ما السر وراء دعم الفرقاء السياسيين في المنطقة لنظام البشير؟


لومــــوند :
بقدرة قادراتفقت مواقف الفرقاء والمتنافسين الإقليميين، حول دعم الرئيس السوداني "عمر البشير"، ضد الاحتجاجات المتواصلة ضده منذ أكثر من 6 أسابيع. أول زيارة خارجية لـ"البشير"، عقب الاحتجاجات كانت لقطر، وهي تأتي بعد أيام من إعلانه استقبال منحة إماراتية متعلقة بالنفط، وذلك بالتزامن مع إعلان قبول بلاه منحة تركية أيضا. استقبال أمير قطر "تميم بن حمد" لـ"البشير"، جاء قبل يوم واحد من إرسال وفد سعودي رفيع المستوي بتوجيه من الملك "سلمان بن عبدالعزيز" للإعلان أن "أمن السودان من أمن المملكة". وكانت أول زيارة للسودان بعد الاحتجاجات من مصر، عندما زار الخرطوم وزير خارجيتها "سامح شكري"، ليعلن هو الآخر دعم بلاده لـ"البشير". ويلخص الباحث الجامعي في جامعة قطر "عبدالوهاب الأفندي"، هذه المواقف بالقول إن "كافة الأطراف في المنطقة تتصارع، لكنها تتفق بمعنى ما بشأن البشير (..) إنها تؤيد على ما يبدو استمرارية حكمه (..) تعتقد أن أي بديل له يمكن ألا يكون في صالحها وصالح المنطقة". "البشير" الذي يواجه مذكرة اعتقال أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية، منذ ما يقارب 10 أعوام، تمكن من زيارة العديد من الدول، دون أي مضايقات، وهو يحتفظ بالسلطة منذ 30 عاما بعد انقلاب دعمه "الإخوان المسلمون" المستمرون في دعمه. ووضع "البشير" الراهن يطرح السؤال عن دول وأنظمة تعتبر نفسها في حالة حرب ضد الإسلام السياسي، في مصر، والإمارات، والسعودية، وسوريا، والصين وروسيا، وتدعم رئيسا جاء للحكم ومستمر فيه بفضل الإسلام السياسي، ضد حركة احتجاج مدنية. ولكل من المتنافسين الإقليميين من استمرار حكم "البشير" مأرب مختلف عن الآخر، فمصر تجد السودان عمقها الاستراتيجي، والسعودية والإمارات تنظران إليه بصفته أحد أعمدة التحالف العربي الذي يخوض حربا في اليمن، كما أنهما يخشيان نجاح أي احتجاجات في المنطقة. أما تركيا، فترى السودان و"البشير" بوابتها الرئيسية في أفريقيا، وتعتبره قطر أحد موازنين القوة في الأزمة الخليجية. وإذا كانت المظاهرات قد انطلقت في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، احتجاجا على رفع الأسعار بسبب نسبة تضخم تقارب 73% وفي بلد يعيش نصف سكانه تحت خط الفقر، فإن شعارات الحركة تغيرت بصورة سريعة لتصبح سياسية وتطالب بإسقاط نظام "البشير"، في هتافات تذكر بما كان يتردد في مصر وتونس قبل 8 سنوات خلال الربيع العربي. وبحسب مراقبين، كانت مصر من أوائل الدول التي بادرت بدعمها لـ"البشير"، سواء بالبيانات الرسمية، أو من خلال إجراءات عملية تمثلت في زيارة مسؤولين كبار بحجم وزير الخارجية "سامح شكري" ورئيس المخابرات العامة "عباس كامل". "شكري" و"كامل"، نقلا للمسؤولين في السودان، رسالة من الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، تؤكد أهمية تحقيق الاستقرار في البلدين ومواجهة التحديات عبر العمل المشترك، وتعتبر أن "استقرار السودان، يصب بشكل مباشر في استقرار مصر". مصر تخشى حالة الانفلات الأمني التي قد تعقب إزاحة "البشير"، نظرا لكميات سلاح كبيرة منتشرة في السودان قد تغرق جنوب مصر بالسلاح من ثم تؤثر بشكل مباشر على استتباب الأمن في مصر. وأيضا ما يقلق القاهرة، حدوث أي تغيير في نظام الحكم في السودان، وانتشار فوضى ما في الجنوب، ما قد يساهم في نزوح الآلاف وربما ملايين السودانيين من بلادهم إلى الشمال المصري، الأمر الذي قد يربك الوضع الاقتصادي المصري الهش بالأساس. وأيضا ثمة ما يقلق القاهرة بشكل كبير وهو حدوث فراغ في السلطة السودانية، ما يؤثر على موقفها الضعيف أمام أديس أبابا بشأن مشروع سد النهضة الذي وصلت إثيوبيا فيه إلى مرحلة متقدمة. وتخشى مصر حدوث أزمة في الخرطوم قد تضعف موقفها أكثر، كما حدث إبان ثورة يناير/كانون الثاني 2011، حينما استغلت إثيوبيا الأوضاع غير المستقرة عقب إزاحة الرئيس المعزول "حسني مبارك"، وسارعت إلى البدء في تنفيذ مشروعها العملاق. الأمر عند السعودية والإمارات مختلف، فالسودان شريك رئيسي في التحالف العربي الذي تقوده الدولتان الخليجيتان في اليمن، من أجل إعادة الشرعية هناك. ويشارك السودان بالجنود في حرب لا أحد يعرف مداها الزمني حتى الآن، في ظل تعثر التحالف عن تحقيق تقدم ميداني على الأرض، وفشل متصاعد للمشاورات السياسية بين أطراف النزاع اليمني. وأمام هذه المشاركة السودانية، كان الوعد من الرياض وأبوظبي بدعم "البشير" اقتصاديا وسياسيا، داخليا وخارجيا. ظهر ذلك جليا، على لسان "البشير"، خلال الاحتجاجات الذي أكد أن الإمارات دعمت بلاده بالوقود، وذلك بعد أن كشف قبل أشهر عن دور كبير للسعودية في رفع العقوبات الأمريكية على السودان. الخوف من تصدير الثورة، قد يجمع كلا من مصر والسعودية والإمارات، خاصة أن الحراك في السودان يتطور ويمتد بصورة مستقلة عن الأحزاب السياسية، وعماده الشباب الذي لم يعرف رئيسا آخر سوى "البشير"، كونه يحكم البلاد منذ 30 عاما. وجسب مراقبين، تقود الرياض وأبوظبي، جهودا حثيثة منذ سنوات، لوأد نجاح أي احتجاجات في أي من الدول العربية، خوفا من تصدير الثورة لها، فدعمتا الانقلاب في مصر بعشرات المليارات من الدولارات. ولدى هذه الدول حساسية مفرطة من أي تغيير يحدث على مستوى القيادة العليا في النظم العربية، خوفا من انتقال عدوى التغيير لها، مثلما اعتبرت أن الربيع العربي سيطال الأنظمة الخليجية، فتمكنت حتى الآن من دعم الثورات المضادة في مصر وليبيا واليمن، وما زالت تحاول في تونس. أما قطر، والتي استقبلت "البشير" في أول زيارة خارجية له منذ اندلاع الاحتجاجات، فكان دعمها للسودان، عرفانا لموقف الخرطوم الرسمي من الأزمة الخليجية، التي وقعت في صيف 2017، والذي جاء متقاربا إلى حد كبير مع الدوحة. وفي الوقت الذي كانت تحاول فيه السعودية والإمارات التأثير على السودان لتغيير موقفه، استمرت الخرطوم في رؤية ما حدث مع قطر "أمرا غير مبرر"، كما أنها وصفته بـ"الحصار". أما تركيا، فقد كانت زيارة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، للسودان نهاية 2017، حجر زاوية للعلاقات بين البلدين، وضعت فيها أنقرة قدميها في أفريقيا، خاصة بعد حصولها على حق الانتفاع في جزيرة "سواكن" لمدة 99 عاما. وتعتمد تركيا على السودان في أن تكون بوابتها للقرن الأفريقي مع الصومال، وساهمت في المضي في هذا التحالف العلاقات الشخصية بين "البشير" وأردوغان"، واللذين ينظر إلى كليهما بأنه من أبناء الحركة الإسلامية، ومن ثم وجود رغبة حقيقية وقوية من الطرفين في البقاء في هذا التحالف. ولكن خسارة تركيا حليفا مثل "البشير" سيمثل ضربة قوية للأهداف التي وضعتها أنقرة من أجل التغلغل في أفريقيا، وإقامة علاقات تجارية واقتصادية مهمة مع أغلب دول القارة السمراء.
تطبيع محتمل مع (إسرائيل)
في شهر ديسمبر/كانون الأول، العام الماضي، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بتصريح صادم، مفاده أن شركات الطيران الإسرائيلية ستتمكن من التحليق فوق السودان في طريقها لأمريكا الجنوبية؛ في إطار مساع لتحسين العلاقات مع الدول المسلمة وعزل إيران بتشجيع من واشنطن. وجاءت تصريحات "نتنياهو" بعد شهر من استئناف (إسرائيل) علاقات الدبلوماسية مع تشاد والتي قطعتها انجامينا مع تل أبيب في عام 1972. بالرغم من إعلان السودان رسميا عن رفض تصريحات "نتنياهو"، والتأكيد أن موقف الخرطوم تجاه (إسرائيل) ثابت ولن يتزحزح مهما حدث من تحولات، لكن تقارير نشرت خلال الشهر الجاري، كشفت أن السلطات السودانية سمحت لطائرة "نتنياهو" بالعبور عبر مجالها الجوي. ويمكن قياس حجم التنازلات التي من الممكن أن يقدم عليها الرئيس السوداني بالنظر إلى وضعه السياسي الحالي، بما قاله المحلل "أحمد أبودوح" في صحيفة إندبندنت البريطانية خلال تعليقه على زيارة "البشير" المفاجئة لسوريا. وقال "أبودوح" إن "البشير مستعد لفعل المستحيل من أجل البقاء في منصبه". حتى الغرب ممثلا في أمريكا وأوروبا، وإن كان لا يظهر دعما صريحا لـ"البشير"، الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية في جرائم حرب وإبادة في دارفور، لكنهم يعملون مع سلطات الخرطوم لضمان "بقاء السودان مستقرا". وحسب دبلوماسي أوروبي، فإن "أي عدم استقرار في السودان يمكن أن يؤدي إلى موجة هجرة جديدة إلى أوروبا". كما تعتبر دول مثل الصين وروسيا، السودان بوابة دخول إلى أفريقيا، واستثمرتا فيه ملايين الدولارات، خلال السنوات الأخيرة. وسواء تعلق الأمر بهما أو بالغربيين، فلا أحد يرغب في انهيار السودان.
ما السر وراء دعم الفرقاء السياسيين في المنطقة لنظام البشير؟ journal lemonde 5 of 5
لومــــوند : بقدرة قادراتفقت مواقف الفرقاء والمتنافسين الإقليميين، حول دعم الرئيس السوداني "عمر البشير"، ضد الاحتجاجات المتواص...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك