السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا 4/10

لومــــوند : نبيل ملحم
رابعاُ : القطع مع المدنية وتدحرج النظام السوري نحو الهوية الحرشية :
ركز علم الاجتماع الحديث في توصيفه للنظم السياسية على الجوانب الطبقية أو السياسية أو الايديولوجية في إعطاء اسم وتوصيف للنظم السياسية فيقال مثلاً عند أخذ الجانب الطبقي لطبيعته أن نظاماً ما هو برجوازي أو إقطاعي أو عبودي ....الخ ويقال مثلا عند أخذ الجانب السياسي لطبيعته أن نظاماً ما هو نظام ديمقراطي أو ديكتاتوري أو فاشي أو استبدادي شمولي .... الخ ويقال مثلا عند أخذ الجانب الايديولوجي لطبيعته أن نظاماً ما هو ليبرالي أو شيوعي أو قومي أو ديني..... الخ وإذا كان هذا صحيحاً في توصيف النظم التي تقوم في شروط التطور الطبيعي للمجتمع وبما يعني أن الإطار التاريخي لوحدة ووجود وصراع القوى داخل المجتمع يتم ويتكون في إطار علاقات الإنتاج التي تنسج حولها مجمل خيوط ومكونات البنية التحتية للنظام الاجتماعي السياسي وحيث البناء الفوقي السياسي كالدولة والسلطة يأتي كانعكاس طبيعي معبر عما هو موجود من توازنات في مجمل الطبقات العميقة للبنية التحتية الاقتصادية وحيث تكون توازنات قوى المجتمع الطبقية والسياسية والاجتماعية هي المحددة لوجود وحركة وتطور البناء الفوقي كما المحددة لعلاقة البناء الفوقي ولا سيما الدولة والسلطة لعلاقتهما بالمجتمع بشكل عام وعلاقتهما بالمجالات الثلاثة الاقتصادية والسياسية والايديولوجية المكونة للبنية الاجتماعية وحيث يكون هنا للمؤسسات التحتية الاقتصادية والمؤسسات الفوقية السياسية والايديولوجية الدور الحاسم في بناء ووجود النظام السياسي وحيث الدولة هنا هي نتاج عقد اجتماعي بين أفراد الطبقة السائدة في النظم الاجتماعية السياسية الطبيعية العبودية أو الاقطاعية وبين أفراد كل المجتمع في النظم الطبيعية الرأسمالية وإذا كان هذا صحيحاً في شروط النظم الاجتماعية السياسية الطبيعية أو لنقل في شروط التطور الطبيعي للمجتمع فإن الأمر لا يكون صحيحاً البتة في شروط وجود وصعود نظم الاستبداد المعمم والتي هي نظم سياسية استثنائية لنظم اجتماعية استثنائية والتي تقوم الدولة فيها بوصفها دولة الاستبداد المعمم وحيث الدولة هنا هي نتاج عقد ايديولوجي ديني - في حالة النظم العبودية والاقطاعية غير الطبيعية أو وضعي في حالة النظم الرأسمالية أو ما بعد الرأسمالية غير الطبيعية - بين السلطة – الدولة والمجتمع في البداية ثم بعد مسار وصيرورة تصبح الدولة هي نتاج عقد إذعان بين رأس السلطة - الدولة والمجتمع برمته وحيث هنا يصبح الإطار التاريخي لوحدة ووجود وصراع قوى المجتمع قائماً في إطار كيان الدولة - مؤسساتها وأجهزتها المختلفة الاقتصادية والسياسية والايديولوجية .....الخ - حيث هنا يتم استبطان نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج في أحشاء الدولة أو لنقل في بطانتها الداخلية وحيث يحدث هنا وينشأ بسبب ذلك علاقة شاذة ومعكوسة بين البناء الفوقي والبناء التحتي للمجتمع وبما يعني علاقة شاذة ومقلوبة في علاقة التأثير والتحديد بين البناءين التحتي والفوقي . حيث تقوم الدولة – السلطة في لحظة من تاريخ وجود المجتمع وتحديداً في لحظة هيجان وتجييش حاد للمجتمع ضد الطبقة السائدة المالكة للثروة بابتلاع المجتمع في أحشائها عبر سطوها على المجالات الثلاثة الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي المكونة للبناء الاجتماعي الكلي حيث يقع ويقيم ويوجد كل المجتمع في هذه المجالات فهنا تتوالد الطبقات الاجتماعية بوصفها طبقات دولة كما يبنى الهرم الاجتماعي الطبقي من خلال الدولة فالصعود والهبوط على سلم الهرم يصبح من خلال العلاقة مع الدولة السلطة لا من خلال العلاقة بوسائل الإنتاج أو العلاقة بالثروة أو لنقل يصبح العبور للثروة يتم من خلال العبور من بوابة السلطة – الدولة. وهنا يكون للفرد القائد المتربع على رأس البناء الفوقي وفي أعلى هرم الدولة والسلطة الدور الحاسم في بناء النظام السياسي والقواعد التي يرتكز عليها نوع كهذا من النظم السياسية ففي هذه الشروط من علاقة البناء الفوقي المعكوسة مع البناء التحتي تفتح كل الاحتمالات والامكانات لتؤسس الدولة - السلطة قواعد ارتكاز غير طبقية أو لنقل تفتح إمكانية أن تؤسس الدولة – السلطة إضافة لقاعدة ارتكازها الطبقية قواعد ارتكاز إضافية غير طبقية حيث نجد مثلا إمكانية الارتكاز على العصبيات القبلية أو الطائفية أو نجد مثلاً الارتكاز على المجتمع الريفي على حساب المجتمع المديني – من مدينة – أو نجد هنا تأثير الخصائص التاريخية والجغرافية والبيئية والمهنية للقاعدة الاجتماعية التي يرتكز عليها النظام السياسي كما نجد هنا الخصائص الشخصية لرأس النظام السياسي مضافاً إليها الخصائص التاريخية للقواعد التي يرتكز عليها دوراً حاسماً في تحديد صفة النظام السياسي. فهنا باعتقادي لا تكون الجوانب الثلاثة ( الطبقي أو السياسي أو الايديولوجي) كافية لتحديد صفة دقيقة لنوع كهذا من النظم. فهنا علينا أن نضيف جوانب أخرى إلى الجوانب الثلاثة المذكورة كي تكون قادرة على الإحاطة الكاملة بصفات النظام السياسي وأعني هنا الجانب المتعلق بالبيئة الاجتماعية الحضارية التي ينتمي إليها نظام ما كأن نقول مثلاً أضافة إلى الأوصاف السابقة بأن نظاماً ما هو نظام مدني أو نظام ريفي أو نظام فلاحي أو رعوي ....الخ فإذا نظرنا مثلاً إلى أغلب نظم الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي في الستينيات من القرن العشرين إن كانت الناصرية أو البعثية أو مشتقاتها القومية والتي قيل عنها أنها نظم البرجوازية الصغيرة دلالة على منبتها وصفتها الطبقية كما قيل عنها أنها النظم القومية دلالة على الايديولوجيا التي حكمت وصعدت باسمها كما قيل عنها أنها النظم الدكتاتورية دلالة على كونها صعدت إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية وعلى جثة الحياة البرلمانية الديمقراطية في أكثر من ساحة عربية. وإذا كانت كل هذه الصفات صحيحة في بعض وجوهها إلا أنها رغم ذلك لا تحيط باعتقادي بكل صفات هذه النظم فقد كان علينا أن نضيف أنها كانت نظماً ريفية كونها جاءت على حساب وجثة النخب السياسية والطبقية والاجتماعية والثقافية المدنية التي أسست دولة الاستقلال في الواقع العربي الحديث . أن إغفال هذه الصفة عدا عن كونه يشكل إغفالاً لجانب من الحقيقة الموضوعية إلا أنه كذلك يغطي ويخفي المخاطر التي نتجت عن هذا الإقصاء للمدنية وتقدم وسيادة الصفة الريفية التي عكست ذاتها في الواقع العربي لا من خلال ترييف المدن العربية فحسب بل من خلال ترييف السلطة والثقافة والقيم وكل ما يمت بصلة للحياة العامة لهذه المجتمعات وبما يعني إقصاء قسم لا يستهان به من المجتمع بالمعنى الثقافي والاجتماعي والطبقي والسياسي والحضاري. أن الأخطر من عدم رؤية صفة الريفية في النظم هذه هو عدم رؤية التطور اللاحق للكثير من هذه النظم حين انتقلت في ارتكازها بعد سلسلة من الانقلابات والتصفيات في صفوفها من الحالة الريفية إن صح القول إلى الحالة الطائفية أو القبلية أو القومجية أو الشوفينية القومية أي حين انتقلت إلى قاعدة للارتكاز أضيق في تمثيلها قياساً لعموم المجتمع وأخطر في وجودها وسيادتها بالمعنى السياسي والوجودي على هوية وتماسك المجتمع. هذا إذا ما أضفنا عدم رؤية – خصوصاً في صفوف اليسار السوفييتي السوقي - تطور صيرورة هذه النظم وتحولها من نظم برجوازية صغيرة إلى نظم أصبحت بالمعنى الطبقي تشكل الطبقة العليا للدولة الاستبدادية وحيث تم هنا إعادة بناء الطبقات والهرم الطبقي على أسس لا علاقة لها بكل الاقتصاد السياسي إن كان الماركسي الكلاسيكي أو حتى السوقي الذي كانت تروج له النظريات السوفييتية الرخيصة والسوقية وهنا من المهم الإشارة والقول بأنه حتى اليسار الذي غرد خارج السرب السوفييتي لم يدرك عندما كان يناقش أزمة ما كان يسمى " حركة التحرر الوطني " والتي لم يكن فيها شيئاً من التحررية ولا من الوطنية في عالمنا العربي أو في العالم بشكل عام أقول : حتى هنا فقد كان البحث يتركز بشكل أساسي وحاسم على البنية الطبقية والسياسية والايديولوجية للفصائل التي كانت بقيادة هذه الساحة أو تلك دون رؤية وإدراك أن أزمة " حركات التحرر الوطني " كانت في أساسها في نموذج الدولة الذي بنته الفصائل التي وصلت إلى السلطة وتم اقتباسه من المعلف السوفييتي الاستبدادي الستاليني أي لم تكن تدرك أن أزمة " حركات التحرر الوطني " بدأت بتلك العلاقة الخاطئة والمدمرة بين الدولة والمجتمع والقائمة على استبداد الدولة بالمجتمع وقيام ما نطلق علية الدولة الاستبدادية المعممة التي يتربع على رأسها نظام استبدادي معمم . أعود للقول بأن ارتكاز هذه النظم على الهويات الطائفية أو القبلية أو القومية الشوفينية كان يفرض علينا أن نضيف في توصيفنا لهذه النظم إضافة للصفات السابقة صفة الطائفية أو القبلية أو الشوفينية كما ينبغي أن يضاف إلى كل ذلك الخصائص البيئية والمهنية التي ينتمي إليها وينحدر منها نظام ما أو تنحدر منه قاعدته الاجتماعية الطائفية أو القبلية كأن نقول مثلاً نظاماً رعوياً أو تجارياً ...الخ كما يمكن أن يضاف إلى ذلك الخصائص الجغرافية التي تنتمي إليها القاعدة الطائفية أو القبلية التي يرتكز عليها النظام ولا سيما عندما توضع هذه القاعدة في مواجهة المجتمع كأن نقول مثلاً نظاماً صحراوياً أو نظاماً حرشياً ( من الحرش) .....الخ وإذا كانت مساحة هذه المقالة لا تكفي كي أدافع عن كل ما يتعلق بأثر البيئة التي ينتمي إليها مجتمع أو نظام سياسي أو قاعدته الاجتماعية أو إيديولوجيا ما إلا أني أستطيع القول باختصار شديد على سبيل المثال لا الحصر حول مسألة تبييء الايديولوجيات وتبييء ثقافة السلطة وأهل وأصحاب السلطة والدولة ما يلي : لقد قاد مثلاً انتصار أول ثورة اشتراكية في التاريخ في بلد زراعي ريفي فلاحي كروسيا القيصرية إلى ترييف الشيوعية التي أنتجت أساساً في أرقى المدنيات في عصر نشوئها ومن ثم تحولت مع صعود الستالينية وبعد أن أخذت لا من صفات روسيا الفلاحية فحسب بل أضيف إليها الصفات والخصائص الثقافية الشخصية للبيئة التي حددت الحد الحضاري لشخص جوزيف ستالين أقول : تحولت إلى ماركسية ريفية قوزاقية رثة عبودية. ومع انتقال ماركسية ستالين إلى الأطراف الريفية من النظام العالمي أضيف على هذه الماركسية ترييف على ترييف أي أصبحت ماركسية مربعة الترييف ولهذا لم يكن غريبا وجود ماركسي لا يستحم حتى تصبح رائحته أقوى من رائحة خنزير بحجة تعاطفه وتضامنه مع عرق العمال والفلاحين الفقراء كما لم يكن غريباً أن تجد أن هذا الماركسي يعتبر النظافة مظهراً من مظاهر المجتمع البرجوازي يجب محاربتها واعتبار صاحبها ذو ماركسية غير أصيلة. ولهذا كذلك لم يكن غريباً أن نجد بيريا وياغودا – مخبري ستالين – بين صفوف كل الأحزاب الشيوعية العربية وغير العربية ولكن بنكهة أكثر قذارة وتخلفاً من مخبري ستالين. كما قاد انتقال مركز ثقل الإسلام السياسي من مصر وسوريا - البترو دولار دوراً أساسياً في تحويل الإسلام السياسي إلى إسلام سياسي بدوي رعوي غير متمدن، كما لا يمكن في نفس الإطار الفصل بين خصائص الصراع السياسي في العراق وحديته ودمويته عن البيئة العراقية وخصائصها، كما لا يمكن فصل خيمة القذافي في ليبيا ومضافة علي عبد الله صالح في اليمن عن البيئة القبلية التي تم إحياؤها وتنشيطها في الواقع والمخيال السياسي الليبي واليمني ، كما لا يمكن فصل باطنية حافظ الأسد عن طريقته في إدارة الصراع السياسي وطريقة بناء الدولة الأسدية في سوريا هذا إذا ما أضفنا عدم الفصل بينه وبين بيئته الجغرافية والبيئة التاريخية التي عاش فيها وعاشت فيها القاعدة الاجتماعية الطائفية التي استند إليها. أن ما كان خطيراً في عملية ارتكاز نظم الاستبداد المعمم في الواقع العربي على الهويات والعصبيات ما قبل الوطنية لم يكن في بناء هذه العصبيات ولم يكن في أن هذا الارتكاز قاد إلى تفتيت الهوية الوطنية للمجتمع أو لنقل قاد إلى إحداث تشققات وتصدعات كبيرة في جسم الهوية الوطنية فحسب وإنما في عمل بعض هذه النظم ولا سيما في الحالة السورية على مدار عقود وعقود من عمر حكمها على دحرجة عقل العصبية التي استندت إليها إلى الوراء باتجاه بيئتها الثقافية والحضارية القديمة وصولاً إلى أقسى المحطات إيلاماً في ذاكرتها وحيث هنا تعيد المخيلة البشرية إنتاج كل صور الحياة في الماضي بدءاً بصور الصراع مع الطبيعة وصولاً لصور الحياة الاقتصادية والمهنية وطعم مرارتها مروراً بصور الحياة الروحية والثقافية والسياسية التي عاشتها بشكلها الباطني خوفاً من الآخر أي هنا تم إنتاج وإعادة إنتاج عقل الجماعات البشرية التي تعيش في الحاضر وفق سرديات المخيلة عن الماضي – وهنا من المهم الإشارة إلى أن الأفلام السينمائية للمخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد وبدون وعي وقصد منه ساعدت كثيراً مع غيرها من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية على إحياء وتجسيم هذه المخيلة ولا سيما بالنسبة للأجيال التي لم تعرف وتعاصر تلك المرحلة بكل بؤسها وشقائها - وهو الأمر الذي أنتج جماعات بشرية تعيش حالة فصام وجودي تاريخي حضاري حيث تعيش حياتها المادية في الملبس والمأكل والمسكن والتنقل بوسائل وأدوات الحاضر في حين تعيش عقلياً وثقافياً وسياسياً في زمن الماضي إنها حالة إنتاج الإنسان الذي يعيش في الجبال والغابات والأحراش القديمة ولكن بلباس وأدوات الحاضر. أنه نوع من إنتاج سلفية في الحد الحضاري والهوية إذا صح التعبير على غرار السلفيات الدينية التي كانت تنشأ في الواقع السوري وتتدحرج بالتوازي والتقابل مع الأولى وتأخذ طابعاً رعوياً بدوياً بتأثير نظم الاستبداد الرعوية في دول الخليج العربي. أي أن العصبية الطائفية التي استند إليها النظام السوري على هيئة سلفية في الحد الحضاري والهوية كانت تنتمي إلى حد حضاري قديم ثقافياً وسياسياً - على شكل طائفية سياسية حرشية - وتنتمي بنفس الوقت إلى حد حضاري حديث مادياً, أي حالة الانتماء إلى زمنين زمن الحاضر الذي كان ضرورياً للنظام كي يشد عصب هذه الجماعات ويرتكز عليها في زمن الاستقرار من خلال إعطائها ومنحها بعض الامتيازات المادية وزمن الماضي الذي كان ضرورياً للنظام للدفع بهذه الجماعات كي تدافع عن كرسي الحكم في زمن الأزمة بعقل وثقافة الماضي. وإذا ما قمنا على سبيل المثال بتركيب وتفكيك عبارة " نحنا الدولة ولاك " التي يستخدمها أصحاب وأهل الدولة الأسدية المنتمين للقاعدة الاجتماعية الطائفية التي ارتكز عليها النظام في وجه السوريين نجد أن الشق الأول من هذه العبارة أي " نحنا الدولة " تدل لا على المكتسبات المادية والمعنوية التي امتلكوها فحسب بل تدل كذلك على فائض القوة التي أصبحت بحوزتهم في مواجهة الآخر، كما نجد أن الشق الثاني من هذه العبارة أي كلمة " ولاك " يدل على الأساس والحد الحضاري الحرشي القديم لأصحاب هذه الكلمة التي أصبحت توجه للسوريين بوصفها ثقافة للسلطة وأهل السلطة والدولة بكل شرائحهم العليا والوسطى والسفلى . إن تسليط الضوء على هذه الجوانب وكثير غيرها وعدم الوقوف فقط عند الجوانب الطبقية والسياسية والايديولوجية هو ما يجعلنا نفهم الماهية الحقيقية الكلية التي تميز هذا النظام عن ذاك ولا سيما في اللحظات التي ينساق فيها النظام في لحظات أزمته ومواجهته للمجتمع للكشف عن الطبقات العميقة التي تكونه وتحدد سلوكه السياسي والثقافي والحضاري بشكله العاري. فكل الأعمال البربرية التي مارستها نظم الاستبداد العربي بحق شعوبها ليست خارج كون بعضها كان في العمق نظاماً فلاحياً أو رعوياً أو حرشياً أو الكل معاً حتى يمكن القول إن نظم الاستبداد العربي التي عرفها الواقع العربي بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين كانت في وجه من وجوهها نظماً سلفية من زاوية حدها الحضاري على غرار السلفيات الدينية التي أنتجت في مقابل هذه النظم وبتأثيرها, كما يمكن القول أن المجتمعات العربية قد تم تدميرها في الوقت المعاصر على يد نوع كهذا من النظم، وإن الخراب الذي لحق بأهم وأغلب الحواضر العربية في العقود الخمسة الماضية وبلغ ذروته في السنوات القليلة الماضية على شكل دمار كلي وشامل والذي بدأ بترييف المدن ومن ثم ترييف وتطييف أو قبلنة – من قبيلة – السلطة والدولة, أقول أن ذلك الخراب تنتمي أسبابه إلى نفس الجنس الذي قاد في قرون ماضية إلى خراب أول حاضرة عرفها المجتمع الأوروبي وأقصد بذلك خراب وانهيار مجد روما في نهاية القرن الخامس الميلادي على يد القبائل الجرمانية المتوحشة والتي أتت من شمال القارة الأوروبية وتغلغلت شيئاً فشيئاً في جسد الامبراطورية الرومانية, كما يمكن القول أن تدمير المدن السورية فوق رؤوس ساكنيها لا يمكن تفسيره على أنه دفاع عن مصالح سياسية أو طبقية أو ايديولوجية فحسب بل ينبغي أن نضيف بأنه يكمن خلفه عقلاً سلفياً قديماً على هيئة سلفية في الحد الحضاري تم إنتاجه على مدى عقود وعقود , عقل ينظر إلى المدينة على أنها العدو اللدود أي عقل من كان يسكن معزولاً في غابات وأحراش الجبال النائية وينظر إلى المدينة فلا يرى فيها سوى صورة عدوه الذي رسم حدود وجوده من جهة ويحلم بالسيادة عليها حتى ولو كانت ركاماً وحطام مدن أن دعوة الموالين للنظام السوري لتدمير المدن الثائرة في وجهه فوق رؤوس ساكنيها – ومن الأشهر الأولى للثورة وقبل عسكرتها - ليتم من بعدها حراثتها وزراعتها بالبندورة والبطاطا على حد قولهم لا يدلل على عمق عدائهم السياسي للمجتمع الثائر فحسب بل يدلل على مجمل الثقافة السلفية الكامنة خلف هذه الدعوة وحيث يأتي في مقدمة تلك الثقافة العداء الحضاري للمدينة والمدنية فهذا التدمير قد يكون ضرورياً لإرواء عقدة نقصهم التاريخية تجاه المدينة والمدنية وقد يكون حاجة تاريخية قديمة ضرورية لإرواء عقدة نقص من سكن معزولاً في الجبال والأحراش تجاه المساحات الواسعة من الأراضي الصالحة للزراعة ولكن المروية للأسف بدم الأخوة الأعداء. أن ما قام به النظام الأسدي ومن خلفه قاعدته الاجتماعية الطائفية من أعمال قتل وتدمير هي ذاتها حالة من يستشعر خطراً قادماً عليه من الحرشة التي يسكنها فقام بإحراقها كلها كي يتجنب خطر ما هو مخفي بداخلها ، أنها حالة البربرية التي لا يفسرها الاقتصاد والسياسة والايديولوجيا فحسب بل كل ما جاء في هذا المقال.
السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا 4/10 lemonde.in 5 of 5
لومــــوند : نبيل ملحم رابعاُ : القطع مع المدنية وتدحرج النظام السوري نحو الهوية الحرشية : ركز علم الاجتماع الحديث في توصيفه للنظم السيا...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك