداخلية لهذه الحركات من الناحية الفكرية والتنظيمية أصبحت تخضع لنظام بوليسي مشابه للنظام البوليسي للدولة الاستبدادية الستالينية السوفييتية. إن أزمة حركات التحرر الوطني ومنها العربية والسورية والطريق المسدود الذي وصلت إليه في جميع تجاربها لم يكن ناتجاً عن طبيعة قيادتها الطبقية والسياسية العسكرية الريفية فحسب والتي انتهت في بعض المجتمعات إلى نظم عسكرية ريفية شمولية طائفية كما الحالة السورية والعراقية أو عسكرية ريفية شمولية قبلية أو جهوية كما حالات أخرى عربية وغير عربية، إن أزمتها تكمن كذلك وبكل بساطة في كون فكرها وثقافتها وإيديولوجيتها الستالينية خلت من أي بعد ديمقراطي في الوقت الذي كان يتطلب تحقيق أي من المهام التي تنطحت لتحقيقها وجود الديمقراطية في بنية قيادتها الطبقية وفي ثقافتها وبرامجها وممارستها السياسية في السلطة وفي نموذجها الذي تتبناه في بناء الدولة وعلاقة الدولة بالمجتمع . لهذا كان طبيعياً أن تتحول النظم السياسية التي وصلت إلى السلطة في أغلب بلدان المستعمرات السابقة باسم حركة التحرر الوطني إلى نظم عسكرية شمولية وفي بعض الساحات نظم عسكرية شمولية طائفية أو قبلية، ولهذا كان طبيعياً ومنطقياً أن يشكل نظام الاستبداد المعمم الأسدي الذي عرفته الساحة السورية منذ 1970 تياراً جديداً من تيارات الصيرورة الهابطة داخل المجتمع السوري والعربي، فهذا النظام مع أمثاله من نظم المنطقة سيطلق صيرورة من " الجدل الهابط للجامع القومي "(17). والجامع القطري على حد سواء، حيث سيقود ذلك إلى هبوط في انتماء الإنسان السوري من الانتماء القومي إلى الانتماء القطري نزولاً به حتى الانتماء الطائفي وصولاً للاحتماء بالانتماء العائلي كآخر الحصون الباقية أمام الإنسان السوري الذي طارده نظام الاستبداد المعمم الأسدي حتى انتزع منه آخر نفس من الحرية وآخر لقمة عيش وآخر شبر باق له على أرض الوطن. .....................................................................................
المراجع والمصادر:
(1)- ص (22 ) من كتاب تطور المجتمع السوري ( 1831 – 2011 ) تأليف نشوان الأتاسي. " والواقع أن تعبير " أعيان " يشمل عموماً " العلماء" أو " العلماء الدارسين " وهم علماء الدين المسلمين، ومنهم " الأشراف "، وهم سلالة الرسول محمد، ومجموعة الوجهاء " العلمانيين " المؤلفة من التجار الأغنياء وإقطاعيي الضرائب الذين لا ينتمون إلى المؤسسة الدينية الإسلامية، و" الأغوات " المكلفين بالحاميات العسكرية المحلية " ص22... " مع التأكيد هنا أن مصطلح العلمانيين لا علاقة له بمفهوم العلمانية secularism وإنما تم استخدامه في وصف الأعيان غير المتحدرين من المؤسسة الدينية أي ممن ليسوا من العلماء الدارسين ولا من الأشراف " ص22 المصدر نفسه.
(2)- ص (43 ) المصدر السابق كتاب نشوان الأتاسي.
(3)- ص (43 ) المصدر السابق كتاب نشوان الأتاسي.
(4)- ص (44 ) المصدر السابق كتاب نشوان الأتاسي.
(5)- ص (62) المصدر السابق كتاب نشوان الأتاسي.
(6)- ص (62) المصدر السابق كتاب نشوان الأتاسي.
(7)- يقول صقر أبو فخر في مقال منشور بتاريخ 18 أغسطس 2012 بعنوان أعيان الشام واستعصاء العلمانية في سورية: " موقع رجال الدين في الهرم الطبقي التقليدي في سورية هو الثاني بعد ملاك الأرض. وهؤلاء احتكروا التدريس وكذلك القضاء والأوقاف، وهي شبكات منافع اجتماعية ممتدة. ورجال الدين هؤلاء كانوا رجال دنيا في الوقت نفسه، فهم يستثمرون الأراضي، وينهبون الأوقاف، ويتمتعون بمرتبات الدولة، ويمارسون التجارة، وينالون أعطيات الحكام لإقناع العامة ولا سيما الفلاحين بالرضى عما كتب الله لهم ".
(8)- المصدر السابق مقال صقر أبو فخر.
(9)- من مقال للمؤرخ السوري سامي مروان مبيض بعنوان تجربة سورية منسية في تاريخ العلمانية منشور في موقع رصيف 22 بتاريخ 27 أكتوبر 2020.
(10)- للمزيد حول هذا الموضوع يمكن مراجعة كتاب – باترك سيل – الصراع على سوريا ص129.
(11)- المصدر السابق مقال صقر أبو فخر.
(12)- المصدر السابق مقال صقر أبو فخر.
(13)- ص 214 – 216 من الفصول التي أضافها العفيف الأخضر على البيان الشيوعي الذي ترجمه.
(14)- ص44 المصدر السابق كتاب نشوان الأتاسي.
(15)- كارل ماركس ص 182 الحولية الألمانية الفرنسية باريس 1844 مقالة مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل.
(16)- ص167 من كتاب تطور النظرة الواحدية إلى التاريخ تأليف بليخانوف.
(17)- ص 13 من كتاب جدلية التفتت والوحدة في المشرق العربي ( 1970 – 1990 ) تأليف د. محمد شيا.

الاستبداد المعمم في سوريا مقدماته ومراحله- 9- lemonde.in 5 of 5
 لومـــــوند : نبيل ملحم تاسعاً: في أسباب إجهاض عصر النهضة:  بدأت تظهر الملامح الأولى للنهضة الفكرية الحديثة في الواقع العربي انطلاقاً من ا...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك