السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا - 11 -

لومـــــوند : نبيل ملحم
حادي عشر : النظام السوري نموذجاً للبربرية الكامنة في خصائص نظم الاستبداد المعمم :
قبل الحديث عن خصائص نظم الاستبداد المعمم في واقعنا العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص من المفيد الإشارة إلى الخصائص والصفات العامة التي تميز كل نظم الاستبداد المعمم – على الإطلاق - التي عرفتها العصور الحديثة والقديمة . الصفة الأولى : وهنا أقول إذا كان صحيحاً أن كل نظم الاستبداد المعمم التي عرفها التاريخ القديم والوسيط والحديث تتميز عن غيرها من النظم السياسية التي عرفها التاريخ هي كونها تتحدد أساساً وتقوم على احتلال واحتكار المجالات الثلاثة للبناء الاجتماعي السياسي والاقتصادي والايديولوجي، الأمر الذي يعني أن هذا يجعل أي نظام استبداد معمم هو نظام بالضرورة يحمل في أحشائه وفي رحمه الفعل البربري الخشن أو الناعم في إحدى المحطات التي يمر بها في حياته ووجوده، فالاحتلال والاحتكار للمجالات الثلاثة لا يمكن أن يتم إلا عبر الوسائل البربرية، حيث البربرية هنا تمارس في سياقات تاريخية في مرحلة صعود النظام كما في الحالة السوفييتية بعد صعود الستالينية وكما الحالة الصينية الماوية، ولا سيما في سياق السعي لاحتلال المجال الاقتصادي واحتكاره لصالح قبضة الدولة بهدف تحقيق التراكم اللازم لرأسمالية الدولة " الاشتراكية " المزعومة وحيث هذا الاحتكار للمجال الاقتصادي يتلازم بالضرورة مع الاحتكار والاحتلال للمجالين السياسي والايديولوجي وحيث ذهب ضحية ذلك ما يقارب العشرين مليون مواطن في الصين الماوية الشعبية ونفس الرقم في الدولة السوفييتية الستالينية العتيدة وحيث زهقت الأرواح في كلا البلدين في المجاعات أو في معسكرات الاعتقال الجماعية التي اشتهر بها النظامان. أعود وأقول إذا كانت البربرية ملازمة لكل نظم الاستبداد المعمم فإن هذه البربرية قد تظهر بشكلها الخشن في شروط وسياقات تاريخية أخرى كما الحالات العربية في كل المراحل التي يمر بها النظام أي في مرحلة الصعود والازدهار ومرحلة الانحطاط والتحلل. الصفة الثانية : تتصف البنية الاجتماعية التي تقوم في إطار الدولة الاستبدادية بأن مجالاتها الثلاثة الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي المشكلة لهذه البنية هي مجالات غير مستقلة بعضها عن بعض كما هو الحال في النظم الاجتماعية والبنى الاجتماعية ما قبل الرأسمالية ( الإقطاعية والعبودية ) ويتأتى عدم الاستقلال بين مجالات البنية الاجتماعية من طريقة نهب وسلب الطبقة العليا للدولة الاستبدادية لقطاعات الدولة المختلفة، حيث تفرض طريقة النهب والسلب المكشوفة ضرورة حضور السياسي إلى جانب الاقتصادي أي ضرورة أن يكون لكل سارق لقطاع الدولة سلطة سياسية أو إيديولوجية كبيرة أو صغيرة تحميه وتحفظه من العقاب والمساءلة, ومن هذه الضرورة يتأتى اندماج وترابط وتداخل مجالات البنية الاجتماعية حيث يتداخل السياسي مع الاقتصادي والإيديولوجي, ويأتي رأس النظام السياسي الذي يمثل أعلى سلطة سياسية واقتصادية وإيديولوجية لتجتمع بيده كل السلطات والصلاحيات وبالتالي يصبح رأس النظام السياسي الاستبدادي الذي هو رأس الدولة بنفس الوقت ليمثل ترابط واندماج مجالات البنية الاجتماعية وتجسيد لترابط كيان الدولة مع كيان السلطة السياسية، ليتولد نتيجة ذلك الترابط الدولة المشخصة الاستبدادية المعممة، دولة الحاكم الزعيم المستبد الإله الذي يمتلك كل وسائل القوة والفعل, الأمر الذي يفتح الطريق لنشوء عبادة الحاكم المستبد صاحب القوة المطلقة وصاحب السلطة وصاحب الدولة, إنها الحالة الطوطمية (عبادة الطوطم ) والحالة البدائية لوجود السلطة, وبهذا المعنى فإن دولة الاستبداد المعمم بالرغم من كل أثواب وأغطية الحداثة ( الإيديولوجية ) والاقتصادية والسياسية التي تغلفت بها فإن هذه الدولة بقيت في جوهرها ومضمونها الحقيقي هي دولة بدائية وعبودية من نوع خاص ولكن بثوب ورداء معاصر، حتى يمكن القول أن نظام السيطرة على المجتمع ينتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة، أي تنتمي إلى مرحلة من التاريخ سابقة لانقسام المجتمعات إلى طبقات اجتماعية أي تنتمي إلى الحالة البدائية الطوطمية وحالة الوجود الإنساني البدائي.
الصفة الثالثة : في دولة الاستبداد المعمم لا يحدث الاندماج بين كيان الدولة والسلطة والحاكم المستبد والذي أنتج الدولة المشخصة فحسب بل عرف اندماجاً من نوع خاص هو اندماج كيان الدولة والسلطة والحاكم المستبد بكيان الوطن وهذا الاندماج يحدث بعد أن يتم تضييق مساحة وحدود الوطن لتصبح مساوية للحدود السياسية للسلطة التي يعينها الحاكم المستبد, فالحاكم القائد المستبد هو ابن الشعب البار وأفراد المجتمع هم أبناء القائد المخلصين أو أبناء الأب القائد للسلطة والدولة والمجتمع, وهنا يصبح أعداء القائد هم أعداء الوطن وأصدقاء القائد هم أصدقاء الوطن، وبهذا يحدث انزياحاً في مفهوم الداخل والخارج حيث تضيق حدود الوطن ومساحته لتصبح حدود الوطن هي حدود كيان ( أجهزة ومؤسسات ) دولة القائد ومساحة الوطن هي حضن النظام السياسي الاستبدادي, ويغدو سقف الوطن وسماؤه هو الفضاء السياسي الذي تحدده الدولة والسلطة، وتحديداً هو الفضاء السياسي الذي يحدده الأب القائد المستبد. هكذا يقسم أبناء المجتمع إلى من هم داخل حدود الوطن أي الموالون للنظام الاستبدادي والجالسون في أحضانه ومن هم خارج حدود الوطن أي أولئك المعارضون للنظام السياسي الاستبدادي والرافضون الجلوس في أحضانه فالوطن هنا يصبح وطنان وطن السلطة والموالون( وطن المزرعة ) ووطن باقي المجتمع أو المعارضون, وبهذا التقسيم يتم سحب كل المقولات والمفاهيم التي تحكم العلاقة بين الداخل والخارج بالمعنى المعروف حيث تغدو العلاقة بين أطراف الصراع السياسي داخل المجتمع بين معارضين وموالين لا علاقة خصوم سياسيين بل علاقة أعداء وطنيين ويترتب على هذا الانزياح في مفهوم الوطن ومفهوم الداخل والخارج المرتبط به عدد غير قليل من الآثار المدمرة للمجتمع يأتي في مقدمتها عملية عسكرة المجتمع، حيث تدق طبول الحرب " المقدسة " المفتوحة على أعداء الوطن ممن رفضوا أن يكونوا جزءاً من النظام السياسي أو رفضوا أن يكونوا خاضعين للنظام السياسي الاستبدادي أو الذين رفضوا أن يكونوا جزءاً من وطن السلطة أو مزرعة السلطة وهنا يقسم النظام السياسي أعداء الوطن إلى قسمين , الأعداء ممن يقعون خارج الحدود الجغرافية للمجتمع ( وهم الدول الإقليمية أو العالمية ) والأعداء ممن يقعون خارج الحدود السياسية لنظامه السياسي وتخاض الحرب كلامياً ولفظياً وإعلامياً ضد الأعداء من النوع الأول وتخاض فعلياً وميدانياً ضد الأعداء من النوع الثاني, أي ضد المعارضين لنظام الاستبداد, فدولة الاستبداد المعمم ومنذ لحظة قيامها تبدأ الحرب على المتربصين بالوطن ( وطن السلطة ) والمتآمرين عملاء الخارج المختبئين في كل زاوية ومكان داخل أو خارج حدود النظام السياسي لدولة الاستبداد المعمم, وهذه الحرب تشكل النسغ الذي يتغذى منه النظام السياسي الاستبدادي حيث تشكل ذريعة محاربة أعداء الوطن أفضل طريقة وغطاء لنهب ثروات المجتمع وأفضل طريقة ووسيلة للتخلص من أي معارضة تواجه النظام السياسي الاستبدادي سواء كانت معارضة حزبية أو معارضة شعبية , وتستخدم في هذه الحرب كل صنوف الأسلحة بدءاً من تكسير المعارضين في سلم التراتب الوظيفي مروراً بالملاحقة والسجن وصولاً إلى القتل الفردي أو الجماعي إن كان ذلك ضرورياً لحماية النظام أو ضرورياً لاستمرار وجوده وبقائه , ولا يتورع نظام الاستبداد المعمم عن تدمير المدن فوق رؤوس سكانها إن اقتضت الضرورة ذلك ، بل لا يتورع عن استخدام الأسلحة الكيميائية في مواجهة أي تمرد شعبي. وهنا من المفيد الإشارة إلى أن نظم الاستبداد المعمم هي نظم فاشية بامتياز فإذا كان للفاشية والنازية التي عرفها التاريخ الحديث وجهاً خشناً فقط , فإن النظم الاستبدادية المعممة هي نظم فاشية ولكن ما يميزها عن الفاشية والنازية المعروفة هو أن للنظم الاستبدادية المعممة جميعها وجهان، وجه ناعم، ووجه خشن, فهي فاشية بوجه ناعم، ما دامت هذه النظم لا تواجه أي معارضة جدية وخطرة على وجودها, وهي فاشية بوجه خشن، تكشف عنه عندما تتعرض لمعارضة جدية، تشكل خطراً على وجودها وبقائها. ولا تعتبر النظم الاستبدادية المعممة ( بدءاً من نظام الاستبداد المعمم الستاليني وصولاً الى نظم الاستبداد المعمم العربية ) نظماً فاشية لأنها تستخدم العنف المفرط ضد معارضيها فحسب بل لأنها تقوم كما الفاشية والنازية بتذرير قوى المجتمع الحزبية والنقابية أو أي قوة تقف في وجهها أو تحاول الاستقلال عنها، وفي هذه الحرب المفتوحة التي يشنها النظام الاستبدادي على أبناء شعبه لا تغنى الأغاني التي تمجد " الوطن " القائد والقائد " الوطن " فحسب وحيث تجيد اللغة عن أبلغ وأفصح ما عندها من تعابير عن الوطن وحب الوطن بل تولد جيوشاً جرارة من الوطنيين المزيفين ممن ارتضوا أن يبيعوا الوطن الحقيقي ليشتروا وطن النظام وحضن النظام ( المزرعة ) وفتات النظام, جيوش من الوطنيين المزيفين لا من رعاع وحثالة المجتمع والنظام فحسب بل حتى ممن ادعوا الثقافة والوطنية والقومية وممن لهم سجل وتاريخ سابق في النضال الوطني والقومي يتكئون عليه ويحتمون به. الصفة الرابعة : إن أهم ما يميز نظم الاستبداد المعمم كلها هو أنها بالإضافة إلى كونها نظماً تمارس كل أشكال الاضطهاد الاقتصادي والسياسي والايديولوجي وبالإضافة إلى كونها تجرد كل طبقات المجتمع من حقوقها السياسية والاقتصادية والايديولوجية وهو الأمر الذي دعانا إلى أن نطلق عليها صفة الاستبداد المعمم وهي ذاتها نظم الطغيان، أقول إضافة إلى ذلك فإن جميع هذه الأنواع من نظم الدولة – السلطة تضع على رأسها عمامة ايديولوجية - وضعية أو سماوية كما في التاريخ الحديث أو سماوية أو سماوية أسطورية كما في التاريخ القديم وهو الأمر الذي يجعلنا نطلق عليها صفة الدولة الاستبدادية المعممة بالمعنى الواسع الطيف لهذا المعنى. وهنا أقول واهم من يعتقد أن نوع الايديولوجيا الأصل التي تصعد باسمها هذه النظم هو ما يحدث فرقاً بين نظام وآخر، فعبر التاريخ كله نجد أن ما يميز هذه النظم التي ظهرت في كل العصور وتحديداً في المجتمعات الشرقية كان نوع نمط الإنتاج المستبطن في أحشاء الدولة – عبودي أو إقطاعي أو رأسمالي - ودرجة هذا الاستبطان، فعلى سبيل المثال نجد أن دولة الاستبداد المعمم الستالينية ومعها كل دول الاستبداد المعمم التي عرفتها أوروبا الشرقية قد استبطنت وأخفت نمط الإنتاج الرأسمالي في أحشائها إلى الحدود القصوى – ومن هذه البيئات من الاستبطان لأنماط الإنتاج في الحدود القصوى نشأت مقولة الحاكم المستبد " العادل " المضللة، إذ لا يمكن أن يكون من وجهة نظري حاكماً مستبداً وعادلاً بنفس الوقت، كما نشأت مقولة أخرى مضللة هي مقولة الاشتراكيات المبكرة في التاريخ - في حين نجد أن هذا الاستبطان والإخفاء لنمط الإنتاج الرأسمالي تراوح في دول الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي بين حدوده الدنيا والمتوسطة- ومن هذه البيئات من الاستبطان لأنماط الإنتاج في الحدود الدنيا والوسطى نشأت مقولة المستبد الظالم - وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفرق في درجة الاستبطان يحدث فروقاً كمية بين نظام وآخر ولكن هذه الفروق لا تصل إلى الحدود النوعية، فما يوحد فصيلة وزمرة هذه النظم في العصر الحديث كما القديم لم يكن نوع نمط الإنتاج المستبطن فحسب بل علاقتها الشاذة مع المجتمع، أقصد هنا علاقة الدولة والسلطة مع المجتمع، وعلاقة الدولة والسلطة مع مجالات البناء الاجتماعي السياسي والاقتصادي والايديولوجي، والآثار المدمرة للمجتمع التي تنتج عن هذه العلاقة، وحيث ذلك يحتاج للإحاطة به معالجة تاريخية وسيسيولوجية عميقة وشاملة لا يمكن أن يستوعبها مقال بل تحتاج إلى كتاب إن لم يكن أكثر. فهذه النظم هي ذاتها التي سماها كارل ماركس في سياق دراسته الموجزة وغير المكتملة للمجتمعات الشرقة القديمة والوسيطة بالعبوديات المعممة ونظم الطغيان لتمييزها عن العبوديات " الديمقراطية " التي عرفها المجتمعان الإغريقي والروماني القديمان. ومن مفارقات التاريخ أن أحفاد كارل ماركس الضالون كانوا السباقين بل المؤسسيين لنموذج الاستبداد المعمم في العصر الحديث فهو النموذج الذي اشتقت منه كل نظم الاستبداد المعمم التي عرفه القرن العشرون. أعود وأقول لقد اختلفت نظم الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي في العصر الحديث عن غيرها من نظم الاستبداد المعمم التي عرفتها البشرية في القرن العشرين في أن نظم الاستبداد العربي كانت صاحبة مشروعين أضيفا لمشروعها الطبقي السياسي الخاص في نوع كهذا من النظم . المشروع الأول : تمثل بعمل هذا النوع من الأنظمة على تكوين عصبية عائلية حاكمة . والمشروع الثاني : تمثل بعمل هذا النوع من الأنظمة على تكوين عصبية حاكمة قومية أو طائفية أو قبلية أو جهوية. إن تميز نظم الاستبداد المعمم في واقعنا العربي في هذين المشروعين قادا إلى :
أولاً : أن يكون لهذه النظم قاعدة اجتماعية أشبه ما تكون بمعسكرات سياسية احتياطية أضيفت لقاعدتها الطبقية السياسية العادية , قاعدة اجتماعية سياسية عسكرية واسعة من أبناء العصبية القومية أو الطائفية أو القبلية التي اعتمدت عليها هذه النظم .
ثانياً : في كل دول ونظم الاستبداد المعمم التي تقوم بالتهام المجتمع بكل طبقاته في أحشائها من خلال احتلالها واحتكارها للمجالات الثلاثة المكونة للبناء الاجتماعي فإن الحديث عن وجود طبقات اجتماعية أو أي وجود طبقي كلاسيكي كما أقره علم الاجتماع حتى الآن بكل مدارسه هو كلام لا قيمة ولا معنى له، فالدولة الاستبدادية المعممة هي دولة تعيد صياغة وتشكيل الطبقات الاجتماعية القديمة بعد أن تلتهمها وتطحنها في أحشائها بحيث ينتج وجود طبقي خاص وشاذ واستثنائي في وجوده التاريخي، حيث نجد في قمة الهرم الاجتماعي تربع الطبقة العليا للدولة الاستبدادية المعممة – وهي طبقة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى لها بنيتها وخصائصها المميزة وهي ليست كما تقول عنها بعض تيارات اليسار بأنها شريحة من بيروقراطية الدولة أو أنها شكل من أشكال البونابرتية التي تطفو على السطح السياسي في شروط من التوازن السياسي بين الطبقة المالكة للثروة والطبقة المحرومة منها - وفي أسفل الهرم الاجتماعي نجد الطبقة السفلى للدولة الاستبدادية المعممة ونجد بينهما طبقة وسطى للدولة الاستبدادية المعممة. إن ما هو أخطر وأهم من هذا الوجود الطبقي الشاذ وحيث العلاقة هنا بين أفراد أي طبقة من الطبقات الاجتماعية هي علاقة تجاور، نجد أنه في ظل دولة الاستبداد المعمم التي تقوم في الغالب على نوع من العصبية القومية أو الطائفية أو القبلية أو الجهوية هو شكل ومضمون الصراعات التي تخاض داخل المجتمع، فهذا يقود لأن تكون المواجهة مع هذه النظم هي موضوعياً مواجهة مع هذه القاعدة الاجتماعية, أي لأن تكون المواجهة في أغلب الأحيان أو المواجهة المرجحة هي عبارة عن حرب أهلية شاملة قبلية أو طائفية و حتى في بعض الحالات لها طبيعة عرقية أو قومية, أي حرب داخل النسيج الاجتماعي الوطني للمجتمع, حرب تقود إلى تمزيق النسيج الوطني إرباً إرباً وتعيده إلى حالة تشكله الأولي البدائي, حيث يغدو كل خيط من خيوط النسيج الوطني في مكان وبعيداً عن الآخر, فالمواجهة هنا لا تكون بين طبقات اجتماعية فحسب بل يتراكب مع هذه المواجهة مواجهة أخرى تطغى على الأولى، هي المواجهة بين مكونات النسيج الوطني, أي إن انقسام المجتمع هنا يكون أفقياً وعمودياً أو لنقل يغلب هنا الانقسام العمودي على الانقسام الطبقي، وهو الأمر الذي يقود إلى نقل ميدان الصراع داخل المجتمع من حقله وميدانه الطبقي السياسي إلى ميدان الصراعات العمودية الطائفية أو القبلية أو القومية أو العرقية . فكل دول الاستبداد المعمم التي تقوم على عصبيات ما تحت الوطنية كالعصبيات الطائفية أو القبلية أو القومية أو العرقية وفي نفس الوقت تغلق المجال السياسي العام بوجه المجتمع وبما يعني إغلاق المؤسسات الوطنية التي تخدم وتحمي المجتمع من مثل المؤسسات السياسية الحزبية أو النقابية والاتحادات المهنية وغيرها , نقول إن هذا الطراز من دول الاستبداد المعمم يدفع المجتمع شيئاً فشيئاً إلى ممارسة السياسة وفق صيرورة من الجدل الهابط في الوعي والثقافة, أي تدفع المجتمع للاحتماء واللجوء إلى العصبيات المضادة أو المقابلة للعصبية التي ترتكز عليها الدولة الاستبدادية, أي اللجوء والاحتماء بالهويات والعصبيات ما تحت الوطنية، حيث تكون العلاقة بين أفراد أي عصبية من العصبيات هي علاقة ترابط, - بعكس علاقة التجاور التي تكون بين أفراد أي طبقة من الطبقات الاجتماعية - الأمر الذي يقود إلى انتقال المجتمع من حالة الانقسام الأفقي الطبقي السياسي إلى حالة الانقسام العمودي الطائفي أو القبلي أو القومي أو العرقي , وهو الأمر الذي يقود في النهاية إلى تفجر الصراع بين هذه العصبيات المتقابلة, أي يقود في النهاية إلى تفكك المجتمع إلى مكوناته الأولية البدائية, فدولة الاستبداد المعمم في الاتحاد السوفييتي سابقاً التي اعتمدت بشكل رئيسي على القومية الروسية أو لنقل على العصبية الروسية, ودولة الاستبداد المعمم في يوغسلافيا سابقاً التي اعتمدت على العصبية الصربية, كانت نهايتهما التفكك إلى مجموعة من الدول القومية, كما أن دول الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي التي اعتمدت بعضها على العصبية الطائفية وبعضها الآخر على العصبية القبلية وغيرها على العصبية القومية إلى جانب العصبية الطائفية أو القبلية, نقول إن كل هذه الدول ستكون نهايتها التفتت والتقسيم إلى مكونات طائفية أو قبلية أو قومية، وحيث يأتي الدرس الصومالي والسوداني والليبي واليمني والعراقي والسوري خير دليل على ذلك .
ثالثاً : إن تميز هذه النظم بهذين المشروعين هو ما جعل المواجهة مغرقة في دمويتها وتوحشها في مجتمعاتنا العربية, ففي هذه المواجهة وفي شروط تدخل القوى الإقليمية والدولية لصالح مصالحها الخاصة وبمساعدة تيار الإسلام السياسي الشيعي والسني وأذيالهما من عرابي هذا التيار يتم استنهاض كل العصبيات البدائية ويتم تحميل المواقف السياسية شحنة عاطفية بدائية تجعل القتل والفتك قتلاً بدائياً بربرياً متوحشاً, فالصراع هنا ينزلق شيئاً فشيئاً باتجاه صراع الهمجيات, فالكل هنا ( كل المجتمع أو لنقل غالبيته ) مختطف من قبل ممثلي العصبيات الطائفية أو غيرها والكل يمارس القتل والهمجية ( أو يدعمها ويؤيدها في الحدود الدنيا ) والكل هنا بنفس الوقت ضحية لهذه الهمجيات, وإذا كان صحيحاً أن النظم الاستبدادية وقاعدتها الطائفية أو القبلية هي من يبدأ بممارسة الهمجية والبربرية أولاً إلا أن هذا يقود في شروط الانسياق والانجرار خلف الهمجيات المقابلة التي تولد في رحم الصراع, حيث الرد على الهمجية بهمجية مقابلة , وعلى المظلومية بمظلومية مقابلة فالدرس العراقي علمنا أن الرد على المظلومية الشيعية بمظلومية سنية أو العكس لا يمكن أن يبني مجتمعاً ولا بلداً, وإنما يمكن أن يؤسس للخراب والانهيار وضياع المجتمع كل المجتمع, فهنا الكل في النتيجة مغلوب ومهزوم .
رابعاً : إن خاصية كون النظم الاستبدادية التي عرفها الواقع العربي , صاحبة مشروع تكوين سلالة عائلية حاكمة, وصاحبة مشروع تكوين قاعدة اجتماعية ( ما تحت وطنية ) طائفية أو قبلية , وكون بعضها كما الحالة السورية جزءاً من محور ومشروع إقليمي طائفي ( المقصود المحور الإيراني الشيعي ), نقول إن هذا جعل من إمكانية تفكك وتفسخ وانهيار هذه النظم بفعل تناقضاتها الداخلية امرأ مستحيلاً , فهكذا نوع من النظم السياسية تعمل ليل نهار بفعل قرون استشعارها الاستبدادية القوية, وبفعل سهرها الدائم على تجسيد مشاريعها ( المشار إليها أعلاه ) والتي تشكل شغلها الشاغل, نقول تعمل على مصادرة ولجم أي تناقضات داخلية قد تحصل بفعل قوانين تطورها الداخلي, فهي الأنظمة التي تقوم بعمليات جراحية وتجميلية مستمرة في هياكلها ومؤسساتها وأجهزتها العسكرية والسياسية والإيديولوجية بحيث تقضي على إمكانية ولادة وتكوين مراكز قوى إن كان داخل النظام أو حتى تكوين بدائل لها سياسية أو طبقية أو اجتماعية من خارج النظام, وبهذا المعنى فهي نظم يمكن أن تبقى وتستمر كما تقول وتصرح إلى أبد الآبدين, فعلى الرغم من أن كل دول الاستبداد المعمم التي عرفها التاريخ القديم والحديث تمر في صيرورة حياتها بثلاث مراحل ( هي الصعود والازدهار والانحطاط ) كما رصد ذلك بشكل عبقري المفكر العربي ابن خلدون, حيث تصل بعد مرحلة الصعود ومرحلة الازدهار إلى مرحلة الانحطاط , إلا أن هذا الانهيار لا يمكن أن يتم ويحصل بشكل تلقائي وذاتي ( أي من خلال عملية إصلاح من داخل النظام ) , أي لا يمكن أن تنهار وتسقط حتى تجد من يسقطها , فالدولة الاستبدادية المعممة القديمة والحديثة عندما تصل إلى مرحلة الانحطاط من عمرها تصبح مهيأة للسقوط ولكن لا تسقط إلا بوجود وتوفر القوى اللازمة لإسقاطها وفي أغلب الأحيان لا يمكن إسقاطها إلا بفعل ووجود قوى من داخل المجتمع، وبمساعدة قوى من خارج المجتمع في أغلب الأحيان ( تدخل قوى الخارج ) كي تستطيع إسقاطها, أي تبقى جثة ميتة حتى تجد من يدفنها, فالتاريخ علمنا أن هكذا نوع من النظم السياسية لا يمكن أن تذهب إلى مدافن التاريخ دون وجود الأيادي القادرة على حملها إلى مقبرة ومزبلة التاريخ التي تليق بها, وبهذا المعنى يمكن القول أن إزاحة وإسقاط هكذا نوع من النظم السياسية لا يمكن أن يتم إلا بالإكراه والضغط الشعبي السلمي أو العسكري وتجارب التاريخ ( مع الخصوصيات التي تميزها ) تشي كلها بأن الخيار العسكري هو الوحيد القادر على إزاحتها وإسقاطها.
خامساً : إن كونها نظماً تطمح وتعمل على البقاء والاستمرار إلى أبد الآبدين حتى عندما تصل إلى مرحلة الانحطاط والموت السريري, نقول إن ذلك يجعلها نظماً سياسية فاقدة للشرعية بكل المقاييس الوضعية والسماوية. فعلى مستوى الشرائع الدينية لا تكون ولا تستقيم الأبدية إلا للإله الجالس على عرشه في السماء, فمهما ادعت وعملت هذه النظم لأن تكون الإله على الأرض إلا أن ذلك لا يستقيم إلا في عقول العصبية الطائفية أو القبلية التي تستند عليها الدولة الاستبدادية ونظامها السياسي, أما في عقول ونفوس باقي العصبيات المقابلة والمعارضة فإن هكذا نظم لم تكن بالنسبة لها سوى تجسيد للشيطان على الأرض, ومن هنا يكون الصراع عندما ينفجر بين العصبيات المؤيدة والمعارضة له طابع تكفيري إلغائي أو لنقل له طابع استئصالي, أي أن كل طرف يسعى لأن يستأصل الطرف الآخر من أساسه بوصفه رمزاً للاعتداء على الذات الإلهية, فمن لا يعترفون بألوهية رأس النظام الاستبدادي هم كفرة بالنسبة لمن يعتقدون أن رأس النظام هو تجسيد للذات الإلهية, كما أن من يعتبرون رأس النظام هو تجسيد للشيطان على الأرض يعتبرون من يؤلهون رأس النظام هم مجموعة كفرة كونهم يؤلهون شيطاناً . كما أن هذه النظم لا تمتلك شرعية بالنسبة لكل الشرائع الوضعية الأرضية فهي أ- نظم فاقدة للشرعية الحزبية إن صح القول, فجميع هذه النظم أتت إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية المدعومة من القوى الحزبية القومية, وجميعها انقلبت حتى على رفاق دربها وحزبها حيث قامت هذه النظم بانقلابات عسكرية تم على إثرها التخلص ( من خلال التصفية الجسدية أو من خلال السجن حتى الموت ) من الكوكبة الأولى من رفاق الدرب والحزب من النخب السياسية والعسكرية والإيديولوجية ( الحالة العراقية والسورية مثال على ذلك ) حتى يمكن القول إن نظم الاستبداد المعمم في الواقع العربي هم عبارة عن مجموعة المتسلقين على أكتاف الانقلابات العسكرية المدعومة من الأحزاب القومية التي سميت ثورات قومية في حينها, أي هم من تسلق على أكتاف " الثورات " القومية التي عرفها الواقع العربي في الستينيات من القرن العشرين , وبهذا المعنى فهي نظم فاقدة للشرعية الحزبية, أي هي نظم لم تنل الشرعية حتى من الأحزاب القومية الأم ( البعث وغيره ) والتي خرجت هذه النظم من تحت عباءتها ومعطفها القومي, لا بل هي من وجهة نظر مؤسسي الأحزاب القومية مجموعة من قاطعي الطرق ومغتصبي السلطة.
ب- كما إن هذه النظم فاقدة للشرعية الشعبية ( أو لنقل المجتمعية ) التي تأتي من خلال الانتخابات الحرة والديمقراطية, فهي نظم لم تعرف الانتخابات يوماً وكل ما عرفته هو الاستفتاء والذي هو المكافئ المستور لتزوير إرادة المجتمعات. فبالرغم من كون هذه الأنظمة وجدت قاعدتها الطبقية والسياسية في طبقة الفلاحين وأبنائهم في البداية ( أي في مرحلة صعود هذه الأنظمة ), من خلال ما قدمه الإصلاح الزراعي في البداية من مكتسبات لهذه الطبقة, ثم أتت مكتسبات أبنائهم من الوظيفة الحكومية في مرحلة صعود وازدهار الدولة الاستبدادية, وبالرغم من كون هذه الأنظمة وجدت لها قاعدة طبقية وسياسية من البرجوازية الصغيرة في مرحلة ازدهار الدولة الاستبدادية, نقول بالرغم من كل ذلك فإن هذه النظم السياسية ما أن تصل إلى المرحلة الثالثة من عمر الدولة الاستبدادية, ونعني هنا مرحلة الانحطاط حتى تبقى ممثلة فقط إضافة إلى عصبيتها الطائفية أو القبلية تكون ممثلة للثالوث المدنس المكون من كبار رجال السلطة والمال والدين من كل الطوائف والمذاهب والمشكل ( أي الثالوث ) للطبقة العليا للدولة الاستبدادية, فمع وصول هذه النظم إلى مرحلة الانحطاط تصبح هذه الأنظمة تمثل أوليغارشية مالكة للثروة وحاكمة للسلطة في الوقت الذي تترك غالبية المجتمع من الطبقة السفلى للدولة يعيشون حالة الفقر والتهميش كما تترك غالبية الطبقة الوسطى للدولة تعاني الانهيار والسقوط في السلم الطبقي والاجتماعي نحو الطبقة السفلى للدولة وقاع المجتمع, وبالرغم من كون هذه النظم السياسية تدعي أنها تحكم باسم كل الطبقات الاجتماعية ورغم كون ادعائها كاذب ولا يصدق حتى في مرحلة صعود وازدهار الدولة الاستبدادية فإن هذا الادعاء يصبح مكشوفاً وعارياً من أي غطاء أو رداء يستره في المرحلة الثالثة من عمر الدولة الاستبدادية ( مرحلة الانحطاط ) فهنا لا تتكشف وتنكشف الطبيعة الطبقية والسياسية للطبقة العليا للدولة الاستبدادية في كونها طبقة أوليغارشية تمثل قلة قليلة تحتكر الثروة والسلطة فحسب بل ينكشف طابعها العائلي والطائفي أو القبلي ( أو أحيانا القومي أو العرقي ) وتنكشف الدولة العميقة في قلب الدولة الاستبدادية كما تنكشف الطبيعة الحثالية للنظام السياسي والطبقة العليا للدولة الاستبدادية بوصفها طبقة تمثل وتعبر عن حثالة كل وجود طبقي أو سياسي أو حتى طائفي داخل المجتمع, ومع كل هذه الانكشاف تسقط كل شرعية عن هكذا نوع من الأنظمة الاستبدادية.
ج- كما أن هذه النظم لا تمتلك شرعية تاريخية كي تكون نظماً أبدية على طريقة الملكيات التي عرفتها الكثير من المجتمعات الأوروبية, فهي نظم سعت لتشكيل سلالات عائلية حاكمة ولكن دون أن تمتلك هذه العائلات في كل الساحات العربية التي عرفت هكذا نمط ونوع من النظم الاستبدادية لأي رصيد تاريخي يؤهلها ويعطيها الشرعية بذلك , فكل الملكيات عبر التاريخ على الأقل كان لها رصيد إيجابي في تاريخ مجتمعاتها كونها أسست يوماً دولة أو دولة إمبراطورية ...الخ الأمر الذي نجده مقلوباً في واقعنا العربي, حيث كل العائلات التي أرادت أن تكون سلالة عائلية حاكمة هي عائلات بالأساس لا تمتلك أي رصيد تاريخي ولا حتى تاريخ اجتماعي مميز ومشرف حتى على صعيد المناطق الاجتماعية والبيئة الاجتماعية التي انتمت إليها هذه العائلات.
د- وهي نظم فاقدة للشرعية كونها نظماً تطلق بوجودها في الواقع الصيرورات الهابطة إن كان على مستوى الهوية الوطنية للمجتمع أو على مستوى ثقافة ووعي وأخلاق المجتمع, فبقاء هذه الأنظمة لفترات طويلة ( عقود وعقود ) في سدة السلطة وما يرافق ذلك من إلحاقها هزائم مستمرة ومتتالية بقوى المجتمع المختلفة السياسية والطبقية والاجتماعية ...الخ. نقول كل ذلك يعرض المجتمع إلى هزائم متتالية ومستمرة أمام جبروت وقوة هذه النظم, وهو الأمر الذي يؤدي بشكل دائم ومستمر إلى تعرض المجتمع إلى نكبات ثقافية وأخلاقية, فكل هزيمة لأي مجتمع أمام الاستبداد يعقبها نكبة ثقافية وأخلاقية أو لنقل نكبة في منظومة القيم الثقافية والأخلاقية, ففي المرة التي حاولت فيها المجتمعات العربية النهوض والارتقاء أخلاقياً وثقافياً بعد التحرر والانتصار على المستعمر الأجنبي الغربي تعرضت بعدها إلى عدد من الهزائم أمام أعداء الخارج نقصد هنا هزيمتها أمام إسرائيل في حزيران عام 1967 من القرن العشرين, وأمام أعداء الداخل ونقصد هنا هزائمها أمام نظمها الاستبدادية في كل معركة ومواجهة بينهما, وهذه الهزائم كانت في كل مرة تعيد المجتمعات العربية إلى قمقمها الأخلاقي والثقافي القديم ( جدل هابط في الوعي والثقافة والأخلاق ), إن الفرق والاختلاف بين القيم والثقافة المحافظة للمجتمعات العربية التي سادت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين وحتى يومنا هذا وبين القيم والثقافة المتحررة في الخمسينيات من القرن العشرين يكمن في الفرق والاختلاف بين بيئة الحرية التي كانت مؤمنة حينها وانعدام هذه الشروط فيما بعد, أي بعد صعود وسيادة نظم الاستبداد في الواقع العربي وتعرض هذه المجتمعات إلى الهزائم المتتالية أمام جبروت الدولة والسلطة الاستبدادية, وقد تجلت أكثر ما تجلت النكبة الأخلاقية لبعض المجتمعات العربية في سيادة وتعميم ثقافة وقيم الفساد الإداري في مؤسسات وأجهزة الدولة حيث أصبحت قيم الرشوة و اللصوصية والنهب والسلب لقطاع الدولة من القيم الإيجابية بعد أن كانت من القيم السلبية التي يدينها المجتمع, كما تجلت النكبة الثقافية والجدل الهابط في الوعي باتجاه عودة المجتمعات العربية نحو ثقافة وقيم القرون الوسطى المتمثلة بالدين بعد أن كانت المجتمعات العربية في الخمسينيات قد ابتعدت وكادت أن تحدث قطيعة معرفية تامة مع هذه الثقافة الماضوية. إن هذا المسار من الجدل الهابط في الثقافة التي كانت تسير فيه بعض إن لم نقل جميع المجتمعات العربية في ظل الاستبداد المعمم والهزائم الدائمة أمامه قاد لأن تنفجر في وجه هذه الأنظمة الاستبدادية في شروط أشرت إليها في أكثر من مكان في سلسلة مقالاتي السابقة في اللوموند, ثورات جماهيرية تطالب بالحرية والتحرر والديمقراطية ولكن بثقافة وقيم العصور الوسطى, الأمر الذي خلف تناقضاً صارخاً بين الدعوة إلى التحرر والديمقراطية وبين عقل وثقافة هذه الدعوة وهذه الثورة.
ل- وهي نظم فاقدة للشرعية الأخلاقية كونها نظماً مستبدة ومجرمة ومستعدة في كل لحظة لأن تحرق بلدانها وشعوبها بنيران قمعها وجيشها وأجهزتها الأمنية, مقابل البقاء والاستمرار في السلطة والحكم, على مبدأ النظام السوري والذي شعاره الأسد أو نحرق البلد. إن ما هو خطير هنا ليس مبدأ هذه النظم القائم على البقاء بأي ثمن أي البقاء حتى ولو قاد ذلك إلى التدمير الشامل للمجتمع البشر والحجر كما يقول السوريون, وإنما هو نشوء المقابل المعارض الذي يقوده اليأس وفداحة الظلم والتدمير إلى العمل على الخلاص بأي ثمن, أي حتى ولو استدعى ذلك إلى التحالف مع شياطين وأباليس الكون في سبيل التخلص من هكذا أنظمة سياسية, أي إن ما هو خطير في تقابل نظريتي البقاء بأي ثمن والخلاص بأي ثمن هو عمل كل طرف على التحالف والاستعانة بالآخرين أو بشياطين الأرض الإقليميين والدوليين في سبيل تأمين الدعم اللازم السياسي والعسكري والاقتصادي لكسب المعركة والمواجهة, فالنظم الاستبدادية العربية جميعها عملت على التحالف من تحت الطاولة ومن فوق الطاولة مع إسرائيل من خلال الرضوخ للخطط والاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية اتجاه شعوب المنطقة ونعني هنا اللعب بورقة إقامة دويلات على أساس الدين والطائفة إن كان تحت شعار تحالف الأقليات أو نزولاً عند رغبة الصهيوني والأمريكي في تقسيم المنطقة العربية إلى كيانات طائفية مقابل تقديم الدعم للطامحين من النظم الاستبدادية في البقاء والعصيان في السلطة إلى أبد الآبدين ولو على مساحة كانتون طائفي أو دولة على مقاس وحجم طائفة محددة, أي إن ما هو خطير في وجود هكذا نوع من الأنظمة الاستبدادية هو ما تطلقه من صيرورة وجدل هابط في قضية الانتماء والهوية الوطنية, فهوية الإنسان العربي القومية في ظل هكذا نوع من الأنظمة أصبحت من الماضي البعيد كما إن هويته القطرية تكاد تصبح من ذكريات الماضي وليس بعيداً اليوم الذي نجد فيه الإنسان العربي لا يملك سوى هويته الطائفية أو القبلية. إن ما ينزع الشرعية عن هكذا نوع من الأنظمة الاستبدادية ليس اعتمادها على العصبية الطائفية أو القبلية كأساس للحكم والبقاء في الحكم وإنما هو الانتقال من الاعتماد على العصبية الطائفية أو القبلية كأساس في الحكم إلى كونها أساس لإقامة الدول والكيانات, إنها حالة ما يمكن تسميته تصهين المشاريع الطائفية في ظل الأنظمة الاستبدادية. إن الأخطر من ذلك هو المباراة والتسابق بين الجميع, أصحاب نظرية البقاء بأي ثمن, واصطحاب نظرية الخلاص بأي ثمن, هو السعي من كلا الطرفين على خطب ود القوى الخارجية الإقليمية والدولية من أجل كسب المعركة والمواجهة, فهنا تنشأ العدمية الوطنية أو غياب الإحساس بالكرامة الوطنية, فأصحاب مبدأ البقاء بأي ثمن يسعون للاستفادة من أي حليف ولو كان ذلك على حساب السيادة والكرامة الوطنية وأصحاب مبدأ الخلاص بأي ثمن يسعون للاستفادة من أي حليف ولو على حساب الكرامة والسيادة الوطنية, وغياب الإحساس بالكرامة الوطنية هنا وهناك يقود في ظل هذا النوع من الأنظمة إلى ترحيل قضية التغيير الديمقراطي إلى الخارج, حيث النضال الديمقراطي يفقد بعده الوطني وتخرج قضية التغيير الديمقراطي من يد أصحابها الحقيقيين لتصبح ورقة بيد الخارج الأجنبي الإقليمي أو الدولي, ورقة يلعب بها اللاعبون الدوليون كما يشاؤون وكما تشاء مصالحهم ومصالحهم فقط .
سادساً : إذا كان اندماج كيان الدولة ومؤسساتها الرئيسية السيادية بكيان السلطة السياسية هي سمة من سمات كل دول الاستبداد المعمم عبر التاريخ القديم والحديث إلا أن ما يميز هنا الاندماج في حالة دول الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي في العصور الحديثة كما القديمة هو كون هذا الاندماج يتم على قاعدة الطابع الطائفي أو القبلي أو القومي الذي تتصف به الدولة, فالقاعدة الطائفية أو القبلية أو القومية أو الجهوية التي تستند إليها الدولة ونظامها السياسي تصبح جزءاً مكوناً من كيان الدولة وأجهزتها السيادية وغير السيادية, وهنا تفقد الكثير من مؤسسات الدولة ولا سيما الجيش طابعها الوطني, فيصبح الجيش هنا لا جيشاً للوطن ولا حتى جيشاً للنظام السياسي بل يصبح جيشاً للعصبية التي تستند إليها الدولة والنظام السياسي, أي في النهاية يصبح جيشاً لرأس النظام السياسي ورأس وممثل العصبية التي تستند إليها الدولة الاستبدادية المعممة, فهنا يسخر الجيش أو تصبح مهمة الجيش الرئيسية هي الدفاع عن مشروع العصبية العائلية الحاكمة بالدرجة الأولى والأخيرة, كما يسخر الجيش للدفاع عن العصبية الطبقية والاجتماعية التي تستند إليها الدولة ونظامها السياسي, أي أن العصبية التي تستند إليها الدولة تصبح جزءاً مكوناً من كيان الدولة أو لنقل تصبح العصبية التي تستند إليها الدولة وكأنها وشم مرسوم على جسد وكيان الدولة .
سابعاً: إن تحول مؤسسات الدولة السيادية وغير السيادية إلى مؤسسات سلطة وبطابع طائفي أو قبلي أو قومي أو جهوي يقود إلى حالة خاصة من علاقة السلطة بأجهزة الدولة, ففي كل النظم الاستبدادية كالتي عرفتها أوروبا الشرقية والتي لم تستند إلى عصبية طائفية أو قبلية وغيرها, وحتى في كل النظم العادية التي لا تستند إلى هكذا نوع من العصبيات, يقود الضغط الشعبي أو الثورة الشعبية ضد النظم السياسية إلى فك ارتباط الجيش بالسلطة السياسية الحاكمة, أما في الحالة العربية أي حالة دول الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي والتي استندت إلى العصبية الطائفية – كما الحالة السورية - أو القبلية فإن الضغط الشعبي أو الثورة الشعبية على السلطة والحكم فإنه لا يقود إلى فك الارتباط بين الجيش والسلطة الحاكمة حيث الارتباط يكون هنا من نوع خاص، ارتباط قائم على العلاقات البدائية الطائفية أو القبلية, حيث تأخذ المواجهة هنا طابعاً مصيرياً ووجودياً, فالعصبية الطائفية أو القبلية التي تسند هكذا نوع من الأنظمة, تعتبر نفسها من أصحاب الدولة والسلطة, الأمر الذي يجعلها تدافع عن السلطة والدولة والنظام السياسي وكأنها تدافع عن مصالحها ونفسها ووجودها وكيانها الطائفي أو القبلي. وإذا كانت جيوش أوروبا الشرقية والكثير من جيوش نظم الاستبداد القديم والحديث التي عرفها التاريخ قد تخلت عن نظمها الاستبدادية وحكامها المستبدين حين ثارت عليهم شعوبهم الغاضبة والثائرة للتحرر ونيل الحرية, فإن الأمر هذا لم نجده في حالة الجيوش العربية التي بقيت مخلصة ولصيقة بنظمها السياسية وحكامها المستبدين حين ثارت عليهم شعوبهم المظلومة إلى الحد الذي جعل الجيش اليمني مثلاً يلحق بالرئيس المخلوع علي عبد الله صالح حتى بعد أن ترك وغادر سدة السلطة والرئاسة, إن ظاهرة إخلاص الجيش اليمني للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح كانت أكبر دليل وبرهان على أن جيوش هذه النظم هي أكثر إخلاصاً للحكام من إخلاصها لبلدانها وشعوبها, كما كانت أكبر برهان ودليل أن جيوش نظم الاستبداد المعمم في الواقع العربي هي جيوش فاقدة للطابع الوطني بل مجردة من أي إحساس وطني, أي هي جيوش نظم وحكام مستبدين وليست جيوش أوطان وشعوب. لقد جاءت أغلب الجيوش العربية إلى السلطة على أساس الولاء للإيديولوجيا القومية البعثية أو مشتقاتها، ثم استمرت النظم القومية ببناء جيوشها على أساس حماية الحزب الحاكم والقائد للدولة والمجتمع, وبعد سلسلة من الانقلابات العسكرية, وبعد تمكن جهة حزبية محددة بالعصيان بالسلطة وإبعاد الآخرين عنها, بدأت هذه لنظم العربية ببناء جيوشها على أساس الولاء للعصبية الطائفية أو القبلية التي بدأت تشكل إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدولة والسلطة, ثم بعد ذلك أصبحت الجيوش تبنى لا على أساس الولاء للسلطة ورأس السلطة الحاكم المستبد فحسب بل أصبحت تبنى على أساس الولاء لخلفه من أبنائه وأحفاده الذين ينتظرون وراثة السلطة والحكم , حتى نستطيع القول أن الجيوش العربية أصبحت العماد والأساس والركيزة الأهم لتجسيد وتحقيق مشاريع توريث السلطة في العالم العربي، حيث كان النموذج السوري مثالاً عملياً في تحققه على أرض الواقع، كما كان مثالاً لبقية النظم العربية الجمهورية كي تسير على نهج توريث السلطة، وحيث جاء الربيع العربي ليقطع إمكانية تحققه في بقية الأقطار العربية، بل يمكن القول أن انتفاضة الشعوب العربية في ربيعها جاء في وجه من وجوهه خوفاً من تحقق ذلك في ساحاتها. لقد جاء الربيع العربي ليس رداً على واقع الاستبداد والفساد والإفقار ونهب الثروات من قبل النظم الحاكمة فحسب بل جاء رداً على تأبيد الاستبداد إلى الأبد من خلال مشاريع توريث سلطة الاستبداد إلى الأبناء والأحفاد, فشعار الربيع العربي الأساسي الذي ملأ الساحات والشوارع العربية والقائل الشعب يريد إسقاط النظام, لم يكن سوى تعبير وتكثيف عن حالة التمرد والغضب الشعبي المناهض بشكل أساسي لرأس النظم الاستبدادية العربية ومشاريعهم في توريث السلطة وإدامتها إلى الأبد, أي إن نقطة التفجر ومحرقة وبؤرة الأزمة بين الشعوب العربية الناهضة ونظمها الاستبدادية لم يكن سوى رأس هذه النظم الذي كانت تتكثف فيه كل المظالم والمفاسد والاستبداد, أي إن مطلب الشعب يريد إسقاط النظام لم يكن يعني شيئاً أخر غير إسقاط رأس النظم الاستبدادية بالدرجة الأولى، فخلع رأس هذه النظم كان يعني للشعوب فتح أفاق وصيرورات جديدة نحو الحرية والتحرر, وقد كانت تدرك كل الشعوب العربية من تونس غرباً إلى اليمن شرقاً بأنه بدون خلع وإزاحة رأس هذه النظم عن سدة الحكم لا يمكن أن تستطيع تحقيق أي من أهدافها التي خرجت من أجلها ولا يمكن أن تتفتح أي من أزهار ربيعها في تربة الواقع العربي, وعلى هذه الأرضية جاءت مواقف الجيوش العربية لتعبر عن مدى وطنية هذه الجيوش أو لنقل عن مدى انتمائها الوطني, وقد كان الجيش التونسي أول الجيوش العربية التي دخلت في امتحان وطنيتها وانتمائها الوطني , وقد خرجت من هذا الامتحان منتصرة لشعبها التونسي ومنتصرة لوطنيتها التونسية عندما رفض الجيش التونسي مطلب رأس النظام زين العابدين بن علي إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين, ثم تبعه الجيش المصري الذي مشى على هدي الجيش التونسي فاختار الوقوف إلى جانب المتظاهرين المصريين في الشوارع والساحات, فنال بذلك شرف الوطنية المصرية بتخليه عن رأس النظام حسني مبارك وإبعاده عن السلطة والحكم وقد كان لغياب الطابع الطائفي أو القبلي في بناء الدولة والسلطة والجيش في كل من تونس ومصر دوراً كبيراً وأساسياً في الحفاظ وفي تكوين وطنية كل من الجيشين .وبعد تجربة الجيشين المصري والتونسي جاءت تجربة الجيوش في كل من ليبيا واليمن وسوريا والعراق من قبل, وهي الساحات التي بنت نظمها السياسية الاستبدادية دولها وسلطتها على الركائز الطائفية كما في الحالة السورية والعراقية أو القبلية كما في الحالة الليبية واليمنية، فقد أعطت نتائج التجربة والامتحان, نقصد هنا تجربة وامتحان الربيع العربي والمواجهة التي تمت بين هذه النظم وشعوبها الثائرة درجة ما تحت الصفر في الوطنية لجيوش هذه النظم, فقد اختارت هذه الجيوش الوقوف إلى جانب نظمها ومشاريعهم في توريث وتأبيد السلطة, فلم ترفض أوامر نظمها في إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين في الشوارع والساحات وهو الأمر الذي قاد إلى تدمير كل من ليبيا وسوريا واليمن ومن قبل العراق بتوقيع وإمضاء هذه الجيوش ففعلت ما لم يفعله لا محتل ولا غاز عبر التاريخ. وهنا من الضروري القول إن وطنية جيش من الجيوش لا تقاس من خلال موقفه من أعداء الخارج فحسب وإنما تقاس كذلك من خلال مدى قيامه بوظيفته العامة تجاه المجتمع والتي تتمثل في بعض لحظات تطور ووجود المجتمع بالعمل على الحفاظ على وحدة وتماسك المجتمع الطوعية, فإذا ما شكلت سلطة حاكمة أو رأس نظام حاكم فتيلاً لأزمة وطنية مشتعلة تهدد وحدة وتماسك وبقاء مجتمع من المجتمعات فإن تردد الجيش أو عدم قيامه بنزع فتيل هذه الأزمة من خلال وقوفه مع الشعب أو الثائرين لإسقاط سلطة معينة أو رأس سلطة مستبد فإن هكذا جيش لا يستحق صفة الوطنية أو صفة المؤسسة الوطنية, فكيف إذا ما وقف إلى جانب النظام السياسي أو رأس النظام السياسي الذي يشكل وجوده وبقاءه في السلطة أساس وجوهر الأزمة الوطنية, فعندها لا يستحق أن يطلق على هكذا جيش سوى اسم عصابة مسلحة كما في الحالة السورية. إن الكثير من النخب السياسية والثقافية العربية والسورية بشكل خاص - ومنهم من أصحاب النوايا الحسنة - التي لم تستطع فهم هذه الخاصية التي ميزت نظم الاستبداد المعمم وجيوشها قاد هذه النخب إلى الدفاع عن نظم الاستبداد المعمم تحت غطاء وعباءة وذريعة الدفاع عن الدولة ومؤسسات الدولة " الوطنية " وهنا من المهم القول أن أساس عدم الفهم هذا تأتى من عدم إدراك هذه النخب لظاهرة وخاصية اندماج كيان الدولة مع كيان السلطة السياسية في كل نظم الاستبداد المعمم, وإنه في شروط الطابع الطائفي أو القبلي لهذه النظم فإن عملية الاندماج هذه تأخذ أبعادها الخاصة وغير العادية .
ثامناً : إن الخصائص المشار إليها أعلاه هي التي جعلت للدولة الاستبدادية في الواقع العربي سطوة لا مثيل لها على شعوبها أو لنقل هي من كون جداراً كبيراً من الخوف والرعب جعل الشعوب العربية تعد حتى المليون قبل أن تفكر وتتجرأ على الثورة والمواجهة مع حكامها المستبدين, وهنا من الضروري الإشارة إلى أن الربيع العربي لم يكن له أن يبدأ لولا كسر الحلقة الأضعف في سلسلة نظم الاستبداد العربية ونقصد هنا كسر نظام زين العابدين بن علي في تونس والذي يعد بالنسبة لنظم الاستبداد العربي هو الأضعف والأكثر هشاشة لعدم قيامه وامتلاكه لعصبية طائفية أو قبلية يستند إليها كغيره من نظم الاستبداد المعمم في الواقع العربي ولهذا ولنفس السبب كانت الحلقة المصرية هي الثانية في السلسلة, ومع سقوط نظامي مبارك وزين العابدين انهار جدار الخوف العربي الذي بنته نظم الاستبداد العربي خلال عقود وعقود من الزمن وانطلقت موجة ثورية على نطاق العالم العربي كله, موجة ثورية شبيهة بالموجات الثورية التي لطالما عرفتها مناطق وشعوب أخرى عبر التاريخ القديم والحديث والمعاصر.
تاسعاً: أغلب نظم الاستبداد المعمم التي عرفها القرن العشرون كانت جزءاً وعضواً في محور إقليمي أو دولي أو لنقل كانت مرتبطة بمركز إقليمي أو دولي يحميها ويدعمها كما يعطيها الغطاء السياسي اللازم بشكل دائم كلما احتاجت إلى هذا الغطاء وقد كان يقود انهيار المركز المولد والمغذي والداعم لهذه النظم إلى انهيار النظم الاستبدادية التابعة له بشكل سريع وسهل وسلس, نتيجة فقدان هكذا نظم للحماية والدعم والغطاء اللازم للاستمرار, وهذا ما حصل وحدث في أوائل التسعينيات من القرن الماضي لنظم الاستبداد المعممة في أوروبا الشرقية حين انهار المركز السوفييتي المرتبطة به والتابعة له حيث تبع سقوطه انهيار سريع للمنظومة المرتبطة به, إن ما ميز بعض نظم الاستبداد المعمم في منطقتنا العربية ونعني ونقصد هنا الحالة السورية بشكل خاص, هو أن النظام الاستبدادي في سوريا هو جزء وعضو من محور إقليمي مركزه في إيران , وقد شكل وأعطى صمود المركز الإيراني بوجه الحركة الخضراء في حزيران 2009 التي قادها التيار الإصلاحي داخل الجمهورية الإسلامية عامل قوة لا للسلطة الدينية المحافظة المسيطرة على الدولة والقرار السياسي في إيران وصاحبة المشروع الفارسي الشيعي فحسب بل عامل قوة لكل الحلفاء أو لنقل الأعضاء المنضوين تحت راية هذا المشروع وحيث كان النظام السوري يشكل أحد أهم ركائز هذا المشروع . إن ما أريد قوله هنا هو أن إيران ( المركز ) شكلت عامل قوة وبقاء للنظام السوري المرتبط بها وهو الأمر الذي جعل المواجهة بين النظام وبين الثائرين لإسقاطه بعد انطلاق الربيع السوري مواجهة دموية يغذيها ويدعمها ويحميها لا قوة النظام العسكرية فحسب بل قوة ارتباطاته الإقليمية سواء ما تأتى منها من إيران أو من استطالاتها في المنطقة، هذا إذا ما أضفنا أن النظام السوري انخرط وبشروط مذلة في محور جديد ولد في سياق أزمته مع الشعب الثائر عليه, ونعني هنا المحور السوري الروسي حيث قدم النظام الساحة السورية ( بشراً وجغرافيا وتاريخاً ) على طبق من فضة لروسيا الاتحادية مقابل تأمين حمايته والدفاع عنه ومده بكل وسائل وأسباب البقاء والاستمرار السياسي في الحكم مستغلاً بذلك حاجة ورغبة وهوس القيادة الإمبريالية الجديدة في روسيا الاتحادية أن تخرج خارج حدودها القومية إلى العالمية لتحقق بعض الانتصارات تعيد لها وبها أمجاد الإمبراطورية الروسية القديمة والحديثة السوفييتية. إن هذه الخاصية التي تمتع بها النظام الاستبدادي في سوريا ونعني هنا انتماءه لمحور إقليمي ( محور إيران ) ومحور دولي ( محور روسيا ) شكل حالة استثنائية لم يتمتع بها من قبل نظام استبدادي عرفته العصور الحديثة, ويكفي هنا أن نشير إلى أن النظام السوري الذي احتل عملياً وموضوعياً مقعدين دائمين في مجلس الأمن الدولي ( مقعد روسيا والصين ) الأمر الذي جعله يدمر ويقتل ويهجر من شعبه ما لم يفعله نظام عبر التاريخ القديم والحديث، ودون أن يكون هناك فعل دولي حقيقي رادع لهذه الأعمال الإجرامية. إن الدعم الذي لاقاه النظام السوري من حلفائه الإقليميين ( إيران والعراق وحزب الله وغيرهم من الميلشيات الطائفية ) وحلفائه الدوليين ( هنا نقصد الفيتو الروسي والصيني ) وحتى حلفاؤه من دول الديمقراطيات الفتية اليسارية في أمريكا اللاتينية التي لم تستطع أن تخرج من عباءة الستالينية في فهمها لمواجهة الإمبريالية العالمية, نقول لولا هذا الدعم مضافاً إليه الدعم الذي تلقاه من مجموعة الدول التي سمت نفسها كذباً بأصدقاء الثورة والشعب السوري – وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية - لسقط النظام السوري من الأشهر الأولى من المواجهة مع الشعب إن لم نقل من الأسابيع والأيام الأولى.
عاشراً: إن الطابع الطائفي في بعض الساحات العربية والقبلي في ساحات أخرى للدولة الاستبدادية المعممة قد أسس في هذه الساحات لمظلوميات طائفية وقبلية وحتى في بعض الساحات تراكب ذلك مع مظلومية قومية, فقد عرف المجتمع العراقي المظلومية الشيعية إضافة إلى المظلومية القومية الكردية في زمن نظام الاستبداد المعمم البعثي، كما عرف المجتمع السوري المظلومية السنية إضافة إلى المظلومية القومية الكردية, وقد شكلت هذه المظلوميات البوابة التي دخلت منها القوى المحلية ونقصد هنا الأنظمة المستبدة ومعارضات الإسلام السياسي الشيعي والسني، والقوى الإقليمية صاحبة المشاريع الدينية الطائفية ونقصد هنا إيران وتركيا والسعودية وقطر ...الخ والقوى العالمية التي تتمحور خلف الأقطاب المحلية والإقليمية, نقول شكلت هذه المظلوميات البوابة التي تم منها نقل ميدان وساحة الصراعات السياسية داخل المجتمعات العربية إلى ميدان وساحة الصراعات الطائفية أو القبلية أو القومية, فبالرغم من حدة كل الخلافات والصراعات بين كل القوى المتصارعة ( المحلية والإقليمية والعالمية ) على الأرض العراقية ومن ثم السورية بعد انطلاقة الربيع السوري إلا أنها كانت جميعها متفقة فيما بينها بشكل معلن أو مستور على القضاء على البعد والطابع التحرري للربيع السوري بشكل خاص والربيع العربي بشكل عام, أي كانوا جميعاً وكل من زاوية مصالحه وحساباته الخاصة متفقين على وأد الربيع العربي من خلال القضاء على بعده التحرري الديمقراطي .
حادي عشر : إن إدراك أمريكا وإسرائيل لخصائص هذه المواجهة القائمة داخل المجتمعات العربية هو ما جعلها وسهل عليها أن تعمل ليل نهار على صب الزيت على نار هذه المواجهة وذلك بهدف تحقيق مصالحها ومصالحها فقط .






السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا - 11 - journal lemonde 5 of 5
لومـــــوند : نبيل ملحم حادي عشر : النظام السوري نموذجاً للبربرية الكامنة في خصائص نظم الاستبداد المعمم : قبل الحديث عن خصائص نظم الاستب...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك