إغلاق صيرورات التطور وخطر خروجنا من التاريخ

لومـــــوند : نبيل ملحم
الوصفة الغربية لإمراض الواقع العربي منذ قرن من الزمن وحتى يومنا هذا، هي إعادة صياغة الهوية التي ينتمي ويتحدد من خلالها الإنسان العربي أو لنقل إعادة صياغة شكل الاجتماع العربي. وهنا علينا أن نسارع للقول بأن معظم أمراض الواقع العربي ذات منشأ داخلي أساساً، أي ناتجة عن الشروط الداخلية الحاكمة لوجوده قبل أن تكون ناتجة عن الشروط الحاكمة لعلاقتها بالخارج. فالخلل في البنى السياسية والاقتصادية والثقافية داخل المجتمعات العربية هو ما يجعلها بنى مريضة وهو ما يجعلها بنى قابلة لأن تفعل بها القوى الخارجية كيفما تشاء ومتى تشاء. وإذا كانت الأحداث التي عصفت في منطقتنا والعالم بداية القرن الماضي قد كشفت كيف استغل الغرب كل أمراض الواقع العربي ليعيد من خلالها صياغة شكل الاجتماع القومي العربي- الذي بالأساس لم يصل يوماً إلى مرحلة الاجتماع الناضج- من خلال ما عُرِفَ بسايكس بيكو والتي تم من خلالها تقسيم الاجتماع العربي عمودياً فكانت الدولة القطرية، فإن الأمر الآن وفي بداية القرن الحالي، يتكرر ولكن مع الكيانات القطرية وبشكل أكثر خطورة وحديّة في ساحات تعج بالانتماءات الطائفية والقومية والعرقية والقبلية، حيث الصياغة الجديدة تعتمد على التقسيم العمودي للمجتمعات العربية بحيث يفتت الاجتماع القطري إلى مجموعة من الهويات الطائفية أو القبلية، فنحن هنا أمام سايكس بيكو جديد وحدود جديدة تعتمد على الهويات الدينية ما قبل الوطنية بحيث يصبح هدف أصحاب هذه الهويات هو تقاسم الدولة القطرية في صيغة محاصصة طائفية والسعي على مدى المستقبل إلى توسيع هذه الحدود والحصص عبر الوسائل السلمية تارة وعبر الحروب الأهلية في أغلب الأحيان، إلى أن تحين اللحظة المناسبة التي يرى فيها أصحاب الحصص ضرورة لإنشاء كيانات سياسية مستقلة أو لنقل دويلات مستقلة بعضها عن بعض . لقد كشف الربيع العربي أكثر من أي وقت مضى بأن القوى المتحكمة بالنظام الرأسمالي العالمي لا يعملون على هزيمة قضية التغيير الديمقراطي في مجتمعاتنا فحسب، بل يسعون إلى تحقيق هزيمة تاريخية للشعوب العربية من خلال قطع الحوامل التاريخية لهذه الشعوب، وبما يعني إخراج هذه الشعوب إلى خارج أسوار التاريخ. إن القوى القائدة للنظام العالمي ومن خلال عملها على تكريس الانقسام العمودي داخل المجتمعات العربية من خلال توفير كل الإمكانات والمناخات والظروف ودعم كل الصراعات الطائفية والقبلية في المنطقة العربية تسعى إلى إطلاق ودعم صيرورات من الجدل الهابط باتجاه قاع لا قرارة له في الانحطاط والانهيار. وهنا أقول إن الذين عملوا على تغيير الواقع العربي عن طريق تحالفهم مع الأمريكي ومع تيارات الإسلام السياسي الشيعي أو السني بحجة إن ذلك ربما يقود إلى فتح صيرورات جديدة ربما تقود إلى الأفضل، سيكتشفون بعد فوات الأوان أنهم بعملهم هذا انخرطوا دون أن يعلموا في سياق صيرورة وحيدة قديمة-جديدة هي صيرورة الجدل الهابط التي تقود إلى حالة التشكل البدائي الأولي للمجتمعات العربية، أي العودة القهقرى في حالة الاجتماع العربي من الحالة القومية إلى الحالة القطرية إلى الحالة الطائفية أو القبلية وربما في مرحلة لاحقة إلى الحالة العشائرية والعائلية. لقد عرفت البشرية الانقسام العمودي المؤلف من قبائل وجماعات قومية وعشائرية وأثنية ...إلخ، وهي المرحلة التي سميت بمرحلة ما قبل فجر التاريخ البشري حيث الصراع هنا يدور في سياق صيرورات مستقلة بعضها عن بعض بين هذه الجماعات ولكن دون أن يقود ذلك إلى التطور والتقدم التاريخي. وقد عاشت البشرية على هذه الحالة قرون من الزمن إلى أن نشأ في أحشاء هذه الجماعات البشرية البدائية المفككة المجتمع الطبقي أو لنقل حتى عرفت هذه الجماعات المستقلة الانقسام الأفقي الطبقي، فعندها انتقلت هذه المجتمعات من الانقسام العمودي إلى الانقسام الأفقي الطبقي، وهنا نشأت الحوامل التاريخية لتطور كل مجتمع من المجتمعات البشرية المختلفة، حيث إن الصراع الطبقي الناتج عن الانقسام الأفقي بين مالكي الثروة والمحرومين من الثروة شكل السكة اللازمة لسير قطار التطور، فإذا كان الصراع الطبقي هو محرك التاريخ فإن الانقسام الأفقي الذي يؤسس لهذا الصراع هو الأساس الذي شكل الحامل التاريخي لحركة التاريخ نحو الأعلى وفق قوانين ديالكتيك التطور، أي إذا كان الصراع الطبقي هو محرك مصعد التاريخ فإن الانقسام الأفقي الطبقي للمجتمع يشكل الحبال التي يصعد عليها مصعد التاريخ. ما أريد قوله إن المجتمعات البشرية بقيت محرومة من حواملها التاريخية حتى جاء الوقت الذي انتقلت فيه إلى الانقسام الأفقي الطبقي وعرفته، أي ظلت تدور في حلقة شبه مفرغة من التطور البطيء حتى انتقلت من الانقسام العمودي القبلي والعشائري والعائلي والأثني إلى الانقسام الأفقي الطبقي الاجتماعي، بمعنى نشوء الطبقات الاجتماعية داخل كل مجتمع. وإذا كان هذا الانتقال مسألة طبيعية وحتمية في ظل تطور المجتمعات في سياق صيرورات مستقلة بعضها عن بعض، فإن ما يجعل الوقوع في هذه الحلقة المفرغة من الانقسام العمودي أمراً خطيراً كارثياً لا فكاك منه هذه الأيام هو أن البشرية ومنذ أن عرفت الرأسمالية في المجتمعات الغربية الأوربية، ومنذ أن توسعت هذه الرأسمالية إلى خارج حدودها القومية وشكلت سوقها ونظامها الاقتصادي والسياسي العالمي أصبحت البشرية كلها تعيش وتخضع لصيرورة واحدة هي صيرورة التطور الرأسمالي العالمي المنطلقة من مراكز هذا النظام، الأمر الذي يعني أن هذه الصيرورة أفقدت المجتمعات الأخرى إمكانية التطور المستقل في صيرورة مستقلة كما كان الأمر في بداية الوجود والتطور البشري أو لنقل كما كان الحال في المراحل التي سبقت ظهور الرأسمالية على مسرح التاريخ. أي إذا كانت المجتمعات البشرية في مرحلة ما قبل فجر التاريخ قد استطاعت الانتقال من الانقسام العمودي إلى الانقسام الطبقي الأفقي ومن ثم الإقلاع والركب في قطار التطور التاريخي فإن هذه الإمكانية - مع خضوع كل صيرورات التطور في العصر الحديث إلى صيرورة التطور الرأسمالي العالمي - في انتقال مجتمع من المجتمعات من حالة الانقسام العمودي إذا ما حدث كما هي حالة الكثير من المجتمعات العربية في أيامنا هذه إلى حالة الانقسام الأفقي الطبقي تصبح أمراً شبه مستحيل إن لم يكن مستحيلاً. وإذا انتقلنا من الكلام المجرد إلى الوقائع المحسوسة نقول إن التدخلات الدولية والإقليمية ولا سيما من قبل الدول الواقعة في مركز النظام الرأسمالي العالمي والقائدة لهذا النظام تستطيع أن تكرس الانقسام العمودي إذا ما حصل في مجتمع من المجتمعات إلى أبد الأبدين أو لنقل ما دام النظام الرأسمالي حياً وقلبه وعقله يعمل في مركزه، أي أن مصير أي مجتمع ينقسم عمودياً يبقى معلقاً في الفراغ ومربوطاً بمصير وبنية النظام الرأسمالي العالمي، وبمعنى أخر إن الإرادة الدولية للدول القائدة للنظام الرأسمالي العالمي التي تسعى إلى إحداث صيغة الانقسام العمودي في مجتمع من المجتمعات كالحالة اللبنانية وبعدها الصومالية والعراقية وبعدها على الأغلب الحالة السورية واليمنية والليبية...إلخ، تستطيع أن تكرس حالة الانقسام العمودي هذا، وبما يعني وضع هذه المجتمعات والبلدان والشعوب وبشكل دائم على سكة صيرورة جدل هابط يقودها إلى الحالة البدائية والشكل البدائي الأولي للمجتمع وبشكل مستمر وتكراري بحيث يكون الانقسام العمودي الطائفي أو القبلي هو دائماً سيد الموقف وحيث يعيش المجتمع دائماً في دوامة صراع طائفي أو قبلي أو قومي (أو الكل معاً) لا يستطيع أن يخرج من إطاره، أي وضع هكذا مجتمعات خارج أسوار التاريخ الحديث، وعلى هذه الأرضية يمكن أن نفهم السياسة الغربية منذ قرن من الزمن تجاه منطقتنا العربية ونعي خطورة التحالف أو تسليم قراراتنا الوطنية لقادة النظام العالمي، فهذا النظام لا يفتح صيرورات للتطور في الأطراف وفي مجتمعاتنا كما اعتقد أصحاب نظرية الصفر الاستعماري المشؤومة وإنما يغلق كل صيرورات التطور. إن انتقال مجتمع من المجتمعات من حالة الانقسام العمودي إلى حالة الانقسام الطبقي الأفقي لا يعني ولا بأي شكل من الأشكال زوال الانقسام العمودي بشكل كلي من الوجود وإنما يعني إن صفة الانقسام العمودي تصبح صفة متنحية في حين تصبح صفة الانقسام الأفقي الطبقي هي الصفة السائدة والمسيطرة، كما إن انتقال مجتمع من المجتمعات من حالة الانقسام الأفقي الطبقي إلى حالة الانقسام العمودي لا يعني بأي شكل من الأشكال إن صفة الانقسام الأفقي قد تم إزالتها أو زوالها من واقع وجود المجتمع أي لا يعني عدم وجود الانقسام الأفقي الطبقي وإنما يعني أن صفة الانقسام الأفقي تصبح صفة متنحية في حين تتقدم صفة الانقسام العمودي لتصبح هي الصفة السائدة والمسيطرة. وبلغة الهويات يمكن القول إن انتقال مجتمع من حالة الانقسام العمودي إلى حالة الانقسام الأفقي يعني الانتقال في هوية وانتماء الأفراد من الهوية الضيقة الصغيرة الما تحت وطنية إلى الهوية الكبيرة الواسعة أي إلى الهوية الاجتماعية السياسية ذات البعد والدلالة الوطنية، كما إن انتقال مجتمع من المجتمعات من الانقسام الأفقي إلى الانقسام العمودي يعني الانتقال في هوية وانتماء الفرد من الهوية الكبيرة ذات الطابع الوطني إلى الهوية الضيقة التي ليست بالضرورة حاملة لطابعٍ وبعدٍ وطني، أي الانتقال إلى الهوية الما تحت وطنية. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المجتمعات البشرية لم تعرف الهوية الوطنية بمعناها الثابت والدال على انتماء جغرافي وبشري وتاريخي ثابت في أمة أو في دولة وطنية محددة المعالم والحدود التاريخية والجغرافية إلا بعد أن عرفت هذه المجتمعات الانتقال إلى الانقسام الأفقي الطبقي، وبالمقابل يمكن القول أن أي مجتمع من المجتمعات ينزلق من الانقسام الأفقي الطبقي إلى الانقسام العمودي فهذا يعني الانزلاق في الهوية الوطنية أو لنقل تمزق وانتفاء للهوية الوطنية فكل هوية ضيقة ما قبل اجتماعية سياسية هي هوية ضيقة ما قبل وطنية. وعلى هذا الأساس من القول، نجد في أغلب المجتمعات التي ينزلق فيها الانقسام ثم الصراع إلى انقسام طائفي أو قبلي عمودي، أن أهم سمة للقوى والأطراف المتصارعة تكون هي فقدانها لطابعها الوطني حيث تصبح أو تتحول هذه الأطراف إلى مجموعات بشرية ارتباطها مع القوى الخارجية الإقليمية ذات الهوية الطائفية أو الدينية أو القبلية المطابقة لهويتها هو الأساس في ارتباطاتها وعلاقتها، وعلى حساب أي ارتباط أو علاقة مع المجموعات البشرية التي تسكن معها على نفس الأرض وتشاركها نفس المصير والتاريخ، أي إن أول ما يعنيه الانزلاق إلى حالة الانقسام العمودي، هو موت الهوية الوطنية للمجتمع المعني، ويعني تحول أصحاب هذه الهويات ما قبل الوطنية إلى استطالات للخارج، كما يعني أن هذه الاستطالات تصبح الأدوات التنفيذية الضرورية واللازمة التي تعمل من خلالها القوى الخارجية الدولية ومعها الإقليمية على إغلاق صيرورات التطور والنهوض.ولقد كان عمل هذه القوى على إغلاق صيرورة تطور الربيع العربي آخر فصول عملها ولن يكون آخرها، حيث حولت هذه الصيرورات من صيرورات ثورية صاعدة إلى صيرورات رجعية هابطة، فدائماً قوى الخارج الرأسمالي تعيد إنتاج صيرورات التطور في أطراف النظام الرأسمالي من خلال هذه الاستطالات بحيث تحول هذه الصيرورات بشكل دائم إلى صيرورات هابطة. إن المستوى العالي الغير مسبوق في ممارسة العنف والتدمير المرافق له لكل بنى المجتمع الاقتصادية والعمرانية والنفسية والروحية والوطنية والتاريخية الذي شهدته أكثر من ساحة عربية يجد تفسيره في كون الأطراف المتصارعة فقدت طابعها الوطني أو لنقل جُردت من طابعها الوطني وتحولت إلى استطالات ودمى تحركها أطراف وجهات إقليمية أو دولية. لقد عاشت الشعوب والمجتمعات الأوربية قبل أن تدخل عصر الحداثة انقسامات عمودية وحروب بينية دينية ومناطقية وإقليمية كثيرة لم تقل في دمويتها عما تعيشه الكثير من المجتمعات العربية في الوقت الراهن، ولكن توفر عاملان رئيسيان جعل المجتمعات الأوربية تتجاوز محنة الانقسام العمودي وحروبه ودمائه وتمضي في مسار التطور بعد أن أعادت وصل ما انقطع من حواملها التاريخية؛
العامل الأول : كان القوة التي ولدتها البرجوازية الصاعدة والناهضة التي استطاعت أن ترمم وتشفي كل جروح الماضي وتصهر شعوبها في أمم ودول حديثة، حتى إن بعض هذه الحروب كان نتاج الإرهاصات والإفرازات والتداعيات الناتجة عن الصعود البرجوازي .
والثاني: إن الشعوب الأوربية عاشت مراحل الانقسام والصراع العمودي في مرحلة كانت كل شعوب البشرية غير قادرة على التدخل والتأثير في صيرورة تطور المجتمعات الأوربية، لا بل إن بعض هذه الانقسامات والصراعات العمودية حدثت في وقت كانت فيه القارة الأوربية قد أصبحت تشكل قلب ومركز العالم الحديث. أقول ذلك كون الانقسام العمودي في واقعنا العربي هذه الأيام يأتي في شروط برجوازية عربية طرفية كسيحة، يشكل الانقسام العمودي للمجتمع على أساس الطائفة أو القبيلة أو الدين أو القومية أو العرق فرصة ذهبية لها لتكريس احتكارها لتمثيل فقراء المجتمع سياسياً واجتماعياً، فهي برجوازية بالأساس مشكلة ومكونة من تحالف الثالوث المدنس المؤلف من كبار رجال السلطة والدين والمال، وبما يعني أن الانقسام العمودي لا يوفر لها احتكار التمثيل السياسي للفقراء فحسب بل يوفر لها قاعدة وجيش ترتكز عليه وتستخدمه تارةً بشكل سلمي وتارةً بشكل مسلح، كأداة لتحسين شروط وجودها في السوق والسلطة، أو في اقتسام كعكة السوق والسلطة ضمن صيغة للدولة تقوم على المحاصصة الطائفية أو القبلية أو القومية أو العرقية، وهكذا صيغة للدولة إذا ما تم تبنيها في الشروط القائمة داخل النظام العالمي، هي لكفيلة بإخراجنا من التاريخ مرة وإلى الأبد.


إغلاق صيرورات التطور وخطر خروجنا من التاريخ lemonde.in 5 of 5
لومـــــوند : نبيل ملحم الوصفة الغربية لإمراض الواقع العربي منذ قرن من الزمن وحتى يومنا هذا، هي إعادة صياغة الهوية التي ينتمي ويتحدد من...
انشر ايضا على

عبر عن رأيك