السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا -23 -

لومـــــوند : نبيل ملحم
الثالث والعشرون: الثورة السورية والمستحيلات السبعة.
وقعت الثورة السورية في دائرة ومجال خمسة احتمالات، لو تحقق أي منها، لتكللت ثورة السوريين بالنصر أو لنقل كانت بالحد الأدنى تجاوزت المحنة الشاملة التي وصلت إليها، إن كان على صعيد الخسائر في الأرواح البشرية أو على صعيد الخسائر المادية التي أصابت البنى التحتية لكل المجتمع، أفراداً وجماعات، وطالت كل مناحي الحياة أو على صعيد الخسائر السياسية والمعنوية والأخلاقية التي لحقت بالمجتمع وقواه السياسية. ولكن ولأن جميع هذه الاحتمالات كانت مستحيلة التحقيق، وصلت الثورة إلى ما وصلت إليه، فما هي هذه الاحتمالات ؟؟؟ وما هي العوامل التي جعلتها من المستحيلات ؟؟؟ أو لنقل ما هي العوامل التي جعلت هذه الاحتمالات في غير مصلحة ثورة السوريين ؟؟؟. ولكن قبل الخوض في العوامل، ونقاش وتبيان هذه المستحيلات، أعتقد بأنه من المفيد والضروري الكشف عن الخصوصية السورية، حيث تكمن الخصوصية السورية في كون النظام الذي تربع على كرسي السلطة - الأب ثم الابن – لمدة نصف قرن من الزمن، امتلك فائضاً من القوة, تأتى من امتلاكه إضافة لقاعدته الطبقية السياسية، قاعدة اجتماعية، على شكل عصبية طائفية، مضافاً إلى ذلك، القوة التي جاءته من حلفائه في المنطقة، كونه جزءاً وشريكاً في مشروع إيران الإقليمي، الذي يمتد من جنوب لبنان غرباً وصولاً إلى طهران شرقاً مروراً بالعراق وسوريا، يضاف إلى ذلك، القوة التي أتته من حليفين دوليين، روسيا والصين، وهما عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، ولهما حق النقض(الفيتو).
على هذه الأرضية يمكن الكشف عن المستحيلات السبعة ومحنة الثورة السورية.
المستحيل الأول: جاء نتيجة استحالة فك الارتباط بين النظام الأسدي والبرجوازية الدمشقية والحلبية, فالنظام الأسدي الذي يمتلك كل هذه القوة، لم يكن هناك من طريقة لإسقاطه، ولو بالحد الأدنى إسقاط رأسه، إلا بطريقة الصدمة، أي إسقاطه خلال أيام وأسابيع معدودة، كما حصل في عملية إسقاط نظام زين العابدين بن علي في تونس ونظام حسني مبارك في مصر، فهذه الطريقة كانت الوحيدة التي تَحرم النظام, أولاً: من إمكانية استنهاض واستجرار كامل قوته الداخلية التي كانت تعيش حالة من الرعب والخوف يصل إلى حدود الانهيار، نتيجة الصدمة التي أحدثها الربيع العربي في أيامه وأسابيعه الأولى، وثانياً: تَحرمه من استجرار واستقدام القوى الإقليمية الحليفة له, والتي لم تكن متيقنة بالكامل من إمكانية صموده حتى لساعات معدودة، حيث أن ذلك الاستجرار كان يحتاج إلى عامل الوقت, فالوقت كان ضرورياً حتى لاستجرار تدخل فاعل من حلفائه الدوليين روسيا والصين, كما أن هذا الوقت هو ذاته الذي أفسح المجال من جهة ثانية، لتدخل فاعل للقوى الإقليمية والدولية الأخرى في أحشاء الثورة والمجتمع السوري، وضد أهداف الثورة وانتصارها, أقصد هنا الدول التي ادعت كذباً مناصرة الثورة وصداقة الشعب السوري. ولأن سقوط النظام بطريقة الصدمة، كان يستلزم دخول البرجوازية السورية، الحلبية والدمشقية، مع قاعدتهما الاجتماعية، على خط دعم ومساندة الثورة، في أيامها وأسابيعها الأولى، ولأن هذا الدخول كان من المستحيل، نتيجة بنية وطبيعة البرجوازية السورية، التي أصبحت ما بعد 1970جزءاً شبه عضوي من الطبقة العليا للدولة الاستبدادية البرجوازية الحاكمة، والتي يصح أن نسميها ببرجوازية الحركة التصحيحية كما قلت في مقال سابق، لتمييزها عن البرجوازية السورية التي نشأت في سياق التحرر الوطني, والتي قادت المجتمع السوري بعد الاستقلال, وبنت أول دولة وطنية في التاريخ الحديث. أقول نتيجة هذه البنية والطبيعة الجديدة للبرجوازية السورية، واجهت الثورة أول مستحيل لانتصارها, فهنا علينا أن نتذكر بأنه إذا كان صحيحاً أن القاعدة الاجتماعية للنظام قد دخلت المعركة من أيامها الأولى، فإن الصحيح كذلك هو أنها دخلتها وهي مرعوبة وغير واثقة من ذاتها وقدرتها على الانتصار وكسب المعركة، بفعل وأثر صدمة وهزة موجة الربيع العربي التي أسقطت نظامين خلال أسابيع معدودة ، إلا أن مشاهدتها لتردد وتمنع دخول مدينة حلب ودمشق بكل ثقلهما في معركة الثورة كان يحيي أملاً عند هذه القاعدة بالصمود أولاً، ثم بعد ذلك أصبح أملاً بكسب المعركة والنصر, كما علينا أن نتذكر أن الروس والإيرانيين ظلوا لأكثر من ستة أشهر يدعمون النظام بالسر ويراقبون سلوك هذه البرجوازية, حتى تأكدوا أنها ستخون ثورة السوريين, فعندها دخلوا الميدان بشكل مكشوف وقوي، بعد أن وفرت خيانة البرجوازية للثورة حداً مقبولاً لتوازن النظام, فالذي منع سقوط النظام بطريقة الصدمة كما حدث في تونس ومصر ( أي خلال أيام معدودة ) ليست امتلاك النظام لفائض من القوة التي جاءت إن كان من خلال مؤسسته العسكرية الأمنية أو من خلال دعم قاعدته وعصبيته الطائفية بل يجب أن نضيف بأنه كان نتيجة الدعم الذي جاء من قاعدته الطبقية والسياسية, وأقصد هنا خيانة البرجوازية الدمشقية والحلبية مع قاعدتهما الاجتماعية السنية للثورة السورية.
المستحيل الثاني: استحالة فك الارتباط بين النظام الأسدي وقاعدته الاجتماعية الطائفية، وهو الأمر الذي أعاق توسيع الهوية الوطنية للثورة وبالتالي تصاعد جذوتها وإطار امتدادها القادر على إسقاط النظام، فلو لم تنجر وتنجرف القاعدة الاجتماعية للنظام بشكل قطيعي خلف أكاذيب وألاعيب النظام خلال الأيام والأسابيع والأشهر الأولى للثورة, لما تم, أولاً: أسلمة الثورة وتطييف الصراع, وثانياً: عسكرة الثورة بوصفها ضرورة لتعديل ميزان القوة الذي تمادى ورجحت كفته لمصلحة النظام، إلى الحد الذي تجاوز منسوب العنف الذي يمارسه النظام ضد السوريين الثائرين الحد الذي لم يعد بالإمكان تحمله فيزيائياً ومعنوياً وروحياً ونفسياً، وبما يعني أن حد العنف والألم الناتج عنه بلغ مستوى لا يمكن لبني البشر أن يتحملوه دون ردة فعل من جنس الفعل ذاته, وثالثاً: تدمير سوريا واستباحتها من النظام وشركائه وحلفائه الإقليميين والدوليين, مضافاً إليهم كل لصوص العالم الذين ادعوا صداقتهم للثورة والشعب السوري, ورابعاً: لكانت سوريا انتقلت من حلقة مغلقة للصراع إلى حلقة مفتوحة للصراع والتطور. ولكن كون قوة المحنة الأخلاقية والسياسية للقاعدة الاجتماعية الطائفية للنظام والتي تراكمت وتكاثرت على مدى خمسة عقود من الفساد والإفساد، كانت أقوى من روحها الوطنية، تم ما تم من اصطفاف خلف النظام بدل الاصطفاف خلف الثورة, وبتعبير من علم النفس الجنسي لفرويد نستطيع القول: بأن قوة الرغبة وهي هنا رغبة القاعدة الاجتماعية الطائفية للنظام في الحفاظ على الوضع القديم ومكتسباته، كانت أقوى من قوة الخجل عندها وهو هنا الخجل من خيانة الثورة, فثورة الكرامة السورية جسدت قول كارل ماركس " أن الخجل عاطفة ثورية "، فمن تملكه الخجل من استمرار بقاء نظام تشكل على مدى نصف قرن من الزمن من حثالة كل وجود طبقي واجتماعي وسياسي في سوريا ثار على النظام والتحق بالثورة، ومن تملكه الخجل من نظام يطلق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين العزل ثار كذلك على النظام والتحق بالثورة، ومن تملكه الخجل من أكاذيب وألاعيب النظام الموجهة والملفقة ضد من ثاروا ضده في الأيام والأسابيع والأشهر الأولى كذلك ثار على النظام والتحق بالثورة، ومن تملكه الخجل من تحويل الجمهورية السورية إلى جمهورية وراثية ومزرعة لآل الأسد وإلى الأبد, كذلك ثار على النظام والتحق بالثورة، ومن تملكه الخجل من نظام يقوم أساساً على الفساد والإفساد كذلك ثار على النظام والتحق بالثورة، ومن تملكه الخجل من نظام هدر كل طاقات المجتمع السوري وسرق خيرات سوريا كلها بحجة تحرير الأرض المحتلة، وقد استمر بذلك على مدار نصف قرن من الزمن دون أن يحرر شبراً واحداً من الأرض المحتلة، وبالنهاية وباختصار يمكن القول بأنه في الحالة السورية تجسد المثل القائل " اللي استحوا ماتوا "، في المقابل إن الذين لم يخجلوا من كل ذلك، والذين أقاموا حلقات الدبكة والرقص، وكانت السعادة تغمر قلوبهم على وقع أخبار قتل إخوتهم في الوطن وتهجيرهم من بيوتهم إلى خارج حدود الوطن، أقول أن هؤلاء الذين لم يعرفوا الخجل كانت رغبتهم في الحفاظ على مكتسباتهم المادية والمعنوية والنفسية أقوى من الخجل من خيانة الثورة، وأقوى من الخجل من اعتبار كل ما قام به النظام من قتل وتدمير وتهجير كان انتصاراً لهم و " للوطن ". لقد قال ابن خلدون أن العصبية التي تقوم عليها الدولة تكون في أضعف حالاتها ووهنها في مرحلة انحطاط الدولة، إلى الدرجة الذي اعتبر فيه، أن وهن هذه العصبية، يشكل مدخلاً لانهيار وسقوط هكذا نوع من الدول، ولم يكن ابن خلدون ليدرك أو لنقل كان من المستحيل أن يدرك، أن العصبية التي تقوم عليها بعض الدول في العصر الحديث يحدث أن تكون في شروط خاصة في أشد قوتها ووحدتها في مرحلة انحطاط الدولة، لعدة أسباب منها. أولاً: لما أصبحت تتمتع به الدولة من قدرات عالية في الربط والجذب والإشراف والتنظيم وهي قدرات كانت تفتقدها الدولة في العصور التي رصدها ابن خلدون، ثانياً: الاستفادة الواعية من بعض الحكام من دروس التاريخ القديم، وبما يعني تجنب كل الأسباب والعوامل التي تذهب بالعصبية وتضعفها.
ثالثاً: تشجيع بروز نوع كهذا من العصبيات في المنطقة من قبل الدول الفاعلة في النظام الرأسمالي الدولي، وتوظيف نوع كهذا من العصبيات في الصراعات والمصالح الدولية المعاصرة، إن كان لجهة استثمارها كقاعدة ارتكاز للمصالح الجيوسياسية في الحالات التي لا تمتلك فيها بعض الدول القوة الناعمة اللازمة الثقافية أو الاقتصادية، كما هو حال استثمار روسيا الاتحادية البوتينية فيما تسميه سوريا المفيدة ( الطائفية ) أو لجهة استخدام هذه العصبيات كأداة في تفتيت هوية بعض المجتمعات في المنطقة, كما هو حال المسعى الأمريكي الإسرائيلي - من خلال العصا الروسية أو وكيلهم الروسي - في خلق دول قائمة على الهوية الدينية في المنطقة، أو ما يمكن تسميته " بالإسرائيليات الجديدة " في المنطقة, فنوع كهذا من الدول القائمة على أساس الهوية الدينية لا يجعل الهوية اليهودية لدولة إسرائيل أمراً عادياً وطبيعياً في محيطها فحسب، بل يجعل هذه الدولة أقوى الدول في محيطها على الإطلاق. فالمسؤولون الروس وفي أكثر من مناسبة لم يخفوا الجانب والبعد الطائفي لعلاقتهم بالنظام الأسدي، فهنا علينا أن نتذكر ما صرح به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عام 2012 " عن مخاوف روسيا من قيام حكم سني في سوريا " على أنقاض النظام الأسدي، وحيث جاء هذا التصريح ليؤكد ما كشفه الملحق العسكري الروسي سابقاً في السفارة الروسية في دمشق الفريق ديمتري فيدوروف على محطة روسيا اليوم التلفزيونية في برنامج " رحلة في الذاكرة " كيف أن الروس ساهموا في عملية توريث السلطة من الأب إلى الابن أو في الحد الأدنى تبيان رغبتهم في بقاء السلطة بيد الطائفة العلوية ما بعد حافظ الأسد وتحديداً الرغبة في إبقائها محصورة بيد العائلة الأسدية، وحيث أن هذه الرغبة أصبحت مكشوفة ومفضوحة بشكل صارخ بعد التدخل العسكري الروسي المباشر لمصلحة النظام الأسدي بدءاً من أيلول 2015 ، حيث بارك هذه الحملة العسكرية البربرية البطريرك كيريل بطريرك موسكو للكنيسة الأرثوذكسية حين وصف الحملة العسكري الروسية على الشعب السوري " بأنها حرب مقدسة " وأن هناك علاقة مزعومة تربط الكنسية الأرثوذكسية بآل الأسد منذ زمن صراع بيزنطة على سوريا، ثم جاء قول الناطق الرسمي باسم القاعدة العسكرية الروسية في مطار حميميم ألكسندر إيفانوف رداً على سؤال أحد المعارضين كما نشر على صفحة " هنا سورية من جبلة الأدهمية " بأنه لا يوجد نية لدى الروس بالتخلي عن الأسد لأنه ينتمي إلى أقلية مرغوبة لدينا "
لكل ما سبق يمكن القول أن تماسك العصبية يشكل أهم سبب في منع انهيار وسقوط الدولة القائمة على العصبية, فهنا في الحالة السورية وصل انشداد أفراد الطائفة العلوية إلى العصب الطائفي إلى الحد الذي طال لا الأغلبية الساحقة من عامة الناس داخل الطائفة العلوية بل وصل ليطول الأغلبية الساحقة من نخبها الثقافية والسياسية، فحتى من كانوا محسوبين تاريخياً على المعارضة الجريئة للنظام, ومنهم من دفع زهرة شبابه في سجون النظام, تحول بعضهم إلى معارضين تحت سقف النظام, بحجة محاربة الحلف الرجعي الفاشي الديني, ومن عرف منهم قليلاً من الخجل, أصبح معارضاً تحت سقف بوط جيش النظام, الذي سموه " بالجيش العربي السوري " ومنحوه صفة الجيش الوطني زوراً وبهتاناً كي يخفوا خيانتهم للثورة, أي بالنهاية تحولوا من معارضين صريحين وشجعان للنظام إلى معاضدين للنظام، ويعود سبب هذا البناء المعكوس لنظرية ابن خلدون في قوة العصبية التي قامت عليها الدولة الأسدية، للشروط التاريخية التي تم بناء العصبية في سياقها, فعندما قامت أغلب نظم الاستبداد في الواقع العربي، إن كان في سوريا أو العراق أو اليمن أو ليبيا، فإن العصب الطائفي ( الحالة العراقية والسورية ) والعصب القبلي ( الحالة اليمنية والليبية ) كان في أضعف حالات تماسكه وترابطه، فقد كانت الشعوب في هذه الساحات خارجة للتو من ساحات النضال الوطني والقومي الذي عرفته حقبة الخمسينيات، وبما يعني أن الشعوب كانت حتى تلك اللحظة مربوطة بالمشاريع السياسية القومية واليسارية، ولكن استطاعت النظم المشار إليها شيئاً فشيئاً ولا سيما بعد نكسة حزيران وانهزام المشروع القومي واليساري في المنطقة، والقمع الذي مارسته تلك النظم بحق النخب والأحزاب المعارضة لها، وبعد فتح أبواب الدولة للفساد والإفساد، أقول: بعد ذلك كله استطاعت هذه النظم استدراج هذه العصبيات أو لنقل البدء ببنائها، وبما يعني أنها بدأت بالتدريج اختطاف وقضم هذه العصبيات كي ترتكز عليها في حكمها من جهة ومن أجل ديمومة هذا الحكم من جهة ثانية، وهو الأمر الذي كان يقوي العصب الطائفي أو القبلي شئياً فشيئاً, وعندما وصلت هذه النظم إلى الخريف من عمرها كان هذا العصب في ذروة تماسكه واستعداده للدفاع عن هذه النظم، وهو الأمر الذي وجدناه في كل هذه الساحات المشار إليها أعلاه، وهو الأمر الذي قاد إلى تدمير هذه الساحات الأربعة، وهو الأمر ذاته الذي حال حتى الآن إلى عدم اكتمال سقوط النظام إن كان في اليمن أو سوريا أو حتى خلق البديل في ليبيا، أما العراق فلولا التدخل الأمريكي لما كان بالإمكان إسقاط نظام صدام حسين القائم على العصبية الطائفية, وهنا يجب القول بأنه علينا أن نعي بأنه في زمن استقرار نظم الاستبداد المعمم التي ترتكز في وجودها واستمرارها وقوتها على عصبية طبقية سياسية مركبة على عصبية طائفية أو قبلية فإن العصبية الطائفية أو القبلية تبقى مختفية ومستبطنة أو لنقل مستورة ومغلفة في أحشاء العصبية الطبقية السياسية طيلة فترة الاستقرار، ولكن ما أن تصل هذه النظم إلى زمن الأزمة حتى نجد اندفاع وبروز العصبية الطائفية أو القبلية إلى الواجهة كاشفة عن نفسها بشكل مفضوح عارية من أي رداء أو ثوب يسترها, أي أن عبارة " نحن الدولة ولاك " والتي يتندر بها السوريون كإشارة إلى عنجهية بعض السوريين تأتي كدلالة عن حالة التماهي التي تتم بين ثلاثة مستويات من الوجود السياسي والاجتماعي والطبقي الخاص حيث يصعب التمييز والتفريق بين السلطة والدولة التي تم تفريغها من وظائفها العامة، والقاعدة الاجتماعية الخاصة التي تستند إليها الطبقة العليا للدولة الاستبدادية المعممة، فهذا التماهي والاندماج ينتج فائضاً من القوة تمتلكه السلطة والدولة وقاعدتهما الاجتماعية، وهو الأمر الذي لا ينتج الطغيان - ومقولة نحن الدولة ولاك فحسب - بل يوفر الشرط اللازم والكافي لممارسة أقصى مستويات العنف وأشكاله البدائية البربرية, فهنا العنف يمارس وهو محمل بشحنة مركبة, سياسية طبقية, مضافاً إليها شحنة أكثر عتياً, هي الشحنة العاطفية الطائفية البدائية.
المستحيل الثالث : استحالة الإصلاح السريع أو المتدرج للنظام الأسدي، وقد أتت هذه الاستحالة نتيجة الأسباب البنيوية المتعددة التي تحول من قدرة نوع كهذا من النظم على الإصلاح، وحيث يأتي على رأس هذه الأسباب البنيوية, من كون هذه النظم تقوم على احتكار القوة وتحديد القوى في كل المجالات, إن كان الاقتصادية أو السياسية أو الإيديولوجية أو حتى الاجتماعية، وبما يعني أن فتح أي ثغرة في جدار قوة هذه النظم سرعان ما يتوسع ويؤدي إلى انهيارها السريع أو البطيء, كما جاءت الاستحالة من كون النظام في الحالة السورية كان صاحب مشروع يقوم على العصيان بالسلطة إلى الأبد، من خلال توريثها من الأب إلى الابن وهلمجرا، وهو الأمر الذي عبر عنه النظام الأسدي بشعاره المعروف الشهير " الأسد إلى الأبد " وشعار " سوريا الأسد " ، وكون النظام جزءاً من حلف ومشروع إقليمي، أقصد هنا المشروع الإيراني الفارسي المذهبي بالمنطقة، وكون سوريا شكلت أحد أهم قواعد ارتكاز هذا الحلف والمشروع، أقول: في شروط كهذه فقد كان مستحيلاً أن يقوم النظام بأي انحناءة ولو كانت صغيرة أمام شعبه الثائر والمطالب بالتغيير، بل أقول بأنه كان منطقياً وطبيعياً أن يرفع مثل هذا النظام في مواجهة الانتفاضة والثورة السورية من اليوم الأول لانطلاقها شعار " الأسد أو نحرق البلد ", كشعار متمم لشعار " الأسد إلى الأبد ", فقد كان النظام يدرك بأن أي انحناءة ولو كانت على شكل إصلاحات غير جذرية، قد تبقيه في السلطة لفترة زمنية محدودة، ولكنها كانت كفيلة بإنهاء صيغة " إلى الأبد " الأسدية التي عمل النظام على تكريسها لمدة نصف قرن من الزمن، كما أنها كانت كفيلة كما قال رأس النظام لأحد مستشاريه الذين نصحوه عندما كانت الانتفاضة السورية في أيامها الأولى، بالقيام بالاستجابة لبعض مطالب الانتفاضة السورية، بأن مثل هذه الاستجابة تجعل من ثاروا ضده يطرقون أبواب قصره في اليوم التالي على هذه الإصلاحات. وكذلك فإن الأمر كان يعني لإيران خسارة نفوذها الذي بنته في المنطقة على مدى ثلاثة عقود من الزمن، وحيث أن سوريا تشكل أحد أهم هذه المرتكزات في هذا النفوذ، ولم يكن لها أن تتخلى عنه بسهولة، فالنظام الأسدي يشكل حسب قول القيادي في الحرس الثوري الإيراني حسن انتظاري " جسراً بين إيران وحزب الله اللبناني " والساحة السورية تعتبر كما قال في سبتمبر 2013 رجل الدين مهدي طائب المقرب من المرشد علي خامنئي " المحافظة رقم 35 من المحافظات الإيرانية، وأن إيران لن تستطيع الاحتفاظ بطهران إذا فقدت سوريا "، ولولا الدعم الإيراني للنظام الأسدي " لكانت ضاعت " إيران والعراق ولبنان وسوريا، كما صرح في نوفمبر 2015، علي سعيدي ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في الحرس الثوري، الأمر الذي يعني أن قرار المواجهة وعدم الانحناء والإصلاح، مهما كان الثمن، لم يكن قراراً نابعاً من رأس النظام السوري وهيئة أركانه فحسب، بل كان كذلك قراراً إيرانياً بحتاً، وهو الأمر الذي أكدته شهادة أكثر من شخصية قيادية في الحرس الثوري الإيراني - في سياق حديثهم وتباهيهم بدورهم في صمود النظام الأسدي - من الذين التقوا رأس النظام في قصره في دمشق بداية الانتفاضة والثورة، وحثوه على الصمود وعدم التراجع والخوف من خوض المعركة حتى النهاية ضد شعبه، مهما كانت النتائج، ولا سيما في اللحظات التي كانت تصل فيها معنويات وثقة النظام بنفسه وقوته إلى الحضيض. أي أن الاستحالة هنا تأتت من كون الثورة السورية هبت في وجه نظام صاحب مشروع أسس له لمدة تصل إلى نصف قرن من الزمن، ويقوم على العصيان بالسلطة إلى الأبد، ومرتبط مع مشروع إقليمي تقوده إيران، ويرى في سوريا ونظامها ساحة نفوذ، شُغل للوصول إليه لمدة ثلاثة عقود من الزمن، وهو الأمر الذي يعني، أن صاحبي مشروع العصيان بالسلطة، ومشروع الحفاظ على النفوذ، كانا مستعدين لحرق سوريا والمنطقة، مقابل عدم التراجع قيد أنملة عن الوضع القائم، ولا سيما أن إيران لن تخسر شيئاً في هذه المواجهة، إن كان في نتيجتها تدمير سوريا، وحتى لو دُمّر النظام معها –أي مع سوريا - أو إن كان نتيجة المواجهة تثبت النظام ونفوذها معاً، ففي كل الحالات ستكون إيران خارج خط النار المباشر، ولا سيما أنها تملك أدوات كثيرة في المنطقة يمكن أن تقوم بالمهمة، وفي خط النار الأول في مواجهة كهذه, كحزب الله اللبناني، وغيره من الميليشيات الطائفية، العراقية والأفغانية، والتي تجاوز عددها 12 تشكيلاً وفصيلاً، وكلها تعمل تحت إشراف الحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني سابقاً، أي كان قرارها إما الحفاظ على المكتسبات بأي ثمن يدفعه الشعب السوري ومعه أدواتها في المنطقة أو ليكن من بعدي الطوفان والدمار, وهنا علينا القول أن إصرار الشعب السوري على الاستمرار بالثورة والمضي بالمواجهة حتى النهاية ومهما كلفت التضحيات، أتى من انكشاف مدى تمسك النظام بصيغة إلى الأبد الأسدية، في وقت أصبحت فيه هذه الصيغة كابوساً يؤرق حياة السوريين، وسكيناً تحز وتجرح يومياً في كرامتهم السياسية والوطنية، ولا سيما بعد أن شاهد الشعب السوري بعد انطلاق موجة الربيع العربي، كيف أن الشعبين التونسي والمصري استطاعا خلال أيام التخلص من حكامهما الأبديين، وبعد أن شاهدوا بدء انطلاق انتفاضة الشعبين الليبي واليمني ضد حكامهما المستبدين, كما أتى من انكشاف مدى النفوذ والتغلغل الإيراني في سوريا، ومدى تمسك إيران ومعها النظام بهذا النفوذ، وبما يعني مدى انغماس النظام بالمشروع الإيراني في المنطقة، وهو النفوذ الذي لا يمكن السكوت عنه أو تأجيل مواجهته, إذ أن تأجيل هذه المواجهة يعني المزيد من التغلغل الإيراني، في ظل شروط توريث السلطة في سوريا من الأب إلى الابن وهلم جرا. وهنا علينا القول كذلك، أن النظام لم يُقدم على مواجهة الثورة من أيامها الأولى بالطرق البربرية الدموية، كونها ثورة إسلاميين، كما حاول النظام وحلفاؤه ومناصروه ومعاضدوه، من " العلمانيين " الفاشيين و " اليساريين " العبوديين، أن يبرروا هذه البربرية، حين لم يكن في الأشهر الأولى للثورة وباعتراف فاروق الشرع نائب رأس النظام، كما باعتراف رأس النظام ذاته في خطابه الثاني بعد الثورة من وجود مسيطر لتنظيمات أو حتى جهات إسلامية في الثورة, فالنظام باعتقادي لجأ إلى ممارسة أقصى حالات العنف والبربرية كونه قرر مع حلفائه للأسباب السابقة الذكر منذ البداية عدم التراجع ولو خطوة واحدة للوراء أو قرروا عدم الانحناء أمام مطالب الثورة إن كان منها الصغيرة أو الكبيرة, وهنا أقول: حتى لو كان جان جاك روسو ومعه كارل ماركس بقيادة الثورة السورية، وحتى لو كانت شعارات الثورة كلها شعارات مشتقة من شعارات الثورة الفرنسية، وفكر وثقافة عصر الأنوار الأوروبي، وحتى لو كانت كل القوى المنخرطة والمشاركة في الثورة ذات ثقافة علمانية طاغية وسائدة، وحتى لو لم تكن هناك قطر وتركيا والسعودية. ومعهم أمريكا وإسرائيل على الخريطة, أقول: حتى لو كان كل ذلك فإن النظام كان سيقوم ويفعل ما فعله من تدمير وتخريب وقتل، فالنظام عندما قال " الأسد أو نحرق البلد " لم يكن يقول ذلك نتيجة هوية الثورة الثقافية أو الطبقية أو السياسية، لقد قال ذلك لأنه نظام عمل طيلة خمسة عقود من تاريخ وجوده في السلطة إلى تحويل سوريا إلى مزرعة خاصة ببيت الأسد، وبما يعني أن النظام كان لديه قرار مسبق بعدم ترك هذه المزرعة حتى لو قاد ذلك إلى تدميرها فوق رؤوس من يطالبه بحقه فيها، سواء كانوا علمانيين أو إسلاميين، يساريين أو يمينيين.
المستحيل الرابع : استحالة السلمية أو لنقل استحالة استمرار الطور السلمي للثورة، ففي شرط كهذا من استحالة جر القاعدتين الطائفية والطبقية للنظام إلى مجرى الثورة، وفي شروط ممارسة النظام لأقصى حالات العنف البربري بشكل متواصل ومستمر على مدار الساعة على مدى زمني تجاوز الثمانية أشهر، توفرت من جهة، كل الشروط المناسبة لتدخل خارجي إقليمي ودولي فاعل ومؤثر من كل الجهات باتجاه معاكس لاستمرار السلمية، ومعاكس لمصالح الثورة وانتصارها، ومن جهة ثانية، تشكل في الحالة السورية، ما يمكن تسميتها، بالمناطق العازلة الطائفية والطبقية أمام الثورة، وهي المناطق والحصون والقلاع الطائفية والطبقية التي وجد فيها النظام ملاذاً آمناً ليختبئ ويحتمي بها كي يلتقط أنفاسه من جهة، ويبني عليها استراتيجيته في المواجهة وخوض الصراع من جهة ثانية، أقصد مناطق الساحل السوري بشكل خاص والمناطق التي تقطنها أغلبية سكانية تنتمي للعصبية التي يرتكز عليها النظام في بعض المدن السورية، إضافة إلى أكبر مدينتين سوريتين دمشق ( العاصمة السياسية ) وحلب ( العاصمة الاقتصادية )، وهو الأمر الذي لم يضيق من الهوية الوطنية للثورة فحسب، بل تركها معزولة ومحصورة في الأرياف والمدن المتوسطة والصغيرة، وهو الأمر الذي فرض العسكرة، من جهة أولى، بوصفها ضرورة لتعديل ميزان القوى الذي تمادى ورجحت كفته لمصلحة النظام، إلى الحد الذي تجاوز منسوب العنف الذي يمارسه النظام ضد السوريين الثائرين الحد الذي لم يعد بالإمكان تحمله فيزيائياً ومعنوياً وروحياً ونفسياً، وبما يعني أن حد العنف والألم الناتج عنه بلغ مستوى لا يمكن لبني البشر أن يتحملوه دون ردة فعل من جنس الفعل ذاته، لقد مارس النظام الأسدي حداً عالياً وجنونياً من العنف ضد نخب وعامة المجتمع السوري الثائر على حد سواء, إلى الحد الذي أخرج المجتمع عن طور ممارسة السياسة في حدها العاقل إلى طور ممارسة السياسة في حد الجنون، فقول كارل فون كلاوزفيتز ) (1831_1780 أن الحرب هي امتداد للسياسة ولكن بوسائل العنف، يعني بأنها ممارسة للسياسة وقد بلغت حد الجنون، فنظام مجرم كالنظام السوري لم يخض الصراع السياسي يوماً ضد شعبه إلا عبر الجنون، وهو النظام الذي لا يعرف أساساً ولم يتعلم ولا يمكن أن يتعلم ويعرف خوض الصراع وممارسة السياسة إلا عبر الجنون, أي عبر العنف, أقول أن نظام كهذا لم يكن لأي إنسان أن يتوقع، إذا ما استثنينا فذلكات بعض المثقفين الجالسين في بيوتهم على الأرائك وهم يراقبون مجريات الصراع, ووهم بعض السياسيين، أن يكون الرد على جنون النظام إلا بالجنون المقابل، فعلينا هنا أن نعلم أن العنف والجنون الذي مارسه النظام لم يشمل النخب الأكثر وعياً وتعقلاً داخل المجتمع, بل مارسه كذلك ضد عامة المجتمع من الناس البسطاء الطيبين رجالاً ونساءً وأطفالاً وشباباً وشابات وعلى مدار الساعة وعلى مدى زمني بلغ حدود العام الكامل دون أن تبدو أمامهم ولو بارقة أمل وحيدة بوجود يد أو جهة ترفع سكين النظام التي تحز برقابهم، وفي شروط من العنف المادي والمعنوي الذي لم يطل الأرواح والأملاك والأعراض والمقدسات وتجاوز كل القيم والمعايير الأخلاقية للبشر فحسب، بل استفز واستثار وجر معه كل الغرائز البدائية التي يمكن أن تستيقظ داخل البشر، الأمر الذي يعني أن ردة الفعل على نوع كهذا من العنف المنفلت المجنون لا يمكن حصره واقعياً والسيطرة عليه بحسابات عقلية صرفة كما تفعل بعض النخب المثقفة والتي في كثير من الأحيان تكون بعيدة عن تلقي ضربات وعصي النظام بشكله المباشر، فالحلول العاقلة السلمية لا مكان لها واقعياً في شروط الجنون السياسي للنظام أو في الشروط التي تنتج الجنون السياسي. فالسوريون لم يمتشقوا السلاح دفاعاً عن وجودهم في الحياة نتيجة سيطرة غريزة البقاء عليهم كما يحلو للبعض أن يفسر ويبرر العسكرة، بوصفها أولية دفاعية فرضتها سيطرة غريزة البقاء عليهم نتيجة شدة العنف الذي مارسه النظام ضدهم، بل كانت أولية دفاعية عن كرامتهم التي أوغل النظام في جرحها في عمقها الوطني والروحي والوجداني، فجرح الكرامة كان أعمق وأخطر من مسألة الوجود والبقاء على قيد الحياة، ولو بحث السوريون عن الحياة أو البقاء على قيد الحياة لكانوا اختاروا التكيف والتأقلم من جديد مع شروط ووجود النظام، أي كانوا قبلوا بالعودة إلى حضن النظام وبيت طاعته للعيش في كنفه أذلاء مهانين مدى الحياة والأبد الأسدي، ولكن كون جرح الكرامة كان هو الأكبر والمسيطر والأهم عند السوريين فقد كان شعارهم الشهير " الموت ولا المذلة " فكانت العسكرة وامتشاق السلاح دفاعاً عن كرامتهم الجريحة وليس دفاعاً من أجل البقاء أو لنقل من أجل حقهم بالوجود والحياة والعيش ولكن بكرامة, ولهذا كانت العسكرة واللجوء إلى العنف المضاد لعنف النظام حالة من المنازلة التي يندفع إليها أحد أطراف الصراع وينخرط فيه دفاعاً عن الكرامة وحيث حسابات الكرامة لا توضع على ميزان الخسارة والربح لحظة دخول المعركة. إن التدحرج نحو العنف والعسكرة لم يتوقف على الشروط الداخلية الحاكمة لأطراف الصراع فحسب بل كان للشروط الخارجية دور فاعل ومؤجج ويدفع في نفس اتجاه الشروط الداخلية، فكما يحصل في العادة في نوع كهذا من المنازلات فإن التشجيع من الأطراف الواقفة خارج حلبة الصراع يمكن أن تشجع أحد الأطراف أو كلا طرفي المنازلة على الاستمرار في حالة الاشتباك بأمل ربح المعركة أو التوهم بربحها من خلال النفخ بالقدرات والإمكانات أو من خلال الإيهام بأن الظهر مسنود بما يحتاج من مساعدة عن الضرورة لكسب المعركة، وقد جاء التشجيع الإقليمي والدولي للشعب السوري في خوض غمار العسكرة ولحسابات لا علاقة لها بمصلحة الشعب السوري بتاتاً لتزيد من اندفاع السوريين نحو خيار العسكرة وغرقهم أكثر وأكثر في أتونها ومستنقعها. ومن جهة ثانية، جاءت العسكرة كضرورة لمد شرارة ولهيب الثورة إلى الحصون السياسية والاقتصادية والبشرية التي يتحصن فيها رأس النظام الذي يشكل مصدر الألم وغاية الثورة وهدفها الأساس. فكانت العسكرة الممر الوحيد للسوريين وبنفس الوقت ( و هنا المحنة ) كانت هي ذاتها الممر الذي كان يدفع إليه النظام كي تسير به الثورة، إلى الميدان الرحب الذي يبدع فيه النظام في القتل والتدمير لا للثورة فحسب بل للمجتمع السوري كله، فكانت محنة الثورة ومعها محنة السوريين جميعاً.
المستحيل الخامس : تأتى المستحيل الخامس من استراتيجية قيادة النظام الرأسمالي العالمي والذي تسيطر على قراره الإدارة الأمريكية اتجاه الربيع العربي عموماً والسوري خصوصاً، وحيث جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على تفريغ الربيع العربي من مضمونه التحرري، عبر احتوائه أولاً، وحرف مساره ومجراه ثانياً، من خلال إفساح المجال للدول الإقليمية ( قطر وتركيا والسعودية والإمارات العربية ) الحليفة للإدارة الأمريكية، لأسلمة هذا الربيع، وتحويله إلى شتاء قارس البرودة , وقد كان لوصول شرارة الربيع العربي إلى الساحة السورية، ومواجهة النظام البربرية للربيع السوري، الفرصة المناسبة، إن كان للإدارة الأمريكية، أو لحلفائها في المنطقة، لوضع سد وجدار أمام امتداد حريق الربيع العربي، بل كان فرصة لتحويل هذا الربيع إلى خريف، وذلك من خلال عمل المستحيل وبالتشارك غير المعلن مع النظام إلى أسلمة الثورة السورية وتفريغها من محتواها التحرري، ومن يعتقد أن الأسلمة هي فعل قطري فقط ، فعليه أن يتحسس ويتفقد عقله، ليعلم أن قطر حمد أو تميم التي تمول وترعى الإسلام السياسي والجهادي في العالم، هي إمارة قطر وليس امبراطورية قطر العظمى التي لا تغيب عنها الشمس، وبما يعني أن هذه الإمارة، ومهما بلغت إمكاناتها المادية من عائدات الغاز المسال، فإنها لا يمكنها أن تتصرف بشأن كهذا، يمس أمن كل مجتمعات العالم، من دون ضوء أخضر وموافقة سيدها الأمريكي، وهنا اقول:
أولاً: واهم من يعتقد أن موقف الإدارة الأمريكية غير الداعم للثورة السورية جاء نتيجة سيطرة الإسلاميين عليها، وثانياً : أن ذلك الاعتقاد عدا عن كونه يبرئ الإدارة الأمريكية من عملها وسعيها إلى هذه الأسلمة عبر مئة طريقة, وطريقة فإنه لا يدرك جوهر الموقف الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً المعادي لمسألة تحرر شعوب المنطقة من حكامهم المستبدين، وهنا يكفي أن نذكر بما قاله الرئيس الأمريكي باراك أوباما بداية الربيع العربي في 23 شباط 2011 في مؤتمر صحفي قال فيه " إن ما يجري في تونس ومصر لن يغير المنطقة العربية وحدها، بل العالم بأسره ". وبالطبع كما قال الكاتب والباحث السياسي اللبناني كميل داغر على صفحته في الفيسبوك معلقاً على قول باراك أوباما " ليس غير الحمقى من كان يمكن أن يعتقدوا بأنه سيكون سعيداً بذلك، كان السيد باراك مرعوباً من هذا الاحتمال، وفعل كل ما يستطيع لإجهاض ذلك الفصل من السيرورة الثورية العربية ". وكيف لا والمجتمع الذي نتحدث عنه وصاحب هذه السيرورة الثورية المطالبة بالديمقراطية هو المجتمع السوري، المجاور جغرافيا لدولة إسرائيل، التي تغتصب فلسطين، وتسعى بمساعدة أمريكا، لإقامة دولة إسرائيل اليهودية، على كامل التراب الفلسطيني، وحيث لا مصلحة لإسرائيل وداعميها الغربيين، في قيام نظم سياسية ديمقراطية تمتلك في ظلها الشعوب العربية حقها في تقرير مصيرها السياسي في أي من بلاد الطوق العربي، وحيث أن أكثر ما يخشاه قادة دولة إسرائيل هو كسر احتكار إسرائيل في كونها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وصعود الشعوب العربية إلى مسرح التاريخ، بعد تحررها من نير حكامها المستبدين، الذين يحمون حدود إسرائيل، ويوفرون لها الاستقرار والأمان، كما يوفرون لها كل أسباب تخلفنا وتأخرنا الاقتصادي والسياسي والإنساني والحضاري اللازم كي تبقى متفوقة على كل محيطها، فمنذ تأسيس دولة إسرائيل ومصير الشعوب العربية كلها تمرره الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعد قيادتها للنظام الرأسمالي العالمي من خرم المصالح الإسرائيلية, فحتى مصير الشعب السوداني وثورته الديمقراطية التي أطاحت بنظام عمر البشير وتوفرت لها أسباب الانتصار بغفلة من الجميع, لم تفلت على ما يبدو من المخالب الأمريكية والإسرائيلية رغم بعد السودان جغرافياً عن حدود دولة إسرائيل, حيث تتم الآن مقايضة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مقابل التطبيع مع إسرائيل. وباعتقادي بأنه حتى لو قاد الثورة السورية مفكري عصر النهضة الأوروبية، وحتى لو لم يكن هناك داعش، ولا جبهة النصرة، ولا أي فصيل إسلامي على الأراضي السورية، فإن القرار النهائي لقيادة العالم الرأسمالي، الذي تمثله أمريكا في الوقت الراهن، سيكون هو ذاته من الناحية السلبية اتجاه ما حدث في سوريا، مع فرق في أن مهمة إعطاء الغطاء لمجزرة كهذه ستكون في غاية الصعوبة على الإدارة الأمريكية، ومع فرق ثان، هو أننا كنا سنموت كثوار حقيقيين لا كإرهابيين إسلاميين في نظر العالم، كما روجت أمريكا مع النظام, فلو لم يكن هناك إسلاميين، فعلى الأغلب كان سيطلق علينا إرهابيون، ولكن باسم غير الإسلام, فالربيع العربي عموماً، والسوري خصوصاً، بطلبه للحرية في هذا الزمن، كان نوعاً من طلب المستحيل للأسف، في ظل سيطرة وهيمنة لصوص العالم المتوحشين على كراسي القرار والسلطة في كل أنحاء المعمورة، وفي شروط السعي الدؤوب الأمريكي الإسرائيلي ومنذ زمن بعيد، لتوفير الأرضية الضرورية واللازمة، لتصفية القضية الفلسطينية، عبر ما يسمى اليوم، بصفقة القرن الترامبية، وحيث الدمار الشامل، الذي ألحقه النظام الأسدي، بالمجتمع السوري، ومعه الدمار الذي ألحقته بقية النظم العربية بشعوبها، يشكل الأرضية اللازمة لتمرير هذه الصفقة ومعها كل المصالح الغربية في المنطقة. وحيث صوت الشعوب والقوى المضطهدة (بفتح الهاء) في كل أنحاء العالم ضعيفاً وغير قوي ومؤثر.
المستحيل السادس : جاء نتيجة الموقف الإقليمي المتمم للموقف الغربي والأمريكي من الربيع العربي عموماً والسوري خصوصاً, فقد كان بالنسبة لبعض الدول الإقليمية كتركيا خصوصاً فرصة لأسلمة هذا الربيع، كمقدمة لوضع شعوب المنطقة تحت سقف الباب العالي العثماني الجديد، كما كان فرصة لحكام المملكة العربية السعودية، التي وكأنها اكتشفت متأخرة، لا مدى النفوذ الإيراني في المنطقة فحسب، بل ضرورة مواجهة هذا النفوذ على الأرض السورية، وبأدوات إسلامية طائفية، كأفضل الطرق من وجهة نظرها ونفوذها ومصالحها لهذه المواجهة، وبنفس الوقت أفضل طريقة لمواجهة خطر امتداد الربيع العربي إلى أراضيها، وذلك من خلال جعل هذه المواجهة حرباً طائفية سنية شيعية, وقد كانت هناك فرصة للربيع العربي للخروج من سطوة التأثير والتدخل الدولي والإقليمي المضاد له، فيما لو أن الإخوان المسلمين في مصر الذين وصلوا إلى السلطة على درج الربيع المصري، وبأصوات المصريين الذين منحوهم في البداية الثقة لا حباً بهم، بل خوفاً من مرشح الفلول من نظام حسني مبارك القديم، كانوا على مستوى من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية والسياسية، لا اتجاه الشعب المصري فحسب، بل اتجاه كل شعوب المنطقة، لما تشكله مصر من وزن بشري وسياسي في معادلة الوجود السياسي في المنطقة، وفيما لو تم استخدام هذا الوزن بالشكل الصحيح لمصلحة الشعوب العربية التي نهضت بالربيع العربي، وهي تملك الإرادة والقدرة على التغيير وتقديم الغالي والرخيص على مذبح الحرية والتحرر، فلو أن الإخوان المسلمين في مصر ابتعدوا عن سياسة الكسب الإيديولوجي المؤقت والرخيص، وبما يعني الابتعاد عن فكرة الأخونة والأسلمة ومنطق الغلبة، الذي مارسوه على القوى السياسية المصرية بشكل خاص وعلى الشعب المصري بشكل عام، بعكس وعودهم بعد انتصار ثورة 25 يناير 2011 على نظام حسني مبارك بأنهم لن يقدموا مرشحاً لهم إلى الانتخابات الرئاسية، كما بعكس وعودهم عندما قدموا مرشحهم إلى الانتخابات في أنه سيكون ممثلاً لكل المصريين، وهو الأمر الذي ألب عليهم الشارع المصري في إطار ما سمي بحركة تمرد وأدى إلى صعود الثورة المضادة والعسكر إلى السلطة بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2013 على ظهر موجهة عارمة من الاحتجاجات ضدهم بدأت بتاريخ 30 يونيو 2013، وباعتقادي لو أن الإخوان المسلمين في مصر عملوا على مبدأ الشراكة الوطنية مع كل القوى السياسية داخل المجتمع المصري، ولو ابتعدوا عن فكرة أخونة الدولة والمجتمع، ومنطق الغلبة والاحتكار السياسي، مستغلين حجة وذريعة أنهم صعدوا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، أقول لو فعلوا كل ذلك لكانوا قطعوا الطريق على الثورة المضادة التي قادها العسكر، وكانوا أبطلوا مفعول العوامل الخارجية الإقليمية والدولية التي كانت تسعى لإجهاض نهوض الشعوب العربية, إن كان في مصر أو في غيرها من الساحات العربية، وذلك لما لجمهورية مصر من ثقل بشري وسياسي واقتصادي ومعنوي كان ينبغي أن يشكل نجدة لكل ثورات الربيع العربي التي تعثرت في طريقها بسبب الاستفراد بها إن كان من قبل نظمها المتوحشة أو من قبل الدول الإقليمية والدولية التي لم يكن لها مصلحة في انتصار هذه الثورات، وقد جاء موقف الإسلام السياسي الإخواني عموماً في المنطقة ليلتقي مع الموقف الإخواني المصري والموقف الدولي والإقليمي الدافع نحو الأسلمة فكان المستحيل السابع.
المستحيل السابع : لقد جاء نتيجة عدم إدراك الإسلام السياسي الإخواني السوري للدروس والعبر التي أدركتها من قبلهم بعض التيارات الشيوعية والقومية، من أن منطق الغلبة والاحتكار للسلطة والثورة لن يقود في النهاية إلا إلى هزيمة الجميع ومعهم المجتمع برمته، وهي دروس القرن العشرين مع النظم " الشيوعية " و" القومية " التي لم تحصد في النهاية سوى الخيبة، ولم تورث غير الخراب لمجتمعاتها، نتيجة عقلية الغلبة والاحتكار السياسي, فلقد كان على ما يبدو لزاماً أن يصعد الإسلام السياسي الإخواني على مسرح التاريخ السياسي ويصل بعد تجربة مريرة ودامية له وللشعوب التي يعمل فيها إلى الحائط المسدود، أو لنقل يجب عليه أن يناطح حيطان الواقع والتاريخ حتى يأتي الوقت الذي يدرك فيه أن المجتمعات لا تبنى بمنطق الغلبة والاحتكار السياسي، وهو الأمر الذي نعيش فصوله منذ بداية الربيع العربي وحتى يومنا هذا وللأسف دون أن تبدو أي إشارة من الإسلام السياسي الإخواني بأنه استفاد أو قد يستفيد إن كان من تجارب غيره في التاريخ البعيد والقريب أو من تجربته السياسية المعاصرة والدامية وغير المشرفة، فباستثناء حركة النهضة الإسلامية في تونس التي فهمت – ولو جزئياً وعلى مضض - دروس التاريخ مبكراً أو قبل غيرها من حركات الإسلام السياسي الإخواني، وحيث يأتي في مقدمة هذه الدروس وأهمها قناعتها بأن الانتقال والعبور من حالة الدولة الاستبدادية إلى حالة الدولة الديمقراطية ينبغي أن يمر من خلال فترة انتقالية تشكل جسراً لهذا العبور، وحيث العنوان الأساس في هذه الفترة هو مبدأ التوافق والشراكة الوطنية بين جميع القوى السياسية الساعية لبناء الدولة الديمقراطية في المجتمع، وبما يعني التخلي والابتعاد عن مبدأ الغلبة والاحتكار، على الأقل في المرحلة الانتقالية - أن لم يكن في كل المراحل - إلى حين هزيمة فلول النظام القديم, وتوطيد دعائم الديمقراطية من خلال توفير الشروط اللازمة لتكافؤ وتساوي الفرص بين جميع الحساسيات السياسية والطبقية والثقافية وحتى الأيديولوجية داخل المجتمع, أقول باستثناء حركة النهضة الإسلامية في تونس فإنه لا يبدو أن هناك بارقة أمل في غيرها بأنه سيفهم الدرس قريباً وقبل فوات الأوان. في ضوء كل ما تقدم يمكن إجراء مقاربة بسيطة بين ثلاث ساحات مرّ بها قطار الربيع العربي, بالقول أن الساحة السورية ابتلت بنظام استبدادي كلبي بطبيعته وكونه يرتكز على عصبية طائفية منحته فائضاً من القوة, كما ابتلت بإسلام سياسي معارض وطائفي وكلبي كذلك, وهو الأمر الذي يفسر كل هذا الخراب والدمار الذي حصل في سوريا, في حين كانت المأساة أقل وطأة في الساحة المصرية، فالمصريون كانوا محظوظين في أن نظام الاستبداد القديم الموروث من عهد الناصرية لم يكن بشدة كلبية النظام الأسدي وهو الأمر الذي يفسر سهولة سقوطه كونه لم يرتكز على أي عصبية طائفية أو قبلية, ولكن بالرغم من ذلك لم يسر الربيع المصري إلى مبتغاه ونهاية سعيدة, بسبب كلبية الإخوان المسلمين في مصر الذين حلوا مكان النظام القديم, فمهدوا بذلك لعودة العسكر إلى السلطة ومعهم النظام القديم, أما في الساحة التونسية فقد كانت النتائج على علاتها أفضل من النتائج التي وصلت إليها شقيقتيها السورية والمصرية، أولا: بسبب أن النظام القديم الذي انتفض عليه التونسيون والموروث من زمن بورقيبة لم يكن كلبياً كونه كحال النظام المصري القديم لم يرتكز على عصبية طائفية أو قبلية, ولكن في المقابل وعلى الضفة الأخرى من هذا النظام فأن كون الإسلام السياسي الإخواني التونسي الذي تمثله حركة النهضة الإسلامية كان أقل كلبية من الإسلام السياسي الإخواني السوري والمصري فقد كانت نتائج الربيع التونسي حتى الآن أفضل حالاً بما لا يقاس من نتائج كل التجارب العربية, ففي الحالة التونسية كان لدينا نظام قديم أقل توحشاً وكلبية من بين كل نظم المنطقة, وكذلك إسلام سياسي أقل كلبية من كل تنظيمات الإخوان المسلمين في العالم العربي, طبعاً يمكن استكمال تطبيق هذه المقاربة على الساحة الليبية واليمنية بعد استبدال العصبية الطائفية التي ارتكز إليها النظام السوري بالعصبية القبلية التي ارتكز إليها كل من نظام معمر القذافي ونظام علي عبدالله صالح مع تثبيت كلبية كل من الإسلام السياسي في كل من ليبيا واليمن. بالعودة إلى المستحيلات السورية، أقول إن المأساة السورية لا تكمن في المستحيلات السبعة التي وقفت حائلاً دون انتصار الثورة وتجنيب السوريين كل المحن والمآسي التي يعيشون فصولها حتى يومنا هذا، إن مأساة السوريين تكمن كذلك في أن بعض نخبنا السياسية والثقافية - من غير الإسلاميين - راهنت على كل هذه المستحيلات كوسيلة لتحقيق النصر, فهذه النخب التي شكلت المعارضة السورية وادّعت تمثيل الثورة والسوريين مع الإسلاميين راهنت:
أولاً: على التدخل العسكري الأمريكي لإسقاط النظام على الطريقة العراقية عام 2003، ووصل بها الأمر إلى الحد الذي سلمت فيه قرار الثورة إلى الخارج الذي كان لديه مصالح متعددة ينوي تحقيقها في الساحة السورية وفي المنطقة، باستثناء مصلحة إسقاط النظام فلم تكن من ضمن أجندته.
وثانياً: راهنت على التدخل الإقليمي التركي والسعودي والقطري في الوقت الذي كان هذا التدخل يضر بالقضية السورية أكثر مما ينفعها بأقل تقدير إن لم نقل أنّ هذا التدخل شكل السكين الأولى التي طعنت ظهر الثورة السورية.
وثالثاً: راهنت هذه المعارضة ولا سيما جناحها العلماني والديمقراطي على الإسلام السياسي لا الإخواني فحسب، بل حتى على هيئة وشكل جبهة النصرة، فكانت الأسلمة التي شوهت سمعة الثورة وقضية السوريين قبل أن تحرف مجرى الثورة إلى مواقع أقل ما يقال عنها أنها مواقع ثورة مضادة لأهداف ثورة السوريين.
ورابعاً: فقد راهنت هذه المعارضة على البرجوازية السورية بوصفها أحد القوى التي ستشارك في عملية التغيير الديمقراطي، حيث كانت تعتبر أغلب النخب التي شكلت المعارضة في ظاهرة البرجوازي الدمشقي رياض سيف ظاهرة تبشر بالخير وأنه ينبغي البناء عليها كونها ستتحول إلى ظاهرة عامة، وبما يعني ضرورة مد الجسور معها، وحتى عدم التهجم السياسي عليها، كونها ستشارك في عملية التغيير في الوقت الذي كانت تغوص فيه هذه البرجوازية من رأسها حتى أخمص قدميها في مستنقع سلطة بيت الأسد.
خامساً: وإذا كان صحيحاً استحالة فك الارتباط بين النظام وقاعدته الاجتماعية الطائفية إلا أن انجرار المعارضة إلى ساحة وخندق الأسلمة والخطاب والتحريض الطائفي قاد إلى المزيد من شد العصب الطائفي لهذه القاعدة، وهو الأمر الذي جعلها مستعدة للقتال خلف النظام إلى آخر رجل وآخر نقطة دم تجري في عروق أبنائها، فهنا علينا التفريق بين أن تدير قاعدة اجتماعية لنظام سياسي ظهرها للثورة، وبين أن تدير وجهها لهذه الثورة ولكن وهي حاملة للسلاح ومستعدة للقتال ضد الثورة إلى آخر رجل وآخر نقطة دم.
سادساً: وإذا كان صحيحاً أن العبور من طور سلمية الثورة إلى طور العسكرة قد أتى نتيجة للمستوى العالي للأعمال البربرية التي مارسها النظام تجاه قوى الثورة والشعب، إلا أن إدارة هذه العسكرة تركتها المعارضة السورية لتقوم بها القوى الإقليمية والدولية بالتنسيق مع الإسلام السياسي بكل ألوانه وأشكاله، وهو الأمر الذي أنتج مجموعة فصائل عسكرية إسلامية تكفيرية ونصف تكفيرية بدل أن تنتج هذه العسكرة جيشاً حراً وطنياً يؤمن بأهداف الثورة ويقاتل من أجل تحقيق أهدافها لا من أجل تحقيق أجندات إقليمية ودولية.
سابعاً: إذا كان صحيحاً أن المعارضة السورية لم تعلق الآمال في السنوات الأولى للثورة حول إمكانية إصلاح النظام السوري، أو الحوار معه أو حتى قبول الدخول معه في أي حل تفاوضي، إلا أن هذا الموقف لم يبق ثابتاً في شروط ارتباط هذه المعارضة بالموقف الإقليمي – السعودي أو القطري أو التركي – ومن خلفهم الموقف الدولي وخاصة الأمريكي المتحرك وفق مصالح هذه الدول لا وفق مصلحة الشعب السوري التي لن تكون إلا بإسقاط النظام ورأسه في المقدمة. ومن المفارقات الدالة على مدى ارتباط المعارضة السورية بالأجندات الخارجية الإقليمية والدولية والتي جميعها كانت تسعى لإبقاء الصراع مفتوحاً حتى لا تبقى حجراً فوق حجر في سوريا، وإلى أن يتم قتل وتهجير أكبر عدد ممكن من السوريين وإفراغ سوريا من سكانها، وإلى أن يتم اللعب بالتركيب والتوزيع الديمغرافي السكاني للمجتمع السوري، وإلى أن تنزف آخر قطرة دم من وريد سوري معارضاً كان أو موالياً، وذلك بناء على توصية قادة دولة إسرائيل عندما انفجر الصراع في سوريا والقائلة " اتركوهم ينزفون حتى الموت "، وهو ما لخصه الكاتب الإسرائيلي أليكس فيشمان في صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 12 / 6 / 2113، بالقول " دعوا العرب ينتحروا بهدوء ". وكل ذلك من أجل دمار سوريا على يد النظام وإجهاض حلم السوريين، أقول من المفارقات أن هذه المعارضة رفضت أي حل تفاوضي مع النظام في السنوات الأولى للثورة، عندما كان ميزان القوى السياسي والأخلاقي والعسكري راجحاً لمصلحتها، في حين نجدها في السنوات الأخيرة وبعد أن أصبح ميزان القوى العسكري راجحاً لمصلحة النظام ولا سيما بعد التدخل العسكري الروسي الواسع النطاق لمصلحة النظام، وبعد أن استرجع النظام أغلب المناطق التي خسرها في السنوات الأولى بفعل خيانة الدول الإقليمية التي ادعت صداقتها للشعب السوري والتي باعت المعارضة والثورة السورية والمناطق المحررة على مذبح مصالحها وأمنها القومي كما فعلت تركيا، أقول نجدها الآن تقبل بأي حل تفاوضي عند أول إشارة لها من داعميها ومموليها الإقليميين والدوليين، حتى ولو كان حلاً هزيلاً على شاكلة صياغة دستور جديد يبقي رأس النظام في السلطة ويجدد له شرعيته الزائفة وغير الموجودة أساساً, لقد بلغت درجة تنمر النظام على المعارضة مستقوياً بتخاذل دولي مفضوح إلى الحد الذي أصبح فيه لا يقبل حتى بنوع كهذا من الحل للصراع, ولم يعد يقبل كعادته, بأي شريك له, ولكن هذه المرة في سوريته المفيدة الطائفية التي ينوي إقامتها على جثة سوريا التاريخية, بعد أن قتل وطرد وهجر أغلبيتها السكانية السنية, وبعد أن يتخلى لكل دولة طامحة وطامعة – إن كان لأمريكا أو لتركيا أو لغيرهما - عما يراه غير مفيد له من أرض وسكان, كما في شمال شرق سوريا, في المنطقة الواقعة شرقي نهر الفرات, أو كما في الشمال السوري في المنطقة الواقعة بين مدينة جرابلس وصولاً إلى مدينة عفرين, أو كما في المنطقة الواقعة في شمال غرب سوريا, وهي المناطق الباقية من أراضي محافظة إدلب, والواقعة شمال طريق اللاذقية حلب, والتي يعيش فيها حوالي ثلاثة ملايين من السوريين المهجرين من محافظة إدلب والمحافظات السورية الأخرى.
السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا -23 - lemonde.in 5 of 5
لومـــــوند : نبيل ملحم الثالث والعشرون: الثورة السورية والمستحيلات السبعة. وقعت الثورة السورية في دائرة ومجال خمسة احتمالات، لو تحقق أ...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك