السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا – 13 -

لومـــــوند : نبيل ملحم 
ثالث عشر: سوريا بين حجري رحى إسلام سياسي ثأري وآخر بهيمي:
لقد اعتمد النظام السوري على ركيزته الطائفية الداخلية والخارجية إضافة لركيزته الطبقية السياسية في مواجهة الثورة، وبدل أن تواجهه المعارضة بمشروع ديمقراطي شامل بديل ونقيض لكل أنواع الاستبداد والعصبيات الدينية، اعتمدت المعارضة السورية التي تم تكريسها إقليمياً ودولياً بعد أن تم اختطاف الثورة من قبل الإسلام السياسي على العصبية الطائفية والدينية المقابلة كأداة للمواجهة والتغيير – وقد تم ذلك بدراية بعض النخب السياسية السورية المتنفذة تاريخياً داخل صفوف المعارضة وربما من دون دراية بعضها الآخر التابع والمنقاد - وهو الأمر الذي قاد بعد استجرار طرفي الصراع كل الحلفاء المحليين والإقليميين إلى تصادم نوعين من الإسلام السياسي على الأرض السورية, أو لنقل قاد إلى تصادم نوعين من التطرف الديني السياسي الطائفي على الأرض السورية وداخل النسيج الوطني السوري مع ارتباطاته العربية والإقليمية, وقد تأتت خطورة هذا الاستجرار السياسي الميداني في أنه استجر معه كل صراعات الماضي وجروحاته التي فتحت من جديد، وبما يعني أن الصراع أصبح يحمل في طياته كل الشيفرة الوراثية لأطراف الصراع مع ما أضيف عليها من صفات جديدة ومكتسبة عبر التاريخ القديم والحديث. وهنا أقول إذا كانت قد شكلت بداية الربيع السوري كما العربي المناخ المناسب لنشوء جدل صاعد سريع – خطوة واسعة في الوعي كما يحدث في العادة في زمن التحولات الكبرى أو في زمن الثورات - في وعي المجتمع السوري يصب في مجرى التاريخ الحديث - إلا أن الأسلمة التي جاءت فيما بعد قادت إلى ارتداد معاكس وسريع وفي اتجاه معاكس لمجرى التاريخ في عملية وسيرورة جدل هابط نحو قاع وقعر التاريخ، فهنا حدث ما يحدث في عالم الطبيعة عندما تصطدم الموجة بجدار من الصد فإما أن تهدمه وتنداح في أفق ومجرى جديد ينظف كل الأوساخ التي سارت مع الموجة أو ترتد نحو الخلف لعدم قدرتها على هدم جدار الصد القديم محملة معها كل ما لحق وامتزج فيها من أوساخ قاع المجرى القديم. فمع استجرار أطراف الصراع للقوى والماضي وكل الشيفرات الوراثية تم تفجير ما يمكن تسميته بالتأخر والتخلف الذي يعيشه المجتمع بعد عقود وعقود من حكم نظام مستبد ومجرم قام بمتابعة ما كان حاصلاً منذ قرون وقرون من توفر القدرة على التغيير ولكن مع عدم وجود الرغبة والإرادة في إحداث هذا التغيير المتمثل في دفع المجتمع للسير مع تيار وسياق العصر الحديث والحداثة والقطع الجذري مع الماضي. وقد رمى هذا الانفجار كل أوساخ التاريخ القديم والحديث بوجه المجتمع نخباً وعامةً وقد كان نصيب النخب للأسف - وهنا لا أقصد بالنخب النخب الإسلامية فحسب بل كل النخب بمختلف مشاربها الثقافية والفكرية والسياسية - من هذه الأوساخ هو الأكبر والأكثر خطراً حيث قامت هذه النخب من هنا وهناك على تحريك نيران الصراع بمحراكها الطائفي البائس على أمل تحقيق نصر موهوم على خصمها السياسي قبل أن تدرك وأغلبها لم يدرك حتى هذه اللحظة أن الجميع سيحترق بلهيب النيران التي اشتعلت في عموم جسم المجتمع والناتجة عن صراع نوعين من التعصب هما: تعصب الإسلام السياسي الشيعي الثأري, وهو التعصب الذي لم يضع في واجهة اهتماماته المباشرة الأمور المتعلقة بخصوصية البشر اليومية والحياتية من مأكل وملبس ومشرب وحتى الخصوصية الدينية لكل من هم خارج حلبة الصراع ...الخ. وتعصب الإسلام السياسي السني البهيمي, وهو التعصب الذي وضع في مقدمة وواجهة اهتماماته المباشرة الأمور المتعلقة بخصوصية البشر اليومية والحياتية من مأكل وملبس ومشرب بما في ذلك الخصوصية الدينية حتى لمن هم خارج حلبة الصراع ..الخ.
فبالرغم من عدم طغيان الجانب والحمولة الإيديولوجية العقائدية تاريخياً على البنية الفكرية لتعصب الإسلام السياسي السني حيث يمكن القول بأنه بمقدار ما كان تمظهره الايديولوجي بوصفه سنداً روحياً إيديولوجياً للسائد الطبقي والسياسي فقد كانت تطغى علية الحمولة السياسية بوصفه حامياً وحارساً لهذا السائد أو لنقل بوصفه جزءاً منه. فهو الإسلام الذي كان يستبطن وجوده في سلطة ودولة أغلب عصور الخلافة - بدءاً بعصر الخلافة الاموية وصولاً لعصر الخلافة العثمانية- وحيث كانت الخلافة تمثل سلطة روحية وسلطة زمنية في آن معاً منذ نشوئها حتى آخر ظهور لها بهيئتها العثمانية, وهذا النوع من الإسلام هو الذي حارب أئمة المسلمين بكل مذاهبهم من شيعة وسنة وموحدين دروز وإسماعيليين وعلويين ...الخ يكفي هنا الإشارة لمن لا يعرف أن العلاقة بين أحد أهم أئمة الشيعة في الفقه أقصد هنا إمامهم جعفر الصادق وبقية أئمة السنة الاربعة – الشافعي ومالك وابن حنبل والحنفي – هي علاقة أخوة في الدين والثقافة والفكر ومن يدرك ويعرف هذه العلاقة لا يمكنه أن يصدق بوجود خصومة وعداوة بين المسلمين الشيعة والمسلمين السنة. وهذا النوع من الإسلام هو الذي حارب فلاسفة ومفكري وعلماء المسلمين بكل أطيافهم ، وبهذا المعنى فإن هذا الإسلام تصح تسميته بإسلام الدولة والسلطة – أقصد دولة وسلطة الخلافة عبر التاريخ - فهذا النوع من الإسلام لم يكن هناك رابط عضوي داخلي وجوهري يربطه بالسنة أو بأهل السنة كما يحلو للبعض تسميتهم فعلى مر عصور الخلافة كانت العلاقة بين هذا النوع من إسلام الدولة وأهل السنة هي علاقة الحاكم بالمحكوم أي علاقة الحاكم والسائد طبقياً وسياسياً بالمحكوم طبقياً وسياسياً وهذه بداهة كون كل نظم الخلافة كانت نظم طبقية تتغطى وتتغلف بالدين وهذا الأمر ينطبق كذلك على الإسلام السياسي الشيعي، ففي المرات التي كان يقيم هذا النوع من الإسلام السياسي دولة وسلطة يسود فيها وعليها كانت تتحول علاقته بعموم الشيعة إلى علاقة حاكم سائد ومحكوم مسود، وهنا سأقدم مثالاً عن تآخي الطوائف عند العامة من البشر، فأقول إن المسودين - بفتح الميم- الفاطميين في مصر عندما كان دين الدولة فاطمياً هم ذاتهم المسودون – بفتح الميم- السنة عندما أصبح دين الدولة سنياً. أعود للقول أن الإسلام السياسي السني لم يظهر في التاريخ بشكله الصريح أو لنقل بهويته الجديدة في التاريخ إلا بعد سقوط آخر دول الخلافة في الربع الأول من القرن العشرين وهذا ما سأعود لتناوله في الأسطر القادمة من هذا المقال. وإذا كان هذا في التاريخ الماضي إلا أننا نجد أنه في خوضه للصراع على الساحة السورية بمواجهة خصمه الشيعي ركز على الجانب الإيديولوجي العقائدي عكس بنيته الفكرية الأم أكثر من تركيزه على الكسب السياسي الذي يقاس بميزان الخسارة والربح, وبما يعني وضع وتقديم المبادئ الإيديولوجية والعقائدية على حساب الخسارة والربح في كسب المعركة, فالإسلام السياسي السني في الزمن الحديث والمعاصر وبالرغم من عمله في السياسة إلا أنه في سلوكه وممارسته للسياسة والايديولوجيا نجد أنه كان يخلق أعداءه بيده، ففي هذا السلوك يكمن وجهاً من الوجوه التي دعتني لوصفه بأنه كان بهيمياً فهذا النوع من التعصب الديني الذي كشف عن وجهه على الساحة السورية في خضم صراعه مع خصمه الشيعي كان يحكه جلده في اليوم الذي لا يخلق فيه عدواً وخصماً, فهو يعادي حكومات وشعوب العالم كله لمجرد كونهم مختلفين معه في الهوية الدينية ( مسيحيين وبوذيين وهندوس ويهود ومجوس بما في ذلك كل الحكومات في العالم الإسلامي ...الخ ), أي يعادي كل الكتلة البشرية التي تعيش على هذا الكوكب خارج حدود العالم الإسلامي, يضاف إلى ذلك معاداته للكتلة البشرية المختلفة معه مذهبياً في قلب العالم الإسلامي ( من شيعة واسماعيليين وموحدين دروز وعلويين ومسيحيين ...الخ ) مضافاً إلى ذلك معاداته للكتل البشرية التي لا تتفق معهم سياسياً أو إيديولوجياً او ثقافياً داخل الطائفة السنية التي يدّعون تمثيلها زوراً وبهتاناً، ونتيجة جلوسه في حضن تركيا الأردوغانية يمكن أن نضيف أنه ضم إلى لائحة أعدائه الأرمن والسريان والآشوريين والكرد باستثناء بعض الدكاكين السياسية الكردية التي قبلت الجلوس في حضن المعارضة السورية التي استحقت بجدارة اسم معارضة استنبول، حيث اقتصرت وحصرت صداقاتهم بالإسلاميين الذين أصبحت فصائلهم تعد بالمئات على الساحة السورية وبعض التركمان الذين وضعوا أنفسهم في خدمة الدولة التركية. والغريب في الأمر أن هذا النوع من التعصب الديني السياسي الطائفي العقائدي بالرغم من محنته التي يعيشها وبالرغم من كونه تقدّم الصفوف تحت لواء الدفاع عن المظلومية السنية في سوريا وبالرغم من حاجته للحلفاء وحاجته للمناصرين والمخلّصين له من محنته القاتلة إلا أنه في سلوكه وممارسته السياسية والعسكرية على الأرض كان يعمل ليلاً نهاراً إلى جعل العالم يقف ضده, فهذا النوع من التعصب الديني السياسي العقائدي لم يكتف بمعاداة العالم لأنه مختلف معه في الهوية الدينية فحسب بل كان يرسل الانتحاريين الإرهابيين ليفجروا أنفسهم زاهقين الأرواح والضحايا البريئة في مغارب الدنيا ومشارقها وفي شمالها وجنوبها في بلاد الكفر كما يقولون وحتى في بلدانهم ذاتها تحت عنوان الدفاع عن العقيدة والإسلام، ففي الوقت الذي كان فيه الإسلام السياسي الشيعي يشحذ أسلحته وسكاكينه وعدّته - صواريخ وبرنامج نووي وتخصيب يورانيوم يمكن أن يساوم عليه في المستقبل مقابل الاحتفاظ بنفوذه السياسي في المنطقة - ويقوم بالتغول والتمدد في المنطقة بدءاً من أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات مع انتصار الثورة المضادة الدينية الخمينية في إيران تحت عباءة وقناع الدفاع عن فلسطين. وفي الجهة المقابلة كان الإسلام السياسي السني في تلك المرحلة يقدم رسائل الدكتوراه في علم الحلال والحرام والنكاح والعورة والجنس والحوريات وشروط دخول الحمام ونواقص الوضوء وآداب التبول وقتل تارك الصلاة وعذاب القبر والثعبان الأقرع ودرجة حرارة جهنم ورضاعة الكبير ومجامعة الزوجة الميته وتحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم ووجوب تضييق الطريق عليهم وعدم جواز الترحم على موتاهم وشرب أبوال الإبل وزواج القاصرات وجهاد النكاح والفرق بين الفساء والضراط ...الخ من الشعوذات قياساً إلى علوم العصر والمنطق، ثم أضاف مؤخراً الإخوان المسلمون في سوريا أطروحتهم حول الآبقين الكفار وكان مثلهم على ذلك حليفهم في الثورة السورية والائتلاف المعارض الشخصية العلمانية صادق جلال العظم، وهنا من الجدير الإشارة إلى الزوبعة البهيمية التي أثارها الاسلاميون في الائتلاف المعارض وخارجه حول وجوب أو عدم وجوب الترحم عليه بعد وفاته. لقد كان الإسلام السياسي السني يخصّب في الدين كي يجعله مشعاً ويرسله على هيئة انتحاريين يفجرون أنفسهم في وسط المدن والعواصم العالمية بما في ذلك المدن والعواصم العربية والإسلامية، وهنا من المهم القول أن قتل واختفاء الآباء المسيحيين من أمثال الأب باولو في مدينة الرقة "المحررة " بتاريخ 29 تموز 2013، والأب فرنسيس فاندرلوخت بتاريخ 7 نيسان 2014 الذي بقي متضامناً مع المحاصرين في مدينة حمص حتى آخر أيام حصار المدينة، وهنا علينا أن نشير إلى أن الفصائل العسكرية الإسلامية التي كانت تسيطر على المدينة القديمة في حمص برأت حليفتهم وصديقتهم جبهة النصرة من فعلتها وألصقت تهمة قتله واغتياله للنظام وحيث كان قتله هزيمة أخلاقية وسياسية رمزية تفوق الهزيمة العسكرية التي ألحقها بهم النظام، كما أن اختطاف المطرانين يوحنا إبراهيم وبولص اليازجي في ريف حلب الغربي الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة الإسلامية بتاريخ 22 نيسان 2013، وبعدها اختطاف الراهبات في معلولا بتاريخ 3 كانون أول 2013، يضاف إلى ذلك قتلهم أو اختطافهم للكثير من المعارضين للنظام الذين دخلوا إلى مناطق سيطرة هذه الفصائل هروباً من بطش النظام أو الذين دخلوا إلى المناطق المحررة والخارجة عن سيطرة النظام بهدف دعم الثورة، وقد وصلت هنا ذروة البهيمية بالفصائل الإسلامية التي وضعت يدها على هذه المناطق إلى الحد الذي جعل جيش الإسلام بقيادة زهران علوش – لاحظوا أنني لا أتحدث هنا عن داعش أو النصرة - لم يستطع تحمل وجود أربعة من الناشطين والناشطات السلميين المدنيين الذين ذهبوا إلى مدينة دوما في الغوطة الشرقية لدعم الثورة أقصد هنا الناشطة رزان زيتونة وزملاءها الذين تم اختطافهم في 9 كانون أول 2013 فقط كونهم مختلفين عن جيش الإسلام بالهوية الثقافية والفكرية والإيديولوجية وهو الجيش العرمرم الذي يسيطر على أكبر مساحة جغرافية وكتلة بشرية ثائرة في محيط العاصمة دمشق، كما أن عملهم على إقامة مجتمع متجانس دينياً وطائفياً وسياسياً في المناطق التي سيطروا عليها وملاحقتهم وقتل أو اختطاف المدنيين الذين لم يستطيعوا الهرب في الوقت المناسب من المناطق التي سيطروا عليها فجأة، كما حصل للمدنيين في مدينة عدرا العمالية بتاريخ 11 ديسمبر 2013 ، أقول : ستبقى كل هذه الأعمال عاراً وخزياً يجلل هذه الجماعات الدينية المتطرفة عقائدياً وطائفياً إلى يوم الدين كما يقول المتدينون, كما هو عار وخزي يجلل الإسلام السياسي الذي نبتت منه أصلاً هذه الفصائل بكل ألوانها وأشكالها. إن قتل واختفاء بعض الآباء المسيحيين الذين قدّموا للثورة السورية بالمعنى الأخلاقي والسياسي والرمزي في وقت كانت الثورة بحاجة ماسة لهذا الدعم أمام آلة النظام الإعلامية والسياسية التي كانت تعمل ليل نهار على تشويه سمعة الثورة، ما لم تقدمه كل جحافل هذه التنظيمات والجماعات الإسلامية التي سرقت الثورة من السوريين وهو الأمر الذي جعل من إمكانية ظهور حلفاء وأصدقاء جدد للثورة السورية من أمثال الأب باولو والأب فرنسيس أمراً مستحيلاً مع كل دلالات ذلك سياسياً وأخلاقياً, والأنكى من ذلك أن هذا النوع من التعصب الديني العقائدي لا يعادي العالم الخارجي فحسب بل يعادي أبناء جلدته من البشر المسلمين السنة لا كونهم مختلفين عنهم في السياسة والحقوق وإنما نتيجة اختلافهم معهم في طريقة المأكل والملبس والمشرب وطريقة الدخول إلى الحمام والنوم مع الزوجة ....الخ من الخرافات التي لا تنتهي, أي أنهم يختلفون مع البشر في القضايا التي تتعلق بشكل مباشر بالخصوصيات الفردية والحرية الفردية, وهنا من المهم القول أن التعصب والتطرف الديني الذي مارسته هذه الجماعات الدينية وبتغطية ومشاركة من تيار الإسلام السياسي الرسمي ( نقصد هنا الإخوان المسلمين ) في كل من مصر وتونس وسوريا وليبيا والذي دفع قطاعات واسعة من القوى داخل المجتمع العربي وعموم الشارع العربي إلى التحالف مع القاعدة الاجتماعية للنظم القديمة – وقد كانت الحالة المصرية خير دليل على ذلك حيث الكره للإخوان هو ما كان السبب في مجيء السيسي ثم كان مجيء الباجي القائد السبسي في تونس ومن غير المستبعد عودة سيف الإسلام القذافي حاكماً لليبيا، كما دفع في الحالة السورية إلى التفاف جزء من الشارع السوري على صعيد النخب والعامة لا في أوساط الأقليات الدينية فحسب بل حتى في أوساط الغالبية السنية حول النظام الأسدي أو في أحسن الأحوال أن هذا دفعهم للوقوف موقف المتفرج والحيادي اتجاه الصراع ضد السلطة الأسدية، أقول إن ذلك هو عار وخزي يجلّل هذه الجماعات الدينية المتطرفة ويجلّل الإسلام السياسي ( بشكل عام ) الذي عمل على سرقة منجزات الربيع العربي أو عمل إلى تجيير هذا الربيع إلى صالحه. أما التعصب الديني الطائفي الشيعي البراغماتي الثأري فإنه بالرغم من ممارسته للقتل والفتك والمجازر يومياً في صراعه ضد الثورة السورية من أجل الدفاع عن مكاسبه السياسية في المنطقة إلا أنه لم يبتعد عن التدخل في الشؤون والخصوصية اليومية والحياتية للبشر فحسب بل مد يده السياسية للتحالف مع كل من يمد له يده السياسية أو حتى العسكرية بعيداً عن الإيديولوجيا وعن نوع الهوية الدينية والمذهبية للحليف, فلا بأس عند هذا النوع من التعصب الديني السياسي الطائفي ولأجل تحقيق الكسب السياسي من التحالف مع المختلفين معه في الهوية الدينية والمذهبية والإيديولوجية , فلا بأس من التحالف مع المسيحيين العونيين ( جماعة ميشيل عون في لبنان ) والقوميين السوريين ( الحزب القومي السوري الاجتماعي ) والشيوعيين والشياطين وتجار المخدرات واللصوص والخارجين عن القانون إذا كان ذلك ضرورياً, بما في ذلك مد يد المساعدة لدولة اسرائيل من تحت الطاولة، فالمهم عند هذا النوع من التعصب الطائفي هو الكسب السياسي وتحقيق مشروعه الطائفي بأي وسيلة أو طريقة, فهذا النوع من التعصب الديني السياسي الطائفي بالرغم من طغيان الحمولة الإيديولوجية تاريخياً على بنيته الفكرية حيث تمظهره السياسي كحراك معارض للسائد كان يخفي تحته حمولة إيديولوجية كانت هي الطاغية على سلوكه وممارسته للسياسة – يكفي هنا الإشارة إلى من يعتبرونهم الشيعة أئمتهم الأوائل والذين ترسخت شخصيتهم كالوشم في العقل والوجدان والخيال السياسي لكل الذين اعتنقوا المذهب الشيعي أقصد إمامهم الأول علي بن أبي طالب حيث كانت الحمولة الايديولوجية هي الطاغية على الحمولة السياسية في شخصيته وفي ممارسته للصراع السياسي ضد خصومه وينسحب الأمر ذاته عل الحسين بن علي بن أبي طالب إمامهم الثالث - أقول بالرغم من ذلك مع حفظ الفارق بين عمالقة الماضي وأقزام اليوم نجد أن الإسلام السياسي الشيعي في ممارسته للسياسة في صراعه مع خصمه الإسلام السياسي السني في سوريا كان يقدم الكسب السياسي والربح السياسي على الكسب الإيديولوجي, كون هذا الكسب السياسي هو الذي سيسهل عليه تحقيق مشروعه الديني الطائفي في المنطقة العربية, إن هذا النوع من التعصب الديني الطائفي لم يزحف لتحقيق شعاراته وأهدافه تحت شعار الله أكبر ولم يرم بقذائفه ضد أعدائه وهو يقول: " وما رميت إذ رميت وإنما الله رمى "...الخ وإنما زحف إلى تحقيق أهدافه من خلال شعارات " ممانعة المشاريع الإمبريالية " وشعار " محاربة التطرف والإرهاب " ومن خلال التدريب واستخدام أحدث أنواع الأسلحة والخطط العسكرية, إنه التعصب الديني الطائفي الذي مد يده إلى مشارق ومغارب الأرض ( من الصين إلى روسيا الاتحادية ) من أجل الكسب السياسي والحلفاء, إنه التعصب الذي زحف نحو مشروعه باسم العداء للإمبريالية العالمية ومحاربة الصهيونية ودولة إسرائيل وباسم تحرير فلسطين في الوقت الذي كان يعقد في الكواليس الصفقات والاتفاقيات المربحة له ولمشروعه الديني الطائفي مع إسرائيل وأمريكا. فالإسلام السياسي السني كان بهيمياً إلى درجة أنه بقي منقسماً على نفسه إلى الحد الذي وصل فيه عدد فصائله في سوريا إلى ما يقارب 1500 فصيل عسكري ولم يستطع أن يكوّن قيادة روحية سياسية عسكرية موحدة له .إن هذا الرقم لعدد الفصائل يثبت أن تعددها وتفتتها وبهيميتها لم تكن ناتجة فقط عن تعدد الدول الداعمة لها وإن كان جزء من هذه البهيمية ناتجاً عن ارتباطه بأكثر من دولة داعمة له، فوجود هذا العدد الأسطوري من الفصائل في لحظة كانت كلها تذبح مع الشعب بسيف النظام وحلفائه، إذا ما قيس بعدد الدول الداعمة لها والتي تعد رغم كثرتها على أصابع اليد يعني إذا ما اعتبرنا أن البهيمية ناتجة عن هذا وحده فإن هذا يعني أن هذه الفصائل تابعة لدول لا تكفيها حكومات قد تكون موجودة في كل الكواكب الموجودة في المجرة الشمسية. في المقابل استطاع الإسلام السياسي الشيعي البراغماتي الثأري أن يشكل قيادة روحية سياسية عسكرية موحدة له واستطاع شق صفوف خصمه في أكثر من ساحة وفي أكثر من مكان. هكذا واجهت المعارضة السورية بهذه القوى الإسلامية البهيمية المتفرقة حسب انتماءاتها العقائدية وحسب ارتباطاتها الإقليمية والدولية ( حسب تمويلها المالي والعسكري ) النظام البربري مع الميليشيات الطائفية الشيعية المتحالفة معه والتي قاتلت تحت شعار الثأر للحسين ولكن بسيف وعقل يزيد بن معاوية, بعقل من يريد أن يصل إلى أهدافه حتى ولو على حساب كل المعتقدات الإيديولوجية والفكرية والمظلومية التي بنى عليها أساس وجوده المذهبي والديني والطائفي والسياسي . هكذا كانت المعارضة السورية تصارع الإسلام السياسي الشيعي بنسخته البراغماتية المجرمة والظالمة وهي تمتطي الإسلام السياسي السني بنسخته العقائدية البهيمية وتخال نفسها أنها تمتطي حصاناً جامحاً لا يشق له غبار وهو يسير تجاه النصر للثورة الديمقراطية السورية, وقد وصلت درجة العته والبله السياسي بالمعارضة السورية حداً اعتبرت فيه فصيلاً من فصائل تنظيم القاعدة ونقصد هنا جبهة النصرة وحتى داعش قبل ان تنقلب عليهم بأنه فصيل ثوري وبما يعني أنه من أدوات التغيير الديمقراطي المنشود . لقد خاض النظام السوري البربري مع حلفائه معركتهم ضد الثورة السورية تحت شعار الممانعة ومقاومة العدو الصهيوني في الوقت الذي كانوا يعقدون الصفقات مع الأمريكيين والإسرائيليين والغرب عموماً وبما يتناسب مع مصالح الأمريكان والروس والإيرانيين وعلى حساب المصالح العربية عموماً. هنا بدأت تتكشف أحد أهم ميزات المأساة السورية المتمثلة في كون من ادعى أنه صاحب القضية كان أول من أعطى قبل غيره كل عدو ومتآمر الحجة والذريعة ليفعل بهم ما يشاء ومتى شاء, هنا بدأت الخطوة الأولى باتجاه المرحلة الثانية من عمر الثورة, المرحلة التي بدأت فيها كل القوى الدولية والإقليمية التي لها مصلحة بهزيمة وسحق الثورة الديمقراطية السورية بشحذ سكاكينها للغدر بالثورة السورية بحجة أنها ثورة إرهابيين أو لنقل بوصفها حركة سيطر عليها الإرهابيون. يمكن القول أن الربيع العربي شكل فرصة - للأسف ضاعت - كي تخرج الشعوب العربية من تحت نير استبداد النظم التي حكمتها لعقود من الزمن من جهة وفرصة كي يستطيع الإسلام السياسي السني ومعه الشعوب العربية كي يحد من سيطرة ونفوذ الإسلام السياسي الشيعي الذي تحول إلى أداة لتوسيع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية منذ قيام الثورة الخمينية. ولكن كان هناك عامل أساسي قاد إلى تضييع هذه الفرصة. وهذا العامل هو ما يمكن تسميته ببهيمية الإسلام السياسي السني في هذه المواجهة والتي تمثلت بتفضيله التحالف مع نظم المنطقة السنية كقطر وتركيا والسعودية ودخوله كطرف وأداة في الاستقطاب الطائفي الإقليمي والمحلي على حساب التصاقه بالهموم العامة للمجتمعات التي نشأ بين طياتها وعلى حساب تحالفه مع شعوب المنطقة من كرد وغيرهم من القوميات التي تعيش بين ظهرانينا وهو الأمر الذي كان يعني تخليه أو بالحد الأدنى تأجيل مشروع أسلمة الربيع العربي إلى حين كسر حلقات الاستبداد في واقعنا العربي من باب تفضيله للكسب السياسي العام له ولشعوب المنطقة على حساب مشروعه الإيديولوجي وبما يعني خوض الصراع بهدف كسب المعركة ضد نظم الاستبداد وبقاياه كهدف أولي ومركزي وأساسي ولو على حساب الكسب الإيديولوجي الذي وضعه الإسلام السياسي السني في مقدمة مهامه وأهدافه أي كان ينبغي وضع المصالح الوطنية في كل ساحة كما فعلت حركة النهضة التونسية الإسلامية التي شقت عصا طاعة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ولو على حساب مشروع التنظيم العالمي، فعلى الأقل ورغم كل ما يشار عن مساوئ وأخطاء حركة النهضة فإنها لم تفتح صراعاً مسلحاً داخل المجتمع التونسي حول هوية الثورة والدولة والدستور والكثير من المنجزات التي حققها المجتمع التونسي بعد الثورة ولا سيما المكتسبات التي حققتها المرأة التونسية على حساب ما يسمى بأحكام الشريعة الإسلامية, أي بالمختصر فإن حركة النهضة التونسية لم تعمل على الأقل حتى الآن على احتكار تمثيل المصالح العامة للمجتمع بقوة السلاح وبما يعني قبولها حتى الآن باللعبة السياسية وتداول السلطة ومبدأ الشراكة مع القوى الأخرى داخل المجتمع التونسي، وهنا أسمح لنفسي بالقول أن الممارسة العقلانية للسياسة - قياسا بأخواتها العربيات - التي اتبعتها حركة النهضة شكلت أحد الأسباب التي جنبت الساحة التونسية الكثير من الكوارث التي حلت في ساحات عربية أخرى. فالإسلام السياسي السني لو فعل ذلك وخصوصاً في الساحة السورية والمصرية والعراقية والليبية لكانت شعوب المنطقة برمتها تخلصت من جهة من الانقسام العمودي والاستقطاب الطائفي أو القبلي الذي أصابها وكانت تخلصت من نير استبداد النظم التي واجهتها كما تخلصت من النفوذ الإيراني في المنطقة مرة وربما إلى الأبد, ففي الوقت الذي خاض الإسلام السياسي الشيعي الصراع ومن خلفه إيران بمنطق تقديم الربح السياسي أي ضرورة تحقيق الانتصار على حساب الربح العقائدي الإيديولوجي وحتى على حساب كل سردياته عن المظلومية والظالمين وعبر جبهة ضمت في صفوفها الشيوعيين " الممانعين" والقوميين السوريين وبعض القوميين العرب كما بعض القوى المسيحية في لبنان وكل من قبل الدخول والارتزاق من هذه المعركة بعيداً عن هويته السياسية أو الإيديولوجية أو حتى الدينية والطائفية تحت شعار تحالف الأقليات وبقلب واحد وغرفة عمليات عسكرية وسياسية واحدة نجد أن الإسلام السياسي السني خاض الصراع بعقل بهيمي حيث الخلافات العقائدية بين صفوفه وفصائله السياسية والعسكرية والخلافات السياسية وخلافات المصالح بين حلفائه الإقليميين قادت إلى تبعثر وتشتت قواه ومنع تشكل غرفة عمليات سياسية وعسكرية تقود الصراع بقلب واحد وذراع قوية قادرة على تحقيق النصر إن كان على غريمه الإسلام السياسي الشيعي أو على نظم الاستبداد التي واجهها وهنا من المهم القول أن تشتت قوى الإسلام السياسي السني لم يكن ناتجاً كما أسلفت عن تعدد ارتباطاته الإقليمية وناتجاً عن اختراق صفوفه من قبل أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية وحتى النظم التي واجهها فحسب بل ناتجاً عن هذه البهيمية التي تسيطر على عقله السياسي. ويكفي هنا على سبيل المثال لا الحصر للتدليل على هذه البهيمية لا قيام تيار الإسلام السياسي السني الذي انخرط بين صفوف المتظاهرين ضد النظام السوري بتغيير شعار الربيع السوري والذي هو أساساً شعار الربيع العربي من شعار " الشعب يريد إسقاط النظام " واستبداله بشعار " قائدنا للأبد سيدنا محمد " فحسب بل أضاف إلى ذلك شعار بهيمي آخر في معاركه العسكرية في صراع قائم في القرن الواحد والعشرين والقائل " وما رميت إذ رميت وإنما الله رمى " . في الواقع لم يعمل ويؤجل الإسلام السياسي السني مشروعه الخاص لحساب مشروع التغيير الديمقراطي والذي كان من خلاله بالتأكيد سيتم هزيمة المشروع الإيراني في المنطقة كونه بالأساس تياراً سياسياً مصاباً بداء البهيمية السياسية والفكرية وحيث تأتت هذه البهيمية التي تراكمت مع مرور الزمن منذ نشأته بهويته الحديثة في البداية على هيئة تنظيم أطلق على نفسه الإخوان المسلمين في أواخر العشرينيات من القرن العشرين بدءاً من الساحة المصرية قبل أن يمتد في وجوده فيما بعد لبقية الساحات العربية والإسلامية وصولاً للحظة التي تفجر فيها الربيع العربي في نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين حيث نجد في مقدمة الأسباب التي قادت إلى هذه البهيمية:
أولاً : البهيمية الكامنة في أسباب ومبررات النشأة والوجود الجديد للإسلام السياسي السني – وفي هذه النقطة يشترك الإسلام السياسي الشيعي والسني في البهيمية - كما قلت سابقاً على هيئة إخوان مسلمين فهذه النشأة التي جاءت ابتداء من مصر أواخر العشرينيات 1928 كانت تهدف من جهة إلى قطع الطريق أمام فكر الجيل الأول لرجال النهضة العربية الذين ظهروا في الواقع العربي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من أمثال عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده والأفغاني والذين تلمسوا أسباب تأخرنا وتقدمنا ولو بطريقة إصلاحية وغير جذرية إلا أنها كانت في الجوهر دعوة بالاتجاه الصحيح حيث رأوا أن السبيل الوحيد لمغادرة خندق التأخر الذي ينتج التخلف تكمن في عملية اللحاق بسياق العصر الحديث أو لنقل بتيار الحضارة الجديدة التي كانت قد بدأت ملامحها بالظهور بشكل جلي في بلدان الغرب الأوروبي وحيث أن الاعتماد على العلم والمعرفة والعقل وتطوير العلوم القائمة على إنتاج العقل والالتفات إلى وضع المرأة التي تشكل نصف المجتمع والإقلاع عن أنماط الاستبداد في الحكم هي الوسيلة الوحيدة للوصول والالتحاق بركب الحضارة البشرية التي كانت قد أصبحت حضارة عالمية. وقد جاء نشوء الإخوان المسلمين في مصر كرد سياسي وثقافي وفكري بهيمي على ما طرحه رجالات النهضة الأوائل وحيث تكثف ذلك في بيان نشأتهم عندما برروا هدف وجودهم بضرورة العودة إلى زمن دولة الخلافة الإسلامية التي كانت قد سقطت آخر ظهوراتها في التاريخ بهيئتها العثمانية قبل أقل من عقد من ظهور الإخوان المسلمين في مصر وبما يعني أن الإخوان رأوا أن سبيل تطورنا - وبعكس ما رأى رجال النهضة - يكمن في العودة إلى سياق الماضي متسلحين بشعار أن الإسلام هو الحل وبما يعني القول أننا شعوب نمتلك كل أسباب ومقومات التطور فقط كوننا مسلمين أو أصحاب دين هو الإسلام أي أنه لا يوجد لا علم ولا معرفة ولا عقل ولا تطور ولا حضارة ولا فلسفة يمكن أن تفيدنا وتساعدنا على التقدم وبما يعني أن الدين وتحديداً الدين الإسلامي هو وحده الكافي والوافي لحل كل مشاكلنا .
ثانياً : وما زاد من هذه البهيمية كانت مسألة انتقال مركز الإسلام السياسي السني من مكانه، فبعد أن كان مركزه في أكثر حاضرتين عربيتين تطوراً وتمدناً أقصد مصر وسوريا بعد أن أصبح في سوريا فرعاً للتنظيم، انتقل مركز الإسلام السياسي السني إلى الخليج العربي مع ظهور الحقبة النفطية والبترودولار ودور الحكومات الخليجية في معادلة الصراعات السياسية والإيديولوجية على الصعيد الإقليمي والدولي، ومع هذا الانتقال إلى بيئة أقل تحضراً، تدحرج الإسلام السياسي السني ليصبح شيئاً فشيئاً ذو طابع بدوي رعوي ولا سيما بعد أن تداخل وتزاوج مع الوهابية السعودية التي نشأت أساساً في بيئة بدوية رعوية شكلت الغطاء الإيديولوجي لأكثر الأنظمة الظلامية عتياً في التاريخ الحديث أقصد نظام العائلة الحاكمة والمالكة في المملكة العربية السعودية، وقد انعكس هذا التزاوج مع الوهابية الرعوية البدوية لا على البنية الفكرية للإسلام السياسي السني في عموم بلاد المسلمين فحسب بل وصل هذا الانعكاس ومنذ البداية على بنية المد الديني الذي عرفته المنطقة، حتى وصل الأمر إلى التأثير على معالم الكثير من الحواضر العربية حيث أصبح الجلباب الخليجي واللحية على الطريقة الوهابية وطرق العيش ونمط الحياة اليومية سائداً، فلم تعد مقاهي ومطاعم وملامح شوارع دمشق هي ذاتها ولا مقاهي ومطاعم وملامح شوارع القاهرة هي ذاتها التي عرفتها فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وقد ترافق ذلك كله في الحالة السورية أن النظام الذي كان يراقب كل ذلك قام بدحرجة كتلتين تبدوان متعاكستين في الاتجاه في الظاهر، ففي يد كان يدحرج العقل الطائفي الذي يرتكز عليه نحو بيئته الريفية القديمة الحرشية وفي اليد الأخرى كان يدحرج هذا الإسلام السياسي البدوي الرعوي وقد كانت أحياء دمشق وغيرها من المدن السورية شاهداً على هذه الثنائية. وقد ظل الأمر في حالة دحرجة متعاكسة إلى اللحظة التي انفجر فيها الصراع على السلطة على هيئة ثورة بوجه النظام فقام بدحرجة الكتلتين السابقتين ولكن هذه المرة في قصد إحداث التصادم بينهما .
ثالثاً : كان انزلاق هذا النوع من الإسلام السياسي السني في كل أنحاء العالم من خلال عملية تخصيبه إن صح القول ونشره وإشعاعه محمولاً على البترودولار الخليجي في سياق توظيفه في الصراعات الدولية والٌإقليمية وقد وجد مكاناً يتوالد ويوجد فيه إن كان في البيئات المهمشة مادياً وثقافياً في مراكز النظام العالمي وذلك بتكليف من أسياد الحكومات الخليجية حيث اختاروا البيئات المهمشة مكاناً لهذا الفكر وذلك يعود لهدفين : الأول يتمثل بضرورة قطع الطريق على قوى اليسار من الانتشار في هذه البيئات الفقيرة وثانياً كون هذه البيئات المهمشة غالبيتها من أصول مهاجرة من بلاد الإسلام الواسعة حيث يسهل نقله إليها ويسهل جعل هذه البيئات تواصل غذاءها مح الحبل السري الأصل الذي ولدت فيه. كما انتشر في البيئات المهمشة مادياً وثقافياً في الأطراف وهي البيئات التي كانت سياسة نظمها تجعلها تتوسع يوماً بعد يوم على شكل قوى عاطلة عن العمل أو على شكل قوى تعمل في السوق السوداء وفي قاع المجتمع إن كان في تهريب السلع أو في بيع السلع المهربة حيث يشهد على ذلك ظاهرة أن أصبحت الأسواق السوداء في كل المدن العربية هي الطاغية على الأسواق الرسمية، مضافاً إلى ذلك كله التهميش الذي لحق بالأرياف نتيجة تركز وتمركز الثروة بيد أوليغارشيات سلطوية يتركز نشاطها في المدن الكبيرة ومحيطها فقط .
رابعاً : الانزلاق نحو أحضان الحكومات وأجهزة المخابرات العالمية. فبرغم ما كان يبدو على الإسلام السياسي السني الإخواني وغيره من تعصب إيديولوجي في الظاهر إلا أنهم في الممارسة السياسية على أرض الواقع كان يسهل توظيفهم من أكثر من جهة سياسية دولية أو إقليمية ودون أن يأخذوا بالاعتبار أو دون الالتفات إلى إيديولوجية الجهة التي توظفهم، وهذا الأمر هو ما يكمن خلفه أن كل تنظيماتهم تحولت مع الوقت وعبر التاريخ الحديث إلى ماخور لمخابرات العالم أو لنقل أن ذلك يفسر أن كل تنظيماتهم مخترقة من كل مخابرات وحكومات العالم بما في ذلك مخابرات النظام السوري ومخابرات خصمهم الإيراني الذي استثمر بهم بعد قبولهم الجلوس في حضنه بعد هروبهم من أفغانستان. وفي هذا الاختراق يكمن أحد أسباب الطريقة البهيمية التي خاض فيها الصراع مع خصمه الشيعي حيث أن كل مشغليه كانوا يدفعونه إلى هذه البهيمية في خوض الصراع حيث أن أغلب مشغليه ربما باستثناء تركيا الأردوغانية لم يكونوا يريدون له الانتصار الكامل والساحق على خصمه فقد كانت مهمته محصورة بمهمتين أساسيتين: الأولى تتمثل في تخريب الربيع السوري والعربي والثانية تتمثل في استخدامه كحائط صد فقط في وجه التوغل الإيراني ومشروعه في المنطقة ولكن تحت سقف مصلحة مشغليه من الدول الإقليمية التي أضرها وأخافها تمادي وانكشاف مدى النفوذ الإيراني في المنطقة دون أن يكون لديها القدرة على المواجهة فاستخدمت الإسلام السياسي كعصا وأداة لوقف تقدم زخم المشروع الإيراني إلى حين تتوفر الشروط لعقد الصفقات والمساومات مع إيران حول المنطقة أو حول الكعكة السورية ولن أتوسع هنا في الشرح لأن مقالي القادم سيكون محوره حول دور الدول الإقليمية التي أدعت صداقتها للمعارضة السورية. ولكن قبل أن اختم هذه الفقرة أحب القول أنه من الخطأ القول عن هذا التنظيم أو ذاك كداعش أو النصرة أو أي تنظيم آخر بأنهم فقط مخابرات تابعه لهذا النظام أو ذاك، ففي ذلك دفاع عن الإسلام السياسي لأن الصحيح هو القول أنهم إسلام سياسي مخترق من هذا النظام أو ذاك .
خامساً : إن أهم ما ميز هذا العقل البهيمي كانت مسألة عدم الاستفادة من دروس التاريخ القريب، فلقد شكلت تجربة الشيوعيين والقوميين في الثورات والسلطة درساً كان من أهم دروس القرن العشرين، حيث يمكن تكثيفه بالقول إن مسألة احتكار الثورة وتمثيل المصالح العامة من قبل جهة إيديولوجية أو سياسية واحدة داخل المجتمع وعلى حساب بقية القوى وبما يعني إقامة الدولة الإيديولوجية هي تجربة فاشلة ولن يكون نهايتها غير هزيمة أصحابها، أقول بالرغم من هذا الدرس القريب والمعاصر إلا أن الإسلام السياسي السني أبى أن يفهمه أو أن يأخذ به، وذلك يعود لسببين الأول يتمثل بالمركبات البهيمة التي أثرت على بنيته الفكرية التي هي بالأساس مغلقة ومقفلة بوجه التاريخ ودروسه، والثاني هو ما خلقته لهم الطموحات الأردوغانية في المنطقة بإمكانية إقامة دولة الخلافة من جديد وانبعاثها بثوبها العثماني، وهو الأمر الذي أعمى بصرهم وبصيرتهم عن رؤية من يفترض أنهم شركاءهم في الوطن من بقية القوى السياسية السورية، وهو ما قادهم إلى التعنت والإصرار على أسلمة الثورة، في مواجهة النظام .
سادساً: كان انزلاق الإسلام السياسي السني باتجاه الساحة السورية بعد أن كان قد انزلق إلى أكثر من ساحة من قبل – أفغانستان – العراق – لبنان – فلسطين – وفي كل البيئات المهمشة في العالم بما في ذلك ما ترعرع من هذا الإسلام في البيئات المهمشة الأوروبية، فمع تفجر الصراع في سوريا بين النظام والشعب السوري وبعد أن تمت عملية أسلمة الثورة واستجرار كل قوى الإسلام السياسي السني في الداخل والخارج لمقابلة خصمه الشيعي الذي استقدمه النظام، أقول هنا اختلطت وامتزجت كل المركبات البهيمية في عقل الإسلام السياسي السني مع استنشاقه لرائحة الدم السوري الذي كان يسفكه النظام بلون طائفي واحد في الساحات والشوارع والبيوت والمعتقلات، فهذه الرائحة للدم السوري كانت ضرورية كما تلزم الرائحة أحيانا لزيادة استنهاض الفعل الغريزي إن كان في ممارسة الجنس أو في تناول الأكل ولكن هنا كانت ضرورية لاستنهاض الغرائز البدائية في القتل والمشاعر والعواطف...الخ ولا سيما أن ذلك اختلط مع رائحة المعركة الطائفية التي جرهم النظام إليها بكل ما يلزم من التحريض والاستنهاض الطائفي الإعلامي والسياسي وقد ترافق ذلك مع ما قامت به الجهات الداعمة لهم كقطر والسعودية وتركيا – بالتحريض المقابل واللازم للتصادم والتطاحن مع خصمهم الشيعي وبكل ما يلزم لتمزيق وتشويه واجهة الربيع السوري ثم الدخول إلى عمقه وقلبه لتمزيقه وتخريبه كما تفعل الدببة في حقل تدوسه بأقدامها الثقيلة أو كما تفعل الخنازير في حقول الذرة. أخيراً أقول بهذا العقل البهيمي دخل الإسلام السياسي السني المعركة على الساحة السورية ضد خصمه الشيعي ولهذا كان منطقياً وطبيعياً حسب هذه المركبات البهيمية أن يلعب دوراً تخريباً لا على الثورة السورية فحسب بل يلعب اللعبة حتى ضد مبررات وجوده أساساً إن كان في الواقع السوري أو العربي أو في أي مكان فيه بشر من هذا العالم. أعود وأقول أن الذي كشفه صراع السنوات الماضية بين الإسلام السياسي الشيعي والإسلام السياسي السني يجعلنا نقول أن الصراع دار بين إسلام سياسي شيعي ثأري يريد كسب المعركة ثأراً لمقتل الحسين بالنسبة للإسلام السياسي الشيعي العربي وثأراً للطموحات الفارسية التي قوضها العرب بعد الإسلام بالنسبة للإسلام الشيعي الإيراني الخميني بعيداً عن الحسابات الإيديولوجية والعقائدية, وبين إسلام سياسي سني بهيمي لم ير في المعركة إلا هدف الكسب الإيديولوجي والعقائدي وعلى حساب أي اعتبارات أخرى إن كانت وطنية أو قومية بما في ذلك الضرورات اللازمة لكسب المعركة. في الوقت الذي تكشف فيه أن مشروع إيران الشيعي ليس إلا الرداء للمصالح القومية الفارسية في المنطقة وحيث تحقيق هذه المصالح يعلو ويفوق على الاعتبارات الإيديولوجية والعقائدية. وهنا من المهم القول بأنه إذا كان الإسلام السياسي الشيعي قد وقف في مواجهة طموحات الشعوب العربية الساعية للتحرر من الاستبداد السياسي إن كان في سوريا أو اليمن أو العراق أو لبنان كونه أصبح في كل هذه الساحات أداة للدفاع عن المصالح والنفوذ الإيراني في المنطقة , فإن الإسلام السياسي السني الذي انخرط في الماضي في الاستقطابات الإقليمية والدولية زمن الحرب الباردة وبانقلابه فيما بعد على الربيع العربي من خلال العمل على أسلمته مستنداً على الدعم التركي الأردوغاني الإسلامي بشكل أساسي فإنه تحول بدوره إلى أداة للنفوذ التركي في المنطقة ولا سيما في الساحة السورية وهو الأمر الذي يجعلنا نقول أن كلا جناحي الإسلام السياسي العربي - أي الشيعي والسني – قد فقد طابعه الوطني وابتعد عن الروح والمصالح الوطنية للشعوب التي يعمل في طياتها وهو الأمر الذي يعني أن جناحا الإسلام السياسي في الواقع العربي تحولا إلى حصان طروادة الذي يتم من خلاله اختراق واقعنا العربي بأصحاب النفوذ والمصالح الأجنبية الإقليمية والدولية كما يعني أن مجتمعاتنا العربية ذاهبة نحو الخراب والدمار الشامل إن لم يع جناحا الإسلام السياسي ضرورة فك الارتباط مع المصالح الخارجية الإيرانية والتركية وغيرها كما ضرورة فك الارتباط مع ثارات الماضي بالنسبة للإسلام السياسي الشيعي وفك الارتباط مع وهم إعادة بناء دولة الخلافة الإسلامية بالنسبة للإسلام السياسي السني وتقديم المصالح الوطنية في كل ساحة على المصالح الإيديولوجية والعقائدية التي لن تجلب لشعوب المنطقة إذا ما استمر الوضع على هذا الحال إلا مزيداً من الخراب والدمار, فالإسلام السياسي بجناحيه الشيعي والسني وكونه لم يع حتى هذه اللحظة ضرورة فك الارتباط مع الخارج ومع الماضي فإنه تحول إلى حجري الرحى التي طحنت ولا تزال تطحن الشعوب العربية بين الطموحات الفارسية والطموحات العثمانية التركية. فإذا كان أحد أهم ما يميز الإسلام السياسي الشيعي الحاكم في إيران هو تشبع هذا الإسلام بالروح القومية الفارسية، وإذا كان أهم ما يميز الإسلام السياسي الحاكم في تركيا هو تشبعه بالروح القومية التركية العثمانية فإن أهم ما يميز الإسلام السياسي العربي بجناحيه الشيعي والسني هو افتقاده لهذه الروح الوطنية أو لنقل هو عدم تشبعه بالروح الوطنية للمجتمعات العربية التي نشأ في أحشائها وبين طياتها وحيث يشكل هنا الصورة الإيديولوجية الدينية للبرجوازية العربية التي عجزت حتى الآن أن تشكل روحها الوطنية الخاصة بها .
إن حسابات الحقل تطابقت مع حسابات البيدر لدى النظام وحلفائه, فهذا الحلف منذ اليوم الأول لخوضه المعركة ضد الثورة السورية قاتلوا جميعاً يداً بيد وكتفاً على كتف وخندقاً إلى جانب الخندق وساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر وسنة بعد سنة جنباً إلى جنب, وتوزعوا واقتسموا الخسائر والمكاسب السياسية والاقتصادية والعسكرية والبشرية والمعنوية كل حسب موقعه ومكانته داخل هذا الحلف. وإذا كان هدف كل من دخل هذا الحلف من دول وميليشيات طائفية هو هزيمة الثورة السورية والحفاظ على نظام بيت الأسد على رأس السلطة والدولة السورية حفاظاً على مصالحهم المتنوعة والمختلفة في المنطقة, فإن هدف الحلف الشيعي إيران وحزب الله والميليشيات العراقية وغيرها داخل هذا الحلف الكبير لم يكن دفاعاً عن مصالحهم في الحاضر والمستقبل فحسب بل يمكن القول وحتى الجزم بأن الدافع كان التعويض والتخلص من عقدة الذنب التاريخية الناتجة عن تخلي وخذلان أجدادهم للحسين في معركة كربلاء, والحسين هنا لم يكن رأس النظام السوري وإنما كان حماية المشروع الشيعي الإيراني مع امتداداته الإقليمية ( في العراق ولبنان وسوريا وغيرها من الساحات العربية ) ولا سيما بعد أن أخذت المعركة في سوريا طابعاً طائفياً دينياً بحتاً بعد أن تسنمت قضية إسقاط النظام السوري مجموعة من الفصائل العسكرية الإسلامية السنية, وهنا يمكن القول أن التاريخ السياسي للشيعة لم يعرف وحدة الصف الشيعي الطائفي على مستوى العالم الإسلامي منذ معركة كربلاء ومقتل الحسين بن علي بن أبي طالب وتكوّن هذا المذهب داخل العالم الإسلامي حتى يومنا هذا, فالكل هنا الإسلام السياسي الشيعي بشكل رئيسي والشارع الشعبي الشيعي عموماً اندفع للدفاع عن النظام الذي أصبح رمزاً لهزيمة أو انتصار المشروع الشيعي في المنطقة, أي أن قيمة رأس النظام في هذه المعركة هي قيمة رمزية لا أكثر ولا أقل, فالحلف الشيعي الداخل في هذه المعركة يعلم علم اليقين أن رأس النظام السوري لا يساوي قرشاً سورياً واحداً, أي أن أهمية رأس النظام هنا لا تأتي من قيمتها بذاتها أو من قيمتها الدينية وإنما تأتي كونها تمثل قيمة ودلالة رمزية لهزيمة أو انتصار المشروع الشيعي في المنطقة, فالكل يعلم أن إسقاط رأس النظام وإزاحته عن سدة السلطة وقيادة الدولة السورية يعني بداية انهيار وهزيمة المشروع الشيعي الإيراني لا في سوريا فحسب بل على صعيد المنطقة كلها بدءاً من لبنان وموقع حزب الله في الساحة اللبنانية مروراً بالعراق الذي تحكمه وتسود فيه قوى الإسلام السياسي الشيعي بكل ألوانه وأشكاله السياسية وصولاً إلى تحجيم دور إيران الإقليمي في المنطقة وحصرها وحشرها داخل حدودها القومية الفارسية.
لقد دخل الحلف الشيعي المعركة في سوريا بهدفين اثنين امتزجت فيهما مصالح الحاضر والمستقبل مع مشاعر الماضي والتاريخ القديم, أي امتزج فيهم الرغبة والاندفاع من أجل الثأر للماضي البعيد بوصفه وسيلة للتخلص من عقدة الهزيمة والخيانة والخذلان مع الرغبة في الانتصار من أجل مصالح الحاضر والمستقبل القريب والبعيد. وكونهم خاضوا معركة الحاضر في سوريا بمشاعر وعواطف المتعطش للثأر والساعي للتخلص من عقدة الذنب والتخاذل كان اندفاعهم وإقدامهم واستعدادهم لتقديم الغالي والثمين في هذه المعركة هو السبيل والطريق الوحيد لإشباع وإرواء غليلهم الطائفي الغرائزي البدائي, وقد وصل اندفاعهم العاطفي في هذه المعركة إلى الحد الذي أفقدهم القدرة على التحكم والسيطرة على أي قرار عقلي منطقي يحسب حساباً للزمن القادم والتاريخ, أي يحسب حساباً لحياتهم وعلاقتهم بإخوانهم وشركائهم السنة في الأوطان والإسلام والمنطقة والجغرافيا, أي أن حساباتهم الطائفية قادتهم إلى تغليب المشاعر الطائفية على المشاعر الوطنية والقومية فلم يحسبوا حساباً لانتمائهم الوطني أو حساباً لوحدة وبقاء الأوطان كما لم يحسبوا حساباً لانتمائهم القومي العربي, كل ما حسبوه كان مركزاً على نقطة واحدة هي الانتصار وكسب المعركة ولو أتى الطوفان بعد ذلك كما يقال, المهم أن لا تتكرر هزيمة كربلاء مرة ثانية في التاريخ، إن شعارهم الذي طرحوه بأنهم لن يدعوا زينب تسبى مرة أخرى لم يكن المقصود به بالعمق السيدة زينب كونهم يعلمون أكثر من غيرهم علم اليقين بأنه لا يوجد في العالم الإسلامي حتى ولو سني واحد من يريد سبي السيدة زينب كما أنهم يعلمون بأن من سبى السيدة زينب في معركة كربلاء هي سلطة يزيد فقط وبأنه لم يكن في العالم الاسلامي كله من أيّد هذا السبي . أن قولهم لن نسمح بسبي السيدة زينب مرة أخرى كان الهدف منه عدا عن كون كان ضرورياً لاستنهاض المشاعر والعواطف الطائفية لدى عموم الشيعة في العالم، كان المقصود فيه بأنهم لن يفسحوا المجال هذه المرة لخسارة المعركة وهو الأمر الذي جعلهم يخوضون المعركة هذه المرة وهم محملون بعقل سياسي وضع نصب عينيه هدف الكسب السياسي والمعركة مضافاً إليه شحنة وحمولة إيديولوجية طائفية ثأرية داعمة. ففي معركتهم المعاصرة وحسب هذيانهم الطائفي المرضي – بفتح الراء - لم يكونوا مستعدين لرؤية عورة عمرو بن العاص فحسب بل رؤيتها وقتله وعمل أكثر من ذلك من أجل كسب المعركة وتحقيق النصر. لقد كشف الربيع العربي بشكل عام والبحريني (حين قال حزب الله اللبناني أن في البحرين ثورة ) والسوري بشكل خاص ( حين قال أن في سوريا مؤامرة إمبريالية ) إن كل ادعاءات حزب الله بمقاومة وممانعة ومحاربة إسرائيل كما ادعاءات إيران بدعمها للمقاومة الفلسطينية من أجل تحرير القدس ما هي إلا ورقة توت سميكة تخفي تحتها مشروعاً طائفياً شيعياً للمنطقة العربية, كما كشف الربيع السوري أن كل الرصيد السياسي الذي حققه حزب الله في الشارع العربي في حقل وميدان الممانعة والمقاومة الوطنية ما هو إلا رصيد معدّ من أجل استخدامه وصرفه في الأوقات الحرجة لدعم المشروع الإيراني الطائفي في المنطقة العربية حين يواجه هذا المشروع أي صعوبات أو تهديد من أي جهة كانت, فالقضية الفلسطينية لم تكن سوى حصان طروادة كي يدخل من خلاله المشروع الإيراني الطائفي إلى المنطقة بغطاء الوطنية والممانعة ومحاربة إسرائيل ...الخ من الادعاءات والأكاذيب والأضاليل التي لطالما استخدمتها وعاشت عليها النظم العربية الاستبدادية القومية التي حكمت المنطقة منذ الستينيات من القرن العشرين .لقد وصل الحلف الشيعي الداعم للنظام ( إيران وحزب الله والميليشيات الطائفية العراقية ) باندفاعه نحو مشروعه الطائفي الثأري وإصراره على تحقيق النصر في معركته في سوريا إلى الحد الذي جعل هذا الحلف يمد يده إلى العدو الإسرائيلي وإلى كل دولة طامعة باحتلال أرض أو نفوذ على الأرض السورية ( أقصد هنا مطامع روسيا ) وكل طامح لتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية ( أقصد هنا أمريكا ومن خلفها إسرائيل ). لقد وصل اندفاعهم نحو مشروعهم الطائفي إلى الحد الذي جعلهم أدوات رخيصة من الأدوات اللازمة لتقسيم وبلقنة المنطقة العربية إلى كيانات طائفية أو لنقل بناء أوطان قائمة على أساس الدين والطائفة, أي إلى الحد الذي جعلهم أدوات في مشروع سايكس بيكو جديد للمنطقة العربية, ولكن هذه المرة بصياغة إمبريالية جديدة أمريكية - روسية .


السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا – 13 - journal lemonde 5 of 5
لومـــــوند : نبيل ملحم  ثالث عشر: سوريا بين حجري رحى إسلام سياسي ثأري وآخر بهيمي: لقد اعتمد النظام السوري على ركيزته الطائفية الداخلي...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك